Home / المذؤوب / المستذئب / الفصل الخامس: العلامة التي لا تُمحى

Share

الفصل الخامس: العلامة التي لا تُمحى

Author: Muhammed
last update publish date: 2026-02-17 07:10:41

لم تختفِ رائحة الدم مع الفجر.

حتى حين تفرّق الضباب وظهرت السماء شاحبة، بقي الهواء مثقلًا بشيءٍ معدني، شيءٍ يلتصق بالحلق ولا يرحل. لم يعد المعسكر كما كان. الرجال تحركوا ببطء، يتجنبون النظر مباشرة إلى راغن، لا احترامًا… بل حذرًا.

هو لاحظ ذلك.

ولم يهتم.

كان واقفًا قرب الصخرة السوداء في أطراف الفسحة، يحدّق في يده اليسرى. حيث أصيب في الليلة الماضية، لم يكن هناك جرح. بدلًا من ذلك، ظهرت علامة داكنة، كأن الجلد احترق من الداخل ثم استقر على شكلٍ غريب: نصف دائرة تتشعب منها خطوط دقيقة، تشبه مخلبًا غائرًا في اللحم.

لم يشعر بألم.

وهذا ما أخافه.

اقترب إيلمار بحذر. لم ينحَنِ هذه المرة.

«الرجال يتحدثون.» قال.

«دعهم.» رد راغن دون أن يرفع نظره.

«ليس همسًا فقط. هناك من يظن أن ما رأيناه… كان بسببك.»

ضحك راغن ضحكة قصيرة، جافة.

«هم محقون.»

تجمد إيلمار لحظة. لم يكن يتوقع هذا الاعتراف السريع.

«هل تريد أن يعرفوا؟»

رفع راغن رأسه أخيرًا. عيناه عادتا رماديتين، لكن العمق فيهما تغيّر.

«لا. ليس بعد.»

قبل أن يضيف شيئًا، قاطعهم صراخ جديد. هذه المرة لم يكن هستيريًا، بل أمرًا واضحًا بالاستغاثة. عند حافة الفسحة، كان أحد الكشافة يركض عائدًا، وجهه شاحب، ويده تنزف.

«وجدناهم!» صاح. «آثارًا… ليست قديمة. وهم يراقبوننا.»

تحرك راغن فورًا.

«أين؟»

قادهم الكشاف إلى منطقة منخفضة بين الصخور. هناك، على جذع شجرة مقطوعة، كانت العلامة نفسها. محفورة بعمق، حديثة، متعمدة. ليست خدشًا، بل إعلانًا.

اقترب راغن ولمسها.

شعر بالنبض.

في تلك اللحظة، سقط أحد الرجال على ركبتيه خلفه. تشنج جسده، وبدأ يصرخ، صراخًا حادًا كأنه يُسلخ من الداخل. ركضوا نحوه، لكن راغن كان الأسرع.

أمسك رأس الرجل بين يديه.

«انظر إليّ.» قال.

لكن عيني الرجل لم تكونا هنا. كان ينظر إلى شيءٍ آخر، شيءٍ لا يُرى.

«قالوا إنك المفتاح…» تمتم. «قالوا إنك ستفتح الباب.»

ثم انقلبت عيناه إلى البياض، وسكن جسده.

صمتٌ ثقيل ضرب المكان.

إيلمار ابتلع ريقه.

«من هم قالوا؟»

نهض راغن ببطء.

«من صنعني… أو من يحاول إعادة صناعتي.»

أصدر أوامره بسرعة: تغيير المسار، كسر التشكيل، عدم التوقف عند الغروب. كانوا يتحركون الآن داخل فخٍ واضح، لكنه فضّل التقدم على التراجع. الفريسة التي تعرف أنها محاصرة تصبح أخطر.

مع حلول الليل، بدأت العلامات تظهر في كل مكان. على الصخور، على الأشجار، حتى على الأرض نفسها. وكأن الغابة تُوسم.

وفي منتصف المسير، شعر راغن بشيءٍ جديد. ليس صوتًا، بل إحساسًا بالشدّ، كأن شيئًا غير مرئي يسحبه في اتجاهٍ معين. قاومه في البداية، ثم… سمح له جزئيًا.

توقف فجأة.

«نخيم هنا.»

اعترض أحد القادة: «سيدي، هذا المكان—»

«هنا.» كرر راغن.

حين خيّم الظلام، لم تظهر الوحوش. لم تقع هجمات. وهذا كان أسوأ. الهدوء صار ضغطًا نفسيًا، ينهش الأعصاب. جلس الرجال حول النار، يتجنبون الحديث.

راغن ابتعد قليلًا. جلس وحده، وأغمض عينيه. سمح للشدّ أن يقوده.

رأى مشهدًا لم يعشه: قاعة حجرية عميقة، سلاسل، أجساد مربوطة، وأصوات عواء مختنق. رأى نفسه… لكن أصغر سنًا، مكسورًا، يُجرّ على الأرض. رأى يدًا تضع العلامة على جلده لأول مرة.

فتح عينيه بعنف.

أنفاسه كانت لاهثة.

في الظلال، كان هناك شخص. لم يقترب. لم يتكلم. فقط وقف، كأنه ينتظر أن يُلاحظ.

«اخرج.» قال راغن بهدوء قاتل.

تقدم الرجل خطوة. وجهه كان مغطى بنقوش، وعيناه تلمعان بذكاء بارد.

«القائد راغن.» قال. «نحن نعيد جمع ما تفرّق.»

زمجر راغن، والهواء من حوله اهتز.

«اقترب أكثر… وسأمزقك.»

ابتسم الرجل.

«لن تفعل. ليس بعد. لأنك تريد الأجوبة.»

اختفى كما ظهر، تاركًا خلفه العلامة نفسها… محفورة في الصخر.

في تلك الليلة، أدرك راغن الحقيقة التي كان يهرب منها:

الخيانة لم تبدأ من أتباعه.

بل من ماضيه نفسه.

وكان الماضي… قد وجده.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المستذئب    رسالة إلى القارئ 👋🌹

    إذا وصلت إلى هنا… فأنت لم تقرأ مجرد قصة.لقد سرتَ في عالمٍ لا يسأل: من الأقوى؟بل يسأل: من يختار؟راغن لم يكن بطلاً… لأنه أنقذ الجميع.ولم يكن شريرًا… لأنه دمر كل شيء.كان شيئًا بينهما… إنسانًا امتلك القوة، ثم اكتشف أن أخطر ما فيها… ليس استخدامها، بل التخلّي عن السيطرة.ربما توقعت نهاية واضحة.نصرًا حاسمًا… أو سقوطًا مدويًا.لكن الحقيقة أبسط… وأصعب:الحياة لا تنتهي بلحظة انتصار،ولا تُختصر في هزيمة.هي سلسلة من الاختيارات.كل قرار تتخذه… يصنع عالمك الخاص.كل تردد… يفتح احتمالًا.وكل خطوة… تقرّبك من شخصٍ لم تكن تعرف أنك ستصبحه.هذه القصة لم تكن عن مستذئب.ولا عن قوة غامضة.بل عنك.عن اللحظة التي تقف فيها بين طريقين…ولا أحد يخبرك أيهما الصحيح.عن الخوف من أن تختار خطأ…ومع ذلك… تختار.تذكّر:لن يكون هناك دائمًا من يقودك.ولا من ينقذك.ولا من يخبرك ماذا تفعل.لكن سيكون لديك دائمًا… شيء واحد.الاختيار.فماذا ستفعل به؟وإذا شعرت، وأنت تغلق هذه الصفحات، بأن القصة لم تنتهِ فعليًا… فأنت على حق.لأن بعض النهايات لا تُكتب بالحبر، بل تُترك مفتوحة داخل من يقرأها. تمامًا كما حدث في عالم راغن، حيث

  • المستذئب    الفصل العشرون: حين يختار العالم نفسه

    لم تكن البداية كما توقعوا.ولا النهاية.بل شيء بينهما… لا يمكن تسميته بسهولة.الشمس—إن كانت شمسًا—ارتفعت ببطء فوق الأفق، لكن نورها لم يكن دافئًا. لم يكن باردًا أيضًا. كان… محايدًا. كأن العالم نفسه لم يقرر بعد كيف يشعر.الرجال وقفوا في صمت.لا أوامر.لا تشكيلات.لا قائد يصرخ.فقط… بشر.ينتظرون.ينظرون.يتنفسون.لأول مرة منذ زمن… لا أحد يخبرهم ماذا يفعلون.وهذا… كان مرعبًا أكثر من أي وحش واجهوه.إيلمار كسر الصمت.«ماذا الآن؟»سؤال بسيط.لكن ثقله… كان أكبر من أي معركة.راغن لم يجب فورًا.كان واقفًا على التلة، كما كان دائمًا.لكن هذه المرة… لم يكن يراقب عدواً.بل…عالماً.الأفق لم يعد ثابتًا.تلك الحركة التي ظهرت في نهاية اللحظة السابقة… أصبحت أوضح.أشكال.مدن… تتشكل وتختفي.جبال… ترتفع ثم تنهار.أنهار… تغير مجراها.العالم… لم يعد مستقرًا.كأنه يُعاد كتابته.الآن.أمامهم.سيرين همست:«لقد بدأ.»«ماذا بدأ؟» سأل إيلمار.نظرت إليه.عينها لم تعد تحمل الغموض فقط… بل إدراكًا ثقيلاً.«الاختيار.»فجأة—الأرض تحت أقدامهم… انقسمت.ليس صدعًا.بل مسارات.طرق.كل واحد منها يمتد في اتجاه مختلف.بعضها ن

  • المستذئب    الفصل التاسع عشر: آخر خيط

    تشقّق السماء لم يكن وهمًا.لم يكن مجرد صدع بصري أو انعكاس غريب للضوء. كان حقيقيًا… ومؤلمًا للنظر. خطٌ أسود رفيع بدأ يمتد عبر السماء الصافية، كجرحٍ بطيء الانفتاح، وكلما اتسع… ازداد ثقل الهواء.الرجال شعروا به فورًا.أنفاسهم أصبحت أقصر.القلوب… أسرع.والأرض تحتهم… لم تعد ثابتة.إيلمار رفع رأسه، عينيه تضيقان.«هذا ليس من صنعك… أليس كذلك؟»راغن لم يُجب مباشرة.كان ينظر إلى الشق.بتركيز.ثم قال بهدوء:«لا.»وهذه الكلمة… كانت أسوأ من أي جواب آخر.الشق اتسع.ومن داخله… لم يخرج ضوء.بل—ظلام.لكن ليس كأي ظلام.كان كثيفًا.متحركًا.كأنه… شيء حي.سيرين تقدمت خطوة، ملامحها توترت لأول مرة.«لقد تأخرنا.»«عن ماذا؟» سأل إيلمار.نظرت إلى الشق، ثم قالت:«عن إنهائه بالكامل.»صمت.راغن فهم.«جزء منه… بقي.» قال.أومأت.«والآن… وجد طريقه.»فجأة—سقط شيء.من السماء.لم يكن جسدًا.ولا حجرًا.بل—شكل.غير واضح.سقط بصمت، واستقر على الأرض… ثم بدأ يتكوّن.الرجال تراجعوا.السيوف ارتفعت.لكن لا أحد تحرك.الشكل… بدأ يثبت.أولًا—ظل.ثم—هيئة.ثم—وجه.وحين اكتمل…تجمد الجميع.كان… راغن.أو—شيئًا يشبهه.نفس المل

  • المستذئب    الفصل الثامن عشر: ما بعد السقوط

    لم يكن هناك صوت.ولا ضوء.ولا أرض.فقط… وعي.إيلمار لم يشعر بجسده أولًا. لم يشعر بيديه، ولا بثقل السيف الذي اعتاد أن يكون امتدادًا له. كان معلقًا في شيءٍ لا يمكن تسميته، كأن وجوده نفسه أصبح فكرة، لا جسدًا.ثم—عاد.ببطء.ثقلٌ في صدره.هواء يدخل رئتيه بعنف.ألم… لكنه مرحب به.فتح عينيه.سماء.لكنها ليست السماء التي يعرفها.كانت صافية… أكثر مما يجب. بلا سحب، بلا حركة، بلا عمق. كأنها رسمٌ ثابت.نهض بصعوبة، نظر حوله.أرض ممتدة. خالية. بلا أشجار. بلا دم. بلا آثار معركة.«راغن؟!» صرخ.صوته عاد إليه… بوضوحٍ مزعج.واحد تلو الآخر، بدأ الرجال يستيقظون. يتنفسون. ينظرون حولهم بنفس الحيرة، بنفس القلق.لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا:هم… أحياء.وهذا لم يكن منطقيًا.في مسافة قريبة، وقفت سيرين.لم تسقط. لم تتألم. فقط كانت تراقب.عينها تبحث.وحين وجدته—تجمدت.راغن كان واقفًا بعيدًا عنهم، على تلة منخفضة، ظهره لهم، ينظر إلى الأفق. لم يتحرك منذ أن ظهر.إيلمار اقترب منه، بخطوات حذرة.«راغن.»لم يرد.اقترب أكثر.«هل تسمعني؟»توقف.ثم—استدار.لم يكن مختلفًا… ظاهريًا.نفس الجسد.نفس الوجه.لكن—كل شيء آخر… تغ

  • المستذئب    الفصل السابع عشر: القلب الأحمر

    الضوء لم يكن ضوءًا.كان نبضًا.كل ومضة منه لم تكن تُنير المكان… بل تكشفه للحظة، ثم تعيده إلى الظلام، كأن الحقيقة نفسها لا تُحتمل لفترة طويلة. الممر انتهى عند قاعةٍ واسعة، أو ما يشبه القاعة، لكن لا جدران واضحة لها، ولا سقف يمكن تمييزه.في المركز…كان هناك شيء.لم يكن كائنًا كاملًا.ولا مجرد عضو.كان… قلبًا.ضخمًا، نابضًا، معلقًا في الهواء، تتفرع منه خيوط حمراء، تمتد في كل الاتجاهات، تدخل في الأرض، في الجدران، في الفراغ نفسه.كل نبضة… كانت تُصدر صوتًا خافتًا، لكنه يصل إلى داخل الصدر.ليس إلى الأذن.بل إلى القلب.توقف الرجال.بعضهم تراجع خطوة.بعضهم سقط على ركبتيه.«ما هذا…؟» همس أحدهم.راغن لم يُجب فورًا.كان ينظر.بتركيز.كأن شيئًا داخله… يتعرّف.سيرين ظهرت بجانبه، دون أن يُلاحظ متى اقتربت.«هذا هو.» قالت.«ماذا؟» سأل إيلمار.نظرت إلى القلب.«المصدر.»صمت.«كل ما رأيتموه…» تابعت، «الأنفاق، المخلوقات، النظام… كله مرتبط بهذا.»راغن تقدّم خطوة.النبض تسارع.«لا تقترب.» قالت سيرين بسرعة.توقف.لكن ليس خوفًا.بل… إدراكًا.«هو يناديني.» قال.إيلمار شدّ قبضته.«وهذا ليس جيدًا.»«ولا سيئًا.» ر

  • المستذئب    الفصل السادس عشر: حين ينكسر الخيط

    لم يعد المكان كما كان.الممر الذي فتحه راغن لم يكن مجرد طريق… بل إعلان. إعلان بأن القواعد التي حكمت هذا العالم بدأت تتفكك. الجدران التي كانت تنبض بإيقاعٍ ثابت، أصبحت مضطربة، كأنها تفقد انسجامها مع شيءٍ أكبر.راغن وقف أمام الفتحة التي صنعها، أنفاسه هادئة على نحوٍ غير طبيعي. لم يكن منهكًا رغم التحول، ولم يكن مشتتًا كما في المرات السابقة. هذه المرة… كان حاضرًا بالكامل.إيلمار اقترب ببطء.«ماذا فعلت؟»لم يلتفت راغن.«أزلت حاجزًا.»«أي حاجز؟»صمت لحظة.ثم قال:«الذي كان يفصلني عن نفسي.»الجواب لم يُطمئن.نظر إيلمار إلى الرجل الغامض، الذي كان لا يزال واقفًا في مكانه، يراقب دون تدخل.«وهذا؟» أشار إليه. «هل سيتركنا نمر؟»الرجل ابتسم، ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى.«لم يعد الأمر بيدي.»التفت إليه راغن أخيرًا.«أنت قلت إنكم حررتموني.» قال بهدوء.«نعم.»«إذًا… لماذا لا تزال هنا؟»الصمت كان ثقيلًا.ثم قال الرجل:«لأرى إن كنتَ تستحق ذلك.»تغير شيء في الهواء.لم يكن تهديدًا مباشرًا… بل اختبارًا جديدًا.راغن تقدم خطوة.«وإن لم أكن؟»ابتسم الرجل.«إذًا سأُنهي ما بدأته.»قبل أن تتحرك الأجساد، تحرك المكان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status