Masukلوسيا-
ما إن تحطم الكأس على الأرض، حتى اندفع ليو الذي كان واقفاً يحرس الباب، وأمسك بمعصمي بقوة صارخاً: "ماذا تفعلين أيتها الغبية؟!" نظرتُ إليه والأنفاس تكاد تنقطع من صدري وقاتلتُ لأخرج الكلمات: "النادل.. النادل وضع شيئاً غريباً في زجاجة الويسكي!" التفتت أنظار جميع من في الغرفة نحو الزجاجة برعب، ليدركوا في ثوانٍ معدودة الكارثة.. إيفان هو الوحيد الذي احتسى منها! -إيفان- حاولتُ النهوض أو الحديث لتهدئة الأوضاع، لكن شعوراً حارقاً وممزقاً اجتاح أحشائي فجأة. وقبل أن أنطق بحرف واحد، شعرتُ بـ غثيان عنيف، وانبثق الدم بغزارة من فمي ليتناثر على الطاولة وأرضية الغرفة. تراجع جسدي إلى الخلف واختل توازني تماماً. -لوسيا- تصلبتُ مكاني لثانية من رعب المشهد، لكن غريزتي تحركت أسرع من خوفي. ركضتُ نحوه بلا تردد، وسحبتُ المناديل الورقية بلهفة أضعها على فمه لتقرأ نزيفه، ثم التفتُّ إلى ليو وصرختُ بقوة حركت الغرفة: "علينا نقله الآن! تحرك!" انحنيتُ وحاولتُ جاهدة حمله أو إسناده، لكن جسده كان ضخماً وثقيلاً، ليدفعني ليو جانباً ويحمله ببراعة على ظهره، وركضتُ خلفه كالمجنونة عبر الممرات المؤدية إلى المخرج الخلفي حيث تقف السيارة. -ليو- صرختُ بوجه لوسيا بصوت غاضب وهستيري ملأ الشارع: "افتحي الباب الخلفي فوراً!" فتحتْ الباب بسرعة، فوضعتُ جسد إيفان شبه الواعي في المقعد الخلفي، وصعدت لوسيا خلفه مباشرة وأغلقت الباب بعنف. انطلقتُ بالسيارة بسرعة البرق أشق الشوارع، وفي ذات الوقت أمسكتُ بهاتفي واتصلت بالطبيب الخاص بالعائلة وصحتُ به بلهجة آمرة وقاطعة: "تتوجه إلى جناح الفندق حالاً وبأقصى سرعتك.. السيد إيفان في حالة حرجة!" -لوسيا- نظرتُ إلى ليو من المرايا وصرختُ بذعر: "لماذا إلى الفندق؟ هل جُننت؟! نحن لا نعلم ما نوع المادة الموضوعة في الزجاجة، يجب أن نذهب إلى المستشفى!" لم يكلف ليو نفسه عناء الرد عليّ، بل واصل القيادة بجنون حتى وصلنا إلى الفندق. ترجل وحمل إيفان مسرعاً وصعدنا إلى الجناح، ولم تمر دقائق حتى وصل الطبيب وهو يلهث. -لوسيا- وقفنا نراقب الطبيب وهو يعمل بجهد لإنقاذ حياته. وبعد وقت بدا كأنه دهر، التفت إلينا الطبيب ومسح جبينه قائلاً: "لأنه شرب أكثر من كأس.. فإن نسبة التسمم عالية جداً في جسده. قمتُ بعمل غسيل معدة فوري له وأعطيته الأدوية والمدعمات اللازمة، وهذا كل ما يمكنني فعله حالياً.. النجاة الآن تعتمد على قوة جسده." التفت ليو إليّ بملامح سوداء مظلمة كالجحيم، وعيون تنذر بمجزرة وثأر لا يرحم، وقال بصوت منخفض ومخيف: "ابقي بجانبه مع الطبيب الليلة.. لا تتحركي من هنا." ثم اقترب خطوة وأضاف: "اذا علمت ان لك يد في هذا الامر سانهي حياتك لم ينطق ليو بحرف آخر، بل استدار وغادر الجناح بخطوات ثقيلة ومرعبة، وكان واضحاً أنه في طريقه لإنهاء حياة أحدهم الليلة. -الطبيب- التفتُّ إلى الفتاة الواقفة بجانب السرير وهي تتنفس براحة بعد استقرار حالة إيفان، وسألتُها بنبرة هادئة ومتعجبة: "تبدين فتاة عادية وبريئة.. ما الذي تفعلينه مع رجل خطير مثل إيفان مارسيلدي؟" -لوسيا- فتحتُ فمي من شدة الصدمة، وتراجع جسدي خطوة للخلف وأنا أتمتم بذهول: "اذن هو فعلا رجل خطير ضحك الطبيب ضحكة خفيفة وساخرة من براءتي، ثم نظر إلى وجه إيفان الشاحب على السرير وقال بنبرة دافئة: "إنه شخص لا يعرف الرحمة .. أنا أعرفه منذ الصغر، لكن نصيحة لكِ أيتها الصغيرة.. احذري من إغضابه وحاول الابتعاد عنه ." لوسيا- استأذن الطبيب وغادر الجناحقليلاً بعد أن اطمأن على استقرار علاماته الحيوية، تاركاً إياي وحيدة مع هذا اللغز المستلقي على السرير. توجهتُ نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على أضواء المدينة، ووقفتُ صافنة أراقب الإطلالة الجميلة، بينما كانت الأفكار تتسارع في رأسي كالإعصار: "لماذا سمموه؟ هل السيد مارسيلدي شخص سيئ حقاً؟" خرجتْ مني ضحكة ساخرة ومكتومة بداخلي على تفكيري الساذج.. شخص سيئ؟! إنه رجل خطير ؟! لكن، ما قاطع حبل أفكاري المتضاربة هو انعكاس جسده المستلقي على زجاج النافذة.. كان يبدو وسيماً بشكل مستفز ومثير للاستياء كان يبدو شخصياً طبيعياً ، لدرجة جعلتني ألتفتُ بجسدي وأتحرك نحوه بخطوات بطيئة وهادئة.عاد إيفان إلى الطاولة وهو لا يزال ممسكًا بيد لوسيا، وكأن تركها لم يعد خيارًا مطروحًا. اقترب من توماس وقال بهدوء: إيفان- أعطني المعطف والحقيبة. رفع توماس حاجبه، ثم نظر إلى أيديهما المتشابكة، وظهرت على وجهه ابتسامة خبيثة. وقف وهو يهمس: توماس- أخيرًا… بدأت تعجبني الأمور. مدّ إليه المعطف والحقيبة، ثم ناوله مفتاح السيارة. توماس- تفضل. أخذ إيفان الأشياء دون تعليق، ثم نظر إلى لوسيا. إيفان- هيا. سارا معًا مبتعدين عن الطاولة، بينما كان توماس يراقبهما بابتسامة عريضة. غادرا الملهى بهدوء، مستغلين انشغال الجميع بالرقص والموسيقى، حتى لم ينتبه أحد إلى خروجهما. وما إن ابتعدا عن الضجيج وأُغلقت أبواب الملهى خلفهما، حتى شعرت لوسيا بأن وجنتيها تزدادان احمرارًا. سارت إلى جانبه بصمت، وقلبها يخفق بقوة. وللمرة الأولى منذ بداية هذه الليلة، لم يكن هناك ماتيو، ولا لونا، ولا توماس، ولا أي شخص آخر بينهما. كانا وحدهما. ابتسمت لوسيا بخجل، وهي تفكر: أخيرًا… سأحظى ببعض الوقت معه بمفردي. ما إن وصلا إلى السيارة، حتى تقدم إيفان وفتح الباب للوسيا. ركبت بهدوء، بينما دار هو حول ا
كان إيفان يرقص مع كرستين ببروده المعتاد، دون أن يظهر على ملامحه أي اهتمام خاص بالفتاة التي ترافقه. لكن رغم ذلك، شعر بنظرات لوسيا نحوه. لم يلتفت إليها مباشرة، وكأنه لم يلاحظ شيئًا، إلا أن انتباهه أصبح معلقًا بها أكثر مما أراد. وفجأة، بدأت الموسيقى تتغير. ازدادت سرعتها وصخبها، وبدأ الراقصون يبدلون شركاءهم مع كل نغمة، وسط الضحكات والحركة المتواصلة. اقتربت لوسيا أولًا من ليوناردو، بينما أصبحت لونا أمام إيفان، وانتقل ماتيو للرقص مع كرستين. اقترب ليوناردو من أذن لوسيا وهمس بنبرة مشاغبة: ليوناردو- لا تسمحي لأحد بالاقتراب مما تريدينه… تمسكي به قبل أن يسبقك أحد. نظرت إليه لوسيا باستغراب، لكنه ابتسم وكأنه لم يقل شيئًا، ثم تابع الرقص معها. وفي الجهة الأخرى، اقتربت لونا من إيفان وهمست في أذنه: لونا- تحرك إذن… كنت لا تريد أن تندم، أليس كذلك؟ نظر إليها إيفان بضيق، لكنه لم يجد فرصة للرد، فقد تغير الشركاء مرة أخرى مع ارتفاع الموسيقى. دارت لوسيا مع ليوناردو، ثم دفعتها الحركة التالية إلى الأمام. وفي اللحظة نفسها، دفعها ليوناردو بخفة باتجاه إيفان. توقفت أمامه مباشرة. لل
أكيد، بخليه كامل ومترابط، مع الحفاظ على نفس الفكرة والحوار، وبنفس شقاوة ليوناردو، مع تخفيف التكرار البسيط فقط: ليوناردو- هل تسمحين لي برقصة؟ لونا- لا أرقص مع الغرباء. ابتسم ليوناردو وكأنه تلقى إهانة شخصية. ليوناردو- غرباء؟ هذا مؤلم. لونا- إذن لدينا مشكلة بسيطة. ليوناردو- وما هي؟ لونا- أنني لا أعرفك. ابتسم ليوناردو بثقة. ليوناردو- وأنا أرى أن المشكلة ليست في أنني غريب، بل في أنك لم تكتشفي ذلك بعد. لونا- وهل يُفترض أن أعرفك من نظرة؟ ليوناردو- يمكنك المحاولة، لكنني أخشى أن تنشغلي بوسامتي وتنسي اسمي. ضحكت لونا بسخرية. لونا- ثقتك بنفسك مرتفعة جدًا. ليوناردو- أحاول أن أبقى متواضعًا، لكن الظروف لا تساعدني. لونا- يا لك من مغرور. ليوناردو- وأنتِ لم تسمحي لي حتى بالرقص معك، ومع ذلك أطلقتِ عليّ حكمًا كاملًا. لونا- لأنك بدأت بإزعاجي. ليوناردو- هذا يعني أنك انتبهتِ إليّ. رفعت لونا حاجبها. لونا- هل هذه طريقتك في مغازلة الفتيات؟ ليوناردو- لا، هذه طريقتي في معرفة إن كنتِ ستبتسمين. لونا- ولماذا يهمك أن أبتسم؟ ابتسم ليونا
[من منظور لوسيا] لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الموسيقى تخفت للحظات، ثم عادت بإيقاع أقوى، بالتزامن مع فتح أبواب الملهى من جديد. دخل ثلاثة رجال إلى الطابق العلوي. ومن اللحظة الأولى… التفتت إليهم الأنظار. كان من الواضح أنهم لم يحتاجوا إلى فعل أي شيء كي يلفتوا الانتباه. تقدم إيفان أولًا، وإلى جانبه توماس وليوناردو. كان إيفان يرتدي ملابس شبابية مختلفة تمامًا عن البدلات الرسمية التي اعتاد الجميع رؤيته بها؛ قميصًا داكنًا بسيطًا وسروالًا مناسبًا، لكن الملابس لم تستطع إخفاء حضوره الطاغي. كانت ملامحه القوية كافية لتجعل أي شيء يرتديه يبدو وكأنه صُمم له. عيناه الزرقاوان بلون البحر كانتا أكثر ما يلفت النظر في وجهه، تزداد حدتهما وضوحًا مع بشرته المائلة إلى السمرة. امتدت الوشوم من رقبته إلى ذراعيه، وكان جزء منها ظاهرًا أسفل أكمام قميصه، بينما ظهرت رسمة وشم أخرى بوضوح على ساعده عندما رفع يده ليعدل ساعته. لم يكن بحاجة إلى نظرة متعمدة أو حركة ملفتة. مجرد وقوفه هناك كان كافيًا. أما توماس… فكان مختلفًا تمامًا. كانت ملامحه أكثر دفئًا، وابتسامته أسهل حضورًا، بينما امتلك وجهًا جذا
لم يتبقَّ على افتتاح الملهى سوى دقائق قليلة عندما توقفت سيارة ماتيو أمام المبنى. رفعت رأسي ببطء وأنا أنظر عبر النافذة. تألقت أمامنا لافتة كبيرة مضاءة بحروف أنيقة كتب عليها: “إكليبس” كان المبنى حديث التصميم، تكسوه الواجهات الزجاجية السوداء التي تعكس أضواء المدينة، بينما كانت الألوان البنفسجية والذهبية تنعكس على المدخل في مشهد بدا أقرب إلى أحد الأفلام. اصطفت السيارات الفاخرة أمام الباب الرئيسي، بعضها رياضي، وبعضها الآخر سيارات طويلة لا أظن أنني رأيت مثلها من قبل إلا على شاشات التلفاز. نزلنا جميعًا من السيارة. وقفت لونا بجانبي وهي تنظر حولها بانبهار. لونا- يا إلهي… أشعر أننا دخلنا عالمًا آخر. ابتسم أندريان وهو يعدل ياقة سترته. أندريان- اعترفي… أنت متحمسة أكثر منا جميعًا. ضحكت وهي لم تنكر. أما أنا… فكنت أراقب المكان بصمت. كان صوت الموسيقى يصل إلى الخارج رغم سماكة الجدران، إيقاعها قوي يجعل الأرض تهتز بخفة، بينما يقف عند المدخل عدد من الحراس ببدلات سوداء، يستقبلون الضيوف ويتأكدون من بطاقات الدعوة قبل السماح لهم بالدخول. تقدم ماتيو وسلم الدعوات إلى أحد الحراس. تفحصها الر
غادر توماس وليوناردو متجر الملابس بعدما أنهيا حساب مشترياتهما، ثم واصلا السير في أروقة المركز التجاري. ظل توماس صامتًا لبرهة قبل أن يلتفت إلى صديقه. توماس- ما الذي أصابك؟ لماذا كنت فظًّا مع ذلك الشاب؟ أخرج ليوناردو زفيرًا طويلًا، ثم أجاب بهدوء. ليوناردو- لقد أثار انزعاجي. عقد توماس حاجبيه باستغراب. توماس- وما الذي أزعجك فيه؟ ليوناردو- أزعجني أن صديقي ما زال تائهًا في مشاعره، لا يعرف كيف يعبر عنها، بينما ذلك الشاب قادر على إظهار إعجابه بها بكل سهولة، دون أن يتردد أو يخشى شيئًا. ابتسم توماس ابتسامة جانبية. توماس- وهل فقدت ثقتك بإيفان إلى هذا الحد؟ أجابه ليوناردو دون تردد. ليوناردو- منذ أن قال لها: “انسِ ما حدث.” نعم… فقدت جزءًا كبيرًا من تلك الثقة. ضحك توماس وهز رأسه. توماس- لا تقلق. إيفان قد يكون أحمق في أمور النساء، لكنه لن يخسر أمام رجل عادي. ابتسم ليوناردو بسخرية. ليوناردو- الرجل العادي، إذا كان يعرف كيف يعبر عن مشاعره، قد يهزم أكثر الرجال نفوذًا. ولهذا أقول إن على إيفان أن يتوقف عن التفكير بعقله وحده. رفع توماس إصبعه مشيرًا إل
في الجهة الأخرى من الجناح، كان إيفان يقف كالتمثال، ملامحه الحادة جامدة كصخرة قديمة، لكن داخله كان يغلي ببركان صامت. كلمة واحدة كانت تتردد في مسامعه وتضرب كبريائه الجريء كالسوط: "أشعر بالاشمئزاز منك!" عدّل أزرار قميصه ببطء شديد، وحركة أصابعه تحمل دقة مرعبة. جلس على نفس الأريكة التي شهدت أنفاسهما
بعد أن أغلق الطبيب الباب خلفه مغادراً، شعرتُ أن الجدران تضيق عليّ. التفتُّ ببطء نحو إيفان، فارتعدت فرائصي من قسوة ملامحه الجافة. وقفتُ مكاني عاجزة عن النطق، بينما تحرك هو بخطوات واثقة وصوت حذائه الثقيل يضرب الأرض بإيقاع مرعب، حتى أصبح أمامي تماماً، يحاصرني بجسده الضخم الذي تفوح منه رائحة الموت. قب
كان مستلقياً على السرير، غائباً عن وعيه. بعد الكلمات الصادمة التي قالها الطبيب وعرفتُ منها أنه زعيم مافيا، تملكني رعب حقيقي، ولم يعد في عقلي سوى فكرة واحدة: الهروب من هذا المكان فوراً. تحركتُ بخطوات حذرة ومتوجسة باتجاه الباب، لكن قبل أن أصل، انطلق من حنجرته صوت أنين خافت وثقيل. انفجعتُ في مكاني وت
إيفان- رفعتُ نظري إليها حين دخلت، وبدأتُ أتفحص تفاصيلها بنظرات بطيئة ومركزة اخترقت توترها، ثم سألتُها بنبرة هادئة غلفها مفعول الخمر: "هل تعملين هنا؟" -لوسيا- رغم الخوف الذي كان يأكلني من هيبته، إلا أن طبيعتي الساخرة غلبتني، فنظرتُ إليه وقلتُ: "لا.. أنا أرقص هنا، ماذا ترى؟" -إيفان- ارتسمت







