LOGINلوسيا-
فتحتُ عينيّ لأجد نفسي في مكان دافئ وغريب بالكامل، كانت الرؤية ما زالت مغبشة وضبابية، ولم أكن أقوى على فتح جفوني بشكل كامل. بدأتُ أستعيد وعيي ببطء شديد، ولمحتُ أنبوب المحلول الطبي معلقاً بجانبي، وجروحي في فخذي وذراعي قد ضُمّدت بعناية. تفقّدتُ جسدي تحت الغطاء، وتجمد الدم في عروقي عندما اكتشفتُ أنني شبه عارية، ولا أرتدي سوى ملابسي الداخلية. في تلك اللحظة، طعن الخوف والجنون قلبي، واعتقدتُ أن هذين الرجلين قد أكملا ما توقف عنه الأوغاد في الزقاق! دون تفكير، وسحبتُ أنبوب المحلول المعلق بيدي بعنف وقسوة ليرتد الدم في الأنبوب، ثم قفزتُ من السرير متجاهلة كل الآلام؛ أنزلتُ رجلاً واحدة على الأرض الباردة لتستند عليها، بينما أبقيتُ رجلي الأخرى النازفة مثنية فوق السرير لأسند جسدي المرتجف التفتُّ نحو الطاولة المجاورة، والتقطتُ السكين الحادة من شدة حركتي العنيفة والمفاجئة، انفتحت قطب الجرح الذي ضمدها الطبيب في يدي فوراً، وبدأ الدم الأحمر القاني يسيل بغزارة ليلوّث بياض الشرشف الأبيض الناصع. ووجهتها نحو الرجل المهاب المخيف الذي كان يقف بالقرب من النافذة. أقسم أنني لم أشعر يوماً في حياتي بهذا الكم من الرعب والرهبة بسبب نظرة شخص ما، كانت عيناه كفيلتين بشل حركتي، لكنني حاولتُ إخفاء خوفي وصحتُ بصوت يرتجف بشدة: "مَن أنت أيها الوغد؟! ماذا فعلتَ بي؟! أنتم أيها الرجال.. جميعكم متشابهون.. قذرون وملعونون!" -إيفان- رأيتها تستيقظ، وبدلاً من أن تستسلم لضعفها، نزعت المحلول بذكاء وجنون، وقفت بنصف جسدها على الأرض وتركت الدم ينزف من يدها ليصبغ شرشفي الأبيض باللون الأحمر، ورفعت في وجهي سكيناً وهي ترتجف من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها لتدافع عن شرفها. نظرتُ إلى هذه الفتاة المتصنعة للقوة، والتي تحاول إخفاء رعبها وراء لسانها السليط وشتائمها. لم تتحرك شعرة واحدة مني، ولم أهتم حتى بالسكين الموجّهة إليّ. نفثتُ دخان سيجارتي ببرود، ونظرتُ إلى عينيها الحاقدتين اللتين تشتعلان غضباً، وقلتُ لها بنبرة جافة، باردة، وقاتلة: "آخر ما أريده في هذه الحياة.. هو النوم مع جثة." لوسيا- شددتُ الغطاء الأبيض حول جسدي بقوة، محاوِلةً يائسةً إخفاء جسدي المضمد والنازف. في تلك اللحظة، بدأت رائحة هذا الرجل الغريب تملأ المكان من حولي؛ رائحة نفاذة تنضح بالقوة والسيطرة الطاغية التي عجزتُ تماماً عن فهمها أو تفسيرها. ومع هدوء المكان، بدأت ذكريات ما حدث في الزقاق المظلم، وقذارة أولئك الأوغاد وهم يمزقون ثيابي، تخبط زوايا عقلي بقسوة، لتملأ الدموع الحارقة عينيّ وتغسل كبريائي. -إيفان- رأيتُ نظرة الانكسار والدموع في عينيها بعد أن تذكرتْ ما حدث لها، فعرفتُ أن خلف هذا اللسان السليط طفلة محطمة. لم أنادِ الطبيب؛ بل أحضرتُ حقيبة الإسعافات الأولية بنفسي، وعدتُ لأجلس على الكرسي المجاور للسرير. مددتُ ذراعي نحوها، وقلتُ لها بنبرة هادئة ولكنها مليئة بالسيطرة والقوة: "يدكِ." -لوسيا- خرجتْ كلمته وكأنني مجبرة على تنفيذها، شعرتُ كأنني تحت أمره تماماً ولا أملك حق الرفض. مددتُ يدي المصابة نحوه وهي ترتجف بعنف من الخوف والألم. أخذ كفي بين كفيه الكبيرتين، ووضع المرهم ببطء، ثم بدأ يلف الضماد الأبيض حول جرحي بحذر غير متوقع من رجل مثله. في تلك اللحظة، خرج مني أنين ألم خافت دون وعي مني، وبدأت دموعي تنهمر بغزارة كالمطر على وجنتيّ.. لم أعد أعلم إن كان الألم الجسدي هو السبب، أم أنها الذكريات القاسية والماضي الأسود اللذان يجولان برأسي ويحرقان روحي إيفان- ربطتُ الضماد الأبيض حول كفها المرتجف بإحكام، وتجاهلتُ أنينها ودموعها التي كانت تنهمر كالمطر لتغسل وجهها الشاحب. وقفتُ بكامل طولي، ونظرتُ إليها بنبرة باردة حاولتُ جاهداً أن أحافظ على جمودها: "تناولي الدواء والطعام.. تستطيعين النوم هنا، والخروج في الصباح." التقطتُ جاكيتي الرسمي عن السرير، واستدرتُ خارجاً من الغرفة بخطوات مسرعة وعنيفة. بمجرد أن أُغلق الباب خلفي، وقفتُ في الممر المظلم وأنفاسي متلاحقة؛ كنتُ أسأل نفسي بغضب وعجز.. لماذا خرجتُ بهذه السرعة؟ لأول مرة في حياتي أشعر كأنني أهرب.. أهرب من من؟ من فتاة ضعيفة ومحطمة! -منظور إيفان- تذكرتُ قبل قليل، عندما دخلتُ بها إلى الفندق وحملتها بين ذراعيّ لأضعها على هذا السرير . في تلك اللحظة التي تلت صرختها باسم أمها، قبضتْ يدها الصغيرة الضعيفة والمبللة بالدم على طرف قميصي بقوة وجنون، وكانت تتوسل إليّ بنبرة مكسورة غائبة عن الوعي: "أنقذ أمي.. أرجوك أنقذها...." وخصلات شعرها الأحمر المبلل كانت تتناثر على وجهها وعنقي كخيوط من نار تحرق برودي. تلك اللمسة وتلك الكلمات هزت عرشي بالكامل. -ليو- كنتُ أنتظر الزعيم في الممر، وتفاجأتُ بخروجه السريع وملامحه القاسية الممتزجة بشيء غريب لم أعهده فيه من قبل. لحقتُ به وأنا أسأله بحذر: "إلى أين.. إلى أين يا سيدي؟" -إيفان- تحركتُ نحو المصعد دون أن ألتفت خلفي، وقلتُ باقتضاب: "إلى المنزل." -ليو- تعجبتُ من قراره وتابعتُ أسئلتي: "والفتاة؟" -إيفان- "ستنام هنا الليلة...بمجرد أن أغلق إيفان الباب خلفه، انهار برود ماركوس المزيف تماماً. تلاشت ابتسامته الساخرة لتشتعل ملامحه بالذعر والغضب الجارف. التقط هاتفه بيد ترتجف، وضغط على زر الاتصال السريع بوالدته "ماريتا"، ولم يكد يأتيه صوتها الهداد حتى صرخ بهمس مستعر. ماركوس - أمي! لقد كشف إيفان أمر الحبوب! اللعين جاء إلى مكتبي ورمى الصور في وجهي.. إنه يظن أنني أنا من يبيعها لحسابي الخاص لتبني إمبراطوريتي، ويهددني بإبلاغ أبي فوراً! ساد صوت ضحكة خفيضة وباردة كفحيح الأفاعي من الطرف الآخر، وأجابت ماريتا بمنتهى المكر والهدوء. ماريتا - اهدأ يا ماركوس ولا تكن ضعيفاً.. دعه يظن ذلك واجعله يركز عليك أنت! إذا تجرأ وتحدث إلى والدك مارسيل، سأتولى أنا مسح كافة الأدلة في ثوانٍ، وسأقلب الطاولة عليه ليظهر أمام أبيك كاذباً يفتري عليك بدافع الغيرة.. لا تقلق. تنفست أسارير ماركوس الصعداء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يجيبها. ماركوس - ههههه.. أنتِ حقاً ماكرة ولا تُقهرين يا أمي! ماريتا - والآن، لا تتأخر في المجيء إلى الحفل الليلة، أريدك بكامل أناقتك. ماركوس - أوه!.. لقد نسيتُ تماماً أن اليوم هو عيد ميلاد أبي!
[من منظور إيفان]أنا رجلٌ معتادٌ على رؤية الدماء، وأنفاسي تشبعت برائحة الموت حتى أصبح القتل بالنسبة لي شيئاً أكثر من عادي، طقساً يومياً لا يهز فيّ شعرة. لكنني، ولسببٍ لا أفهمه تماماً، لا أريد لهذه الفتاة أن تعتاد هذا العالم المظلم. أريدها حقاً أن تنعم بحياة هادئة بعيدة عن القذارة التي أعيش فيها؛ البشر في هذا العالم يملكون ترف الاختيار، أما أنا.. فلم يكن لدي خيارٌ يوماً.قبل رحيلي، أمرتُ السيدة تيريزا بالاهتمام بها شخصياً، وأكدتُ عليها أن خروجها من القصر ممنوعٌ تماماً في غيابي، وأن تأخذها في جولة لتتعرف على المكان، فهي ستقيم هنا لفترة لن تكون قصيرة. أنا واثقٌ تماماً أن ما تحتاجه هذه القطة المتمردة الآن لتكف عن الخدش، هو حنان السيدة تيريزا.غادرتُ القصر متوجهاً إلى الشركة لحضور اجتماع طارئ لا يحتمل التأجيل. التفتُّ إلى رجلي اليمين، ليو، وقلتُ بنبرة حاسمة: إيفان -ليو.. اذهب إلى شركة الشحن فوراً، واكتشف من الذي يزود ذلك الرجل بالحبوب ليو -حاضر سيدي، سأتولى الأمر فوراً.تردد ليو للحظة، ثم نظر إليّ بنظرة ممتلئة بالفضول والتساؤل. ليو -سيدي.. هل تتوقع أن تكون تلك الفتاة متورطة معهم في
بقيت لوسيا مستلقية في سريرها بجسد منهك تماماً، وقوى خارت أمام وطأة الأحداث المتسارعة. وعلى الرغم من المساحة الشاسعة للغرفة وفخامتها، إلا أنها شعرت فجأة بأن جدرانها تضيق وتطبق على صدرها، مسببة لها حالة من الاختناق الشديد. بدأت الأحداث الأخيرة تدور في رأسها كشريط مرعب لا يتوقف؛ كيف أن الحياة لم تشفق عليها يوماً، وكيف تقاذفتها الأقدار لتقع في عرين هذا الوحش. ومع تلك الأفكار المريرة، لم تعد قادرة على الاحتمال، فانهمرت الدموع الساخنة من عينيها بغزارة، وضمت جسدها بيديها تحتضن نفسها في محاولة بائسة لحماية ذاتها. في تلك الأثنائ، دلفت السيدة تيريزا إلى الغرفة. توقفت خطواتها وهي تنظر إلى تلك الفتاة المسكينة، وامتلأ قلبها بالشفقة والأسى عليها.. فتاة رقيقة ولطيفة كهذه، كيف لها أن تتورط مع رجل كالسيد إيفان؟ تقدمت تيريزا نحو السرير بخطوات حانية، وجلست على حافته، ثم مدت يدها وربتت على كتف لوسيا برفق، قبل أن تجذبها نحو صدرها وتغمرها في حضن دافئ، محاولة تهدئة روعها. تيريزا - اهدئي يا عزيزتي.. توقفي عن البكاء أرجوكِ. أنتِ بخير الآن، لا تقلقي.. ستكون الأمور على ما يرام، أعدكِ. استسلمت لوسيا
أمسكت الورقة بين أصابعها المرتجفة، وعيناها معلقتان بعبارة "نجوتِ من الموت".. شعرت بالهواء ينسحب من صدرها، وتنفست بحالة هستيرية متسارعة، قبل أن يظلم العالم من حولها وتسقط فاقدة الوعي.في الصباح التالي..فتحت لوسيا عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية على سرير ضخم و كان ضوء الشمس يتسلل من النافذة، وبجانبها تقف الخادمة "تيريزا" وهي تضع صينية الفطور بعناية. ما إن رأت تيريزا عيني لوسيا تفتتحان، ركضت خارج الغرفة مسرعة وهي تنادي بنبرة مضطربة: "سيدي إيفان.. لقد استيقظت!".[منظور إيفان]كنتُ أقف في مكتبي المطل على الحديقة عندما أتى صوت تيريزا..أرجعتُ ظهري إلى الخلف، وأشعلتُ سيجارتي بينما تتقاذفني الأفكار وتتقاطع في عقلي. طوال طريقي إلى المنزل البارحة، كانت عيناها، نظراتها المذعورة، وحتى لمسة يدها المرتعشة من تلك الليله التي لم تكتمل ، عيونها رغبتها بي وخوفها مني طيفها الذي لاحقني كظلي كانت مزيجاً غريباً لم أعهده من قبل.. حمل وديع وقطة شرسة في آن واحد.عندما وصلت رأيتُ الخوف ينهش عينيها وهي تجلس على الأرض في وسط الردهة، وكان الرعب باهتاً على ملامحها البائسة. لكن في عالمي، لا مكان للعاطفة دون يقين؛
انهارت لوسيا على ركبتيها فور إغلاق الباب، وانفجرت في بكاء مرير هزّ أركان عتمتها الباردة. ساد الصمت إلا من صوت شهقاتها المنكسرة. بعد جولة من البكاء، انتفضت مدفوعة بذعر أصيل؛ هرعت نحو الباب الحديدي، وأخذت تخبط عليه بكل ما أوتيت من قوة حتى تدمت يداها، وهي تصرخ دون مجيب. التفتت تبحث في أرجاء المستودع عن مخرج، ممر، أو أي نافذة.. رأت بعض النوافذ الصغيرة في الأعلى، لكنها كانت شاهقة الارتفاع، بعيدة ومن المستحيل الوصول إليها. تلاشت قوتها تماماً. عادت تمشي بخطوات هائمة وعقلها يتخبط في التفكير: "أي الصناديق ستختار او اي طريق موت ستسلك ؟ سقطت على الأرض بجسد منهك وقوى خائرة، نزلت على ظهرها مستسلمة لبرودة الارض القاسية. ثبّتت عينيها على سقف المستودع، حيث كانت هناك ضوء صغيرة يتيم يومض بضوء خافت باهت، وحدثت نفسها بمرارة: لوسيا - حياتي دائماً كانت عتمة.. أين الغريب في هذا الظلام إذن؟ ظلت شاخصة ببصرها نحو السقف، تراقب ذلك الضوء الضعيف حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من الشقوق العالية، معلنةً نهاية تلك الليلة الطويلة القاتلة. وقفت على قدميها ببطء، ونفضت الغبار عن جسدها. لم يعد في عينيها
بعد أن سمعت جملته الأخيرة، نظرت إليه بكره وغضب عارم تريد اقتلاع قلبه بيديها العاريتين وقف إيفان بكل برود، وأشار بنظره للسيدة تيريزا لتأخذها من أمامه. اقتربت السيدة العجوز بحذر، وأمسكت أكتاف لوسيا المرتجفة وقالت بحنان: "إنهضي يا ابنتي هيا لنضمد جروحكِ". وصعدتا الدرج الطويل نحو الغرفة المرتبه أجلستها تيريزا على السرير، ثم أحضرت لها رداء استحمام وقالت: "استحمي يا ابنتي، وسأحضر لكِ وجبة عشاء دافئة". دخلت لوسيا الحمام، وتحت المياه المنسكبة انهار تماسكها وبدأت تبكي بحرقة. كانت أفكارها تتخبط برعب: كيف ستخرج من هذه الورطة؟ وكيف تورطت مع رجلٍ خطير؟ وعن ماذا كان يتحدث ذلك الرجل ؟ أنهت حمامها وخرجت، فوجدت تيريزا قد أحضرت لها حساءً ساخناً ليدفئ جسدها، وبدأت تضمد جروحها برفق. السيدة تيريزا - حضرتُ لكِ بعض حساء يخنة اللحم، تناوليه لكي تستعيدي قوتكِ. لوسيا - شكراً لكِ. السيدة تيريزا - السيد إيفان يريدكِ في مكتبه فوراً بعد أن تنتهي. خطت لوسيا داخل المكتب بخطوات واهنة تكاد لا تحملها، يُرافقها صمت القصر الخانق. تطلعت حولها بذعر مكتوم؛ لفت انتباهها ذلك الترتيب الصارم والنظافة المف