LOGINكان دخول تيم للصف بنفس الهدوء الذي اعتاد أن يبدأ به كل شيء، ذلك الهدوء الذي لا يحمل أي تردد ولا يسمح لأي فوضى أن تتسلل إلى حضوره.
وبعد أن وضع أوراقه على الطاولة، اتجه وأغلق الباب بهدوء وبخطوات ثابتة كأن الأرض نفسها تخضع لإيقاعه، بينما كان الطلاب يراقبونه في صمت مختلط بالفضول، بعضهم ما يزال يتحدث همسًا عن المعلم الجديد، وآخرون يكتفون بالنظر فقط، كأن وجوده وحده يكفي ليجعلهم أكثر انتباهًا مما اعتادوا عليه في أي حصة سابقة. ثم رفع نظره ببطء إلى الصف كله، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تُسكت أي حركة جانبية، وبعد ثوانٍ قصيرة من الصمت الذي بدا أطول مما هو عليه، بدأ يتكلم بصوت هادئ لكنه واضح، يعرفهم بنفسه دون مبالغة، دون تفاصيل زائدة، وكأنه لا يرى داعيًا لتزيين التعارف بما هو غير ضروري، ثم انتقل مباشرة إلى المنهج، يشرح لهم ما الذي ينتظرهم خلال العام، وكيف ستكون طريقة العمل، وما هي النقاط الأساسية التي يجب أن يركزوا عليها منذ البداية، بينما كان يمشي أحيانًا بين الصفوف بخطوات بطيئة، ويعود أحيانًا أخرى إلى اللوح ليكتب نقاطًا مختصرة. لكن رغم كل ذلك التنظيم الظاهري، كانت عيناه تتحركان دون وعي دقيق في أوقات متفرقة، وكأن شيئًا ما داخله يجذبه بشكل غير مفهوم نحو جهة معينة في الصف. ناحية ليان التي كانت تجلس بهدوء، تمسك قلمها، وتكتب ملاحظاتها بدقة، تحاول أن تبدو وكأنها غارقة تمامًا في الدرس، وكأنها لا تلاحظ نظراته العابرة التي كانت تقع عليها بين حين وآخر، لكنها في الحقيقة كانت تشعر بها، أو على الأقل بشيء منها، لكنها ترفض أن تمنحها أي مساحة داخلها، فتثبت نظرها في الكتاب أكثر وتدفع أي شعور جانبي إلى الخلف، كأنها تحاول أن تحافظ على توازنها في مكان بدأ يربكها دون سبب واضح. استمر الشرح، وتخللته بعض الأسئلة التي كان يوجهها للطلاب بشكل مفاجئ ليختبر انتباههم، وكان صوته أحيانًا يعلو قليلًا عند توضيح نقطة مهمة، وأحيانًا ينخفض ليجعلهم يركزون أكثر. بينما كانت بعض الطالبات في الصف يراقبنه بنظرات واضحة لا تخلو من الإعجاب، وأحيانًا يتبادلن الهمسات الخفيفة عندما يلتفت للوح، وكأن حضوره وحده كفيل بأن يصنع حالة مختلفة داخل الصف، لكنه لم يكن يعطي لذلك أي رد فعل ظاهر، بل كان يتجاهله تمامًا كما لو أنه جزء طبيعي من المشهد. أما ليان، فكانت مختلفة عن البقية في صمتها، لم تكن تنظر إليه إلا بقدر الحاجة، ولم تكن تسمح لنفسها أن تنجذب لشيء خارج الدرس، ومع ذلك، كان هناك توتر خفيف في طريقة جلوسها، في تركيزها الزائد، في قبضتها على القلم، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها أنها ما زالت مسيطرة على الأمور، حتى لو كان هناك شيء غير مفهوم يتسلل ببطء إلى يومها. ومع اقتراب نهاية الحصة، بدأ يختصر الشرح، يراجع معهم أهم النقاط، ثم أغلق الحديث بعبارات بسيطة عن أهمية الالتزام منذ البداية. وبعد أن أنهى كلامه، أغلق دفتره بهدوء، ثم التفت ليغادر الصف، لكن نظرة قصيرة منه، غير مقصودة على ما يبدو، توقفت لجزء من الثانية عند ليان قبل أن يشيح بعينيه ويخرج. وبمجرد أن اختفى صوته خلف الباب، تنفست مهرة بارتياح خفيف، بينما بدأت ليان تجمع كتبها ببطء وكأن ذهنها ما زال عالقًا في شيء لم يكتمل بعد، بينما كانت مهرة تراقبها من جانبها وقد بدأت تشعر أن صديقتها ليست على طبيعتها تمامًا هذا اليوم. رفعت ليان نظرها نحو مهرة فجأة، كأن فكرة قد طرأت على ذهنها للتو، ثم قالت بصوت منخفض فيه شيء من التردد: "مهرة…" التفتت مهرة إليها فورًا: "نعم؟" سكتت ليان لحظة قصيرة، ثم قالت وكأنها تتأكد من شيء: "الشخص الذي اصطدمت به في الاستراحة… وكنتِ تسألين عنه." توقفت مهرة عن الحركة للحظة، ثم اقتربت منها أكثر، وقد بدا الفضول واضحًا في نبرتها: "نعم، ماذا عنه؟" أخذت ليان نفسًا خفيفًا، ثم تابعت وهي تغلق دفترها ببطء: "هو نفسه معلم الكيمياء الجديد." ساد صمت قصير بينهما، قبل أن تتسع عينا مهرة بدهشة واضحة: "ماذا؟ هل أنتِ متأكدة؟" أومأت ليان برأسها: "نعم… تأكدت عندما دخل الصف." رفعت مهرة حاجبها، وكأنها تحاول استيعاب الموقف: "يعني… اصطدمتِ بمعلمك في أول يوم؟" هزّت ليان كتفيها بخفة، وكأن الأمر أصبح واضحًا الآن أكثر مما كان عليه: "لم أكن أعرف ذلك وقتها… ظننته مجرد شخص عادي." سكتت مهرة لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة: "حسنًا، هذا يفسر نظراته الغريبة لكِ في الحصة." نظرت ليان إليها بنظرة سريعة: "أي نظرات؟" ضحكت مهرة بخفة: "لا شيء، فقط يبدو أنه تذكرك." تنهدت ليان قليلًا، ثم بدأت تجمع كتبها بسرعة أكبر، وكأنها اتخذت قرارًا داخليًا: "على أي حال، سأذهب لأعتذر له مرة أخرى." رفعت مهرة حاجبها باستغراب: "مرة أخرى؟ لقد اعتذرتِ بالفعل!" "أعلم، لكن لا أريد أن أبدأ السنة الدراسية بمشكلة أو موقف غير مريح مع معلمي الجديد." حاولت مهرة أن توقفها: "ليان، انتظري… ليس الأمر بهذا الحجم ——" لكن ليان كانت قد نهضت بالفعل، ثم غادرت الصف بخطوات سريعة نسبيًا، متجهة نحو الممر حيث توقعت أنه قد يكون قد ابتعد في طريقه إلى غرفة المعلمين. ...... كان تيم يسير في الممر بهدوء، يحمل دفتره وأوراقه بيده، ويمشي بخطوات مستقيمة كعادته، عندما سمع خطوات خلفه تقترب، فتوقف قليلًا دون أن يلتفت فورًا، وكأنه ينتظر أن يتأكد من هوية القادم، وعندما التفت أخيرًا، وجدها أمامه مرة أخرى. توقفت ليان على مسافة مناسبة، ثم قالت مباشرة، بصوت واضح لكنه يحمل شيئًا من التردد الخفيف: "أستاذ، أنا جئت لأعتذر مرة أخرى." نظر إليها دون أن يرد فورًا، وكأنه ينتظر أن تكمل. أخذت نفسًا صغيرًا ثم تابعت: "في الاستراحة… لم أكن أعلم أنك معلمنا، وكنت متوترة قليلًا، وردي لم يكن مناسبًا." ساد صمت قصير، لم يكن مزعجًا، لكنه كان كافيًا ليجعل اللحظة أكثر وضوحًا. ثم قال تيم بهدوء: "لا داعي للاعتذار مرة أخرى، لم يحدث شيء يستدعي ذلك." ارتاحت ملامحها قليلًا، لكنها ما زالت واقفة، وكأنها تريد أن تتأكد أن الأمر انتهى بالفعل. "حسنًا… شكرًا لتفهمك." قالتها بسرعة خفيفة. أومأ برأسه فقط، ثم أضاف بعد لحظة قصيرة: "حاولي فقط أن تكوني أكثر انتباهًا في الممرات." "سأفعل." أجابت ببساطة. ثم ساد صمت آخر قصير، قبل أن تقول: "سأذهب الآن." "تفضلي." استدارت ليان وغادرت، بينما بقي هو واقفًا في مكانه، يتابع خطواتها وهي تبتعد في الممر حتى اختفت، ومع اختفائها، ظل ثابتًا لثوانٍ أطول مما يجب، كأنه يحاول أن يفهم لماذا لم يكن هذا اللقاء عابرًا كما كان ينبغي أن يكون. لم يكن من عادته أن يلتفت لمثل هذه التفاصيل، ولم يكن من النوع الذي يسمح لأي موقف بسيط أن يعلق في ذهنه، لكنه هذه المرة شعر بشيء مختلف، شعور غير واضح، غير مريح في طريقة ظهوره وكأنه شيء لا يملك تفسيرًا له. "مجرد طالبة." قالها داخليًا وكأنه يذكر نفسه بحدود يجب ألا يتجاوزها. ثم استدار أخيرًا، وأكمل طريقه نحو غرفة المعلمين، محاولًا أن يعيد تركيزه إلى طبيعته المعتادة. جلس على مكتبه، وضع أغراضه جانبًا، ثم فتح الحاسوب أمامه، متجهًا إلى نظام المدرسة، يتصفح الملفات بشكل آلي في البداية، قبل أن تتباطأ حركته دون أن ينتبه، ويتوقف عند خانة الأسماء. تردد لحظة قصيرة، ثم بدأ يكتب. اسمها. ليان راجي. ضغط على الملف وظهرت أمامه بياناتها كاملة. تاريخ ميلادها، صفها، تفاصيل بسيطة، لكنها كانت كافية لبدء شيء لم يكن يقصده أصلًا. حدّق في الشاشة لثوانٍ طويلة دون أن يتحرك، ثم أغمض عينيه للحظة قصيرة، وكأنه يحاول إيقاف فكرة بدأت تتشكل في مكان لا يراه بوضوح. لكنه في النهاية، ظل جالسًا… ينظر إلى الاسم فقط، وكأنه يحاول أن يفهم لماذا لم يعد الأمر عابرًا كما كان يجب أن يكون.لم يدرك تيم فداحة ما فعله إلا بعد أن هدأت العاصفة في صدره. تراجع خطوة إلى الخلف، وكأن المسافة وحدها كفيلة بمحو اندفاعه المفاجئ. كانت نظرات الطلاب ما تزال معلقة به، مزيج من الدهشة والترقب، وربما… الشك. عندها فقط تذكر موقعه، تذكر أنه ليس مجرد رجل يغضب حين يرى من يؤذى، بل معلم كيمياء في مدرسة تحكمها القوانين والسمعة، وكل تصرف محسوب عليه. مرر يده على جبينه ببطء، محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال بنبرة أكثر اتزانًا، وإن لم تخلُ من صرامة خفيفة: "كيف تتنمرون على زميلتكم بهذا الشكل؟" تبادل زياد وأفراد شلته النظرات سريعًا، ارتباك واضح تسلل إلى ملامحهم، لكن ضحى كانت الأسرع في التقاط زمام الموقف. تقدمت خطوة للأمام، وعلى شفتيها ابتسامة مصطنعة لا تصل إلى عينيها: "نحن لم نفعل شيئًا يا أستاذ، بالعكس… كنا نشاركها الغداء فقط. هي كانت وحدها اليوم." هزّ الآخرون رؤوسهم مؤيدين، كأنهم حفظوا الرواية مسبقًا. نظر إليهم تيم مطولًا. لم يكن بحاجة إلى دليل… كان يرى الحقيقة في التفاصيل الصغيرة: في طريقة وقوف ليان، في انكماش كتفيها، في الصمت الذي يحيط بها رغم وجودهم. لقد راقبها في الأسابيع الماضية أكثر مما ين
في الأيام التي تلت ذلك الصباح الهادئ، لم تكن حياة ليان كما كانت تبدو في ظاهرها. فبينما كانت تمضي أيامها كطالبة في الصف الثالث الثانوي تحاول التركيز على دروسها ومستقبلها، كان هناك خيط خفي يتسلل إلى تفاصيلها اليومية دون أن تراه بوضوح، خيط من نظرات طويلة وصمت ثقيل ومراقبة لا تُفسَّر، وكأن عالمًا آخر يُنسج حولها ببطء، دون أن يمنحها فرصة للفهم أو حتى الشك الكامل. أما تيم، فقد كان يعيش حالة لم يعد يستطيع السيطرة عليها. فالإعجاب الذي بدأ كشرارة عابرة داخل قلبه، نما بصمت داخل عقله، وتغلغل في أفكاره حتى أصبح محور يومه وليلِه. فلم يعد يراها مجرد طالبة، بل أصبحت بالنسبة له فكرة ثابتة، حضورًا دائمًا لا يغيب، وكأنها شيء خُلق ليكون جزءًا منه، لا يفارقه مهما حاول. كان يقف في الصف يشرح الدروس، لكن عقله لم يكن مع المعادلات أو الطلاب، بل معها هي، يتابع حركاتها الصغيرة حتى أصبح يحفظ تلك التفاصيل بدقة مخيفة، وكأنها خريطة لا يمكن أن يضيع فيها أبدًا. ومع مرور الأيام لم يعد يكتفي بمشاهدتها داخل المدرسة، بل بدأ يمد حدود وجوده إلى خارجها، إلى حياتها الخاصة، إلى عالمها الذي لم يكن من حقه دخوله. عرف طريق
انتهى اليوم الدراسي الأول كما ينتهي أي يوم طويل مليء بالتجارب الجديدة، خرجت ليان من بوابة المدرسة وهي تحمل في داخلها خليطًا غريبًا من الحماس والتعب والتفكير الزائد، وعيناها تبحثان تلقائيًا بين الوجوه والسيارات حتى توقفت عند سيارة والدتها التي كانت تنتظرها على الطرف الآخر من الطريق.لوّحت لها بابتسامة خفيفة، ثم صعدت بسرعة بعد أن ودعت مهرة التي بقيت لبضع دقائق أخرى مع صديقاتها، وما إن أغلقت باب السيارة حتى تنفست ليان بعمق، وكأنها أخيرًا سمحت لنفسها أن تهدأ بعد يوم كامل من الانتباه المرهق."كيف كان يومكِ الأول؟" سألت والدتها وهي تنطلق بالسيارة.استدارت ليان نحوها فورًا، وكأن السؤال فتح بابًا مغلقًا بداخلها، ثم بدأت تحكي دون تردد، بأسلوبها المعتاد الذي لا يخفي شيئًا تقريبًا، وكأن والدتها ليست فقط أمًا بل صديقة أولى أيضًا، تعرف عنها كل شيء صغير وكبير."كان يومًا غريبًا… في البداية كان عاديًا جدًا، لكن بعد ذلك شلة زياد كالعادة، لا أعلم لماذا يشعرون أن المدرسة ملكهم، يتصرفون وكأنهم فوق الجميع."هزّت والدتها رأسها بهدوء وهي تستمع، دون أن تقاطعها، بينما كانت ليان تواصل حديثها بتفاصيل أكثر دقة،
كان دخول تيم للصف بنفس الهدوء الذي اعتاد أن يبدأ به كل شيء، ذلك الهدوء الذي لا يحمل أي تردد ولا يسمح لأي فوضى أن تتسلل إلى حضوره.وبعد أن وضع أوراقه على الطاولة، اتجه وأغلق الباب بهدوء وبخطوات ثابتة كأن الأرض نفسها تخضع لإيقاعه، بينما كان الطلاب يراقبونه في صمت مختلط بالفضول، بعضهم ما يزال يتحدث همسًا عن المعلم الجديد، وآخرون يكتفون بالنظر فقط، كأن وجوده وحده يكفي ليجعلهم أكثر انتباهًا مما اعتادوا عليه في أي حصة سابقة.ثم رفع نظره ببطء إلى الصف كله، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تُسكت أي حركة جانبية، وبعد ثوانٍ قصيرة من الصمت الذي بدا أطول مما هو عليه، بدأ يتكلم بصوت هادئ لكنه واضح، يعرفهم بنفسه دون مبالغة، دون تفاصيل زائدة، وكأنه لا يرى داعيًا لتزيين التعارف بما هو غير ضروري، ثم انتقل مباشرة إلى المنهج، يشرح لهم ما الذي ينتظرهم خلال العام، وكيف ستكون طريقة العمل، وما هي النقاط الأساسية التي يجب أن يركزوا عليها منذ البداية، بينما كان يمشي أحيانًا بين الصفوف بخطوات بطيئة، ويعود أحيانًا أخرى إلى اللوح ليكتب نقاطًا مختصرة.لكن رغم كل ذلك التنظيم الظاهري، كانت عيناه تتحركان دون وعي دقيق في أو
مع دقات الجرس الأولى، التي أعلنت بداية الحصة، عاد الهدوء تدريجيًا إلى الصف وكأن الجميع تذكر فجأة أنه في مكان يُفترض به أن يكون منظمًا. دخل معلم اللغة العربية بخطوات هادئة، يحمل في ملامحه ذلك المزيج المألوف من الجدية والود. كان وجهًا معروفًا… لم يكن غريبًا على الطلاب، بل رافقهم في سنوات سابقة، مما خفف من رهبة البداية. ابتسم وهو ينظر إلى الوجوه أمامه، وقال بنبرة دافئة: "صباح الخير يا أبطال المرحلة الأخيرة." رد الطلاب بتحية متفرقة، بينما بدأ هو في ترتيب أوراقه على المكتب، قبل أن يرفع نظره إليهم مجددًا. "هذه السنة ليست كأي سنة مرت عليكم… أنتم الآن على أعتاب مرحلة تحدد الكثير من مستقبلكم. ليس الهدف فقط أن تنجحوا، بل أن تعرفوا ماذا تريدون أن تصبحوا." ساد الصمت لثوانٍ، كأن كلماته لامست شيئًا في داخل كل واحد منهم. بدأ يشرح المنهج ببساطة، يقسمه إلى أجزاء، يوضح المطلوب، ويؤكد على أهمية الاستمرارية وعدم التراكم. لم يكن أسلوبه معقدًا، بل مباشرًا وكأنه يحاول أن يزرع الطمأنينة قبل أي شيء. كانت ليان تكتب ملاحظاتها بدقة، وعيناها تتابعان الشرح باهتمام واضح. وبجانبها، كانت مهرة تميل قليلًا نحو
بدأ اليوم الدراسي عاديًا… أو هكذا بدا في ظاهره، كأي بداية لعام جديد تحمل مزيجًا من الحماس والتوتر، وتُخفي بين تفاصيلها الصغيرة ما لا يُرى. دخلت ليان الصف برفقة مهرة، بينما ما تزال ضوضاء الممرات عالقة في أذنيها، كأنها صدى بعيد لم ينتهِ بعد. توجهتا إلى مقعدهما المعتاد قرب النافذة، ذلك المكان الذي اعتادتا الجلوس فيه منذ سنوات، وكأنه نقطة ثابتة وسط كل التغيرات. كان ضوء الشمس يتسلل بخجل من بين الستائر، ينساب فوق الطاولة في هدوء، فيمنح المكان شعورًا مؤقتًا بالسكينة. تنهدت مهرة وهي تخرج أدواتها: "لا أصدق أننا وصلنا للثالث الثانوي… أشعر وكأننا كبرنا فجأة." ابتسمت ليان بخفة، وهي تقلب صفحات كتابها دون تركيز: "أنا لا أشعر أنني كبرت… أشعر فقط أن المسؤوليات كبرت." ضحكت مهرة: "هذا لأنكِ تفكرين أكثر من اللازم." لكن ليان لم ترد هذه المرة. اكتفت بالصمت، وعيناها تجولان في أرجاء الصف، تراقب الوجوه من حولها. بعضها مألوف يحمل ذكريات سنوات مضت، وبعضها الآخر جديد، غريب، لم تتشكل حوله أي انطباعات بعد. همست مهرة: "سمعت أن هناك معلمين جدد هذا العام… خصوصًا في المواد الأساسية." رفعت ليان حاجبها: "أت







