LOGINمع دقات الجرس الأولى، التي أعلنت بداية الحصة، عاد الهدوء تدريجيًا إلى الصف وكأن الجميع تذكر فجأة أنه في مكان يُفترض به أن يكون منظمًا.
دخل معلم اللغة العربية بخطوات هادئة، يحمل في ملامحه ذلك المزيج المألوف من الجدية والود. كان وجهًا معروفًا… لم يكن غريبًا على الطلاب، بل رافقهم في سنوات سابقة، مما خفف من رهبة البداية. ابتسم وهو ينظر إلى الوجوه أمامه، وقال بنبرة دافئة: "صباح الخير يا أبطال المرحلة الأخيرة." رد الطلاب بتحية متفرقة، بينما بدأ هو في ترتيب أوراقه على المكتب، قبل أن يرفع نظره إليهم مجددًا. "هذه السنة ليست كأي سنة مرت عليكم… أنتم الآن على أعتاب مرحلة تحدد الكثير من مستقبلكم. ليس الهدف فقط أن تنجحوا، بل أن تعرفوا ماذا تريدون أن تصبحوا." ساد الصمت لثوانٍ، كأن كلماته لامست شيئًا في داخل كل واحد منهم. بدأ يشرح المنهج ببساطة، يقسمه إلى أجزاء، يوضح المطلوب، ويؤكد على أهمية الاستمرارية وعدم التراكم. لم يكن أسلوبه معقدًا، بل مباشرًا وكأنه يحاول أن يزرع الطمأنينة قبل أي شيء. كانت ليان تكتب ملاحظاتها بدقة، وعيناها تتابعان الشرح باهتمام واضح. وبجانبها، كانت مهرة تميل قليلًا نحوها بين الحين والآخر، تهمس بتعليق سريع، أو تسأل عن نقطة لم تفهمها. همست مهرة: "أنا قررت… هذه السنة سأكون من الأوائل." ابتسمت ليان دون أن ترفع عينيها عن دفترها: "وأنا لن أقبل بأقل من ذلك." تبادلتا نظرة سريعة، تحمل اتفاقًا صامتًا… بداية قوية لعام لن يكون سهلًا. مرت الحصة الأولى بسلاسة، وتبعتها الحصة الثانية، ثم الثالثة. الوقت كان يمضي بسرعة غريبة، وكأن اليوم قرر أن يختصر نفسه رغم ثقله. بين المعلمين الجدد والقدامى، وبين الشرح والملاحظات، بدأت ملامح الروتين تعود تدريجيًا، لكن التعب بدأ يظهر أيضًا. ومع إعلان بداية فترة الاستراحة، تنفست مهرة بعمق، وكأنها خرجت من سباق طويل. "أنا متعبة بالفعل!" قالت وهي تسند رأسها على الطاولة للحظة. "أول يوم فقط… وأشعر أنني أنهيت أسبوعًا كاملًا." ضحكت ليان وهي تغلق دفترها: "هذا لأنكِ تحدثتِ أكثر مما استمعتِ." رفعت مهرة رأسها بسرعة، وضيقت عينيها: "هذا افتراء! أنا طالبة مجتهدة جدًا." وقفت ليان وهي تحمل حقيبتها الصغيرة: "نعم نعم… هيا يا مجتهدة، لنذهب قبل أن تموتي جوعًا." ابتسمت مهرة وهي تنهض: "أخيرًا، كلام منطقي." خرجتا من الصف، لتستقبلهما ضوضاء الممرات مجددًا. كان الطلاب في كل مكان، مجموعات صغيرة هنا وهناك، أصوات مرتفعة وضحكات لا تنتهي. نظرت ليان حولها قليلًا، ثم قالت: "لن نجد مكانًا هنا." أومأت مهرة: "نعرف المكان المناسب." سلكتا طريقًا جانبيًا، بعيدًا عن الزحام، حتى وصلتا إلى زاوية شبه مهجورة خلف أحد المباني. لم يكن المكان مثاليًا، لكنه كان هادئًا بما يكفي. جلستا على مقعد خشبي قديم، وفتحت كل منهما حقيبتها. "أقسم أن هذا أفضل مكان في المدرسة." قالت مهرة وهي تخرج طعامها. ردت ليان: "لأنه بعيد عن البشر." ضحكت مهرة: "أنتِ فعلًا غريبة." تباعتا الحديث عن الدراسة وأمور عدة حتى أوشكت الاستراحة على الانتهاء، والضجيج في الساحة بدأ يخفت تدريجيًا مع اقتراب موعد الحصة التالية. الطلاب يعودون إلى صفوفهم على عجل، بعضهم يركض، وآخرون يتبادلون الأحاديث الأخيرة قبل أن يبتلعهم الروتين من جديد. وقفت ليان بسرعة وهي تجمع أغراضها، وقالت لمهرة: "هيا، سنَتأخر." ردت مهرة وهي تحاول إغلاق حقيبتها: "دقيقة فقط ——" لكن ليان لم تنتظر، كانت قد ابتعدت بالفعل، تشق طريقها بين الطلاب بخطوات سريعة. لم تكن تحب التأخر، خصوصًا في أول يوم. وفي الممر الجانبي، كان المكان أقل ازدحامًا، لكنه لم يكن خاليًا تمامًا. كانت خطواتها سريعة، ونظرها مشتت قليلًا بين الطلاب والدرج في نهاية الممر. وفي لحظة، اصطدمت بشيء صلب. أو… بشخص. تراجعت خطوة إلى الخلف بسرعة، وكادت أن تفقد توازنها، لولا أنها تماسكت في اللحظة الأخيرة. سقطت حقيبتها من يدها وتناثرت بعد الأدوات لأنها كانت قد نسيت إغلاقها. "أنا آسفة." قالتها بسرعة، دون أن ترفع نظرها فورًا وهي تنحني لتجمع أغراضها. لكن لم يصلها رد. للحظة، ظنت أنه تجاهلها… أو ربما لم يسمعها. رفعت رأسها أخيرًا —— وتجمدت. كان يقف أمامها، ثابتًا تمامًا، كأنه لم يتحرك منذ لحظة الاصطدام. طويل… بشكل لافت. ملامحه حادة، وعيناه تنظران إليها بنظرة هادئة لكنها عميقة، كأنها تقرأ أكثر مما يجب. لم يكن يرتدي زيًا رسميًا واضحًا يدل على كونه معلمًا… مجرد ملابس أنيقة بسيطة، لكنها زادت من غموضه. شعرت ليان بشيء غير مريح… ليس خوفًا، بل ارتباك غير معتاد. خفضت نظرها بسرعة، وعادت تجمع أغراضها بتوتر خفيف. وقبل أن تلتقط آخر قلم سقط منها، انحنى هو أيضًا. التقت أيديهما للحظة قصيرة، فسحبت يدها فورًا، وكأنها لم تتوقع ذلك. قال بصوت منخفض، ثابت: "انتبهي أثناء السير." لم يكن صوته قاسيًا… لكنه لم يكن لطيفًا أيضًا. نبرة مباشرة، خالية من المجاملات. رفعت نظرها إليه، هذه المرة بشيء من الانزعاج: "وأنت أيضًا… لقد كنت تقف في منتصف الطريق." ساد صمت قصير كأن كلمتها لم تكن متوقعة. رفع حاجبه بشكل خفيف، وكأنه يقيم ردها، أو ربما استغربه. ثم مد يده، وأعطاها القلم دون أن يقول شيئًا. أخذته منه، وتمتمت: "شكرًا." لكنها لم تنتظر ردًا هذه المرة. بل استدارت بسرعة، وكادت أن تغادر، لكنها توقفت لجزء من الثانية… وكأنها فكرت أن تضيف شيئًا، أو تعتذر بشكل أوضح. لكنها لم تفعل، بل أكملت طريقها. أما هو… فبقي في مكانه لثوانٍ أطول مما ينبغي، وعيناه تتبعان أثرها وهي تبتعد بين الممرات، حتى اختفت تمامًا. كان من المفترض أن ينتهي الأمر عند هذا الحد. مجرد اصطدام عابر؛ طالبة مستعجلة، كلمات قليلة، ثم يمضي كلٌ في طريقه. وهذا ما اعتاده دائمًا. لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام. لم تكن هي مختلفة بشكل واضح… أو لافت كما قد يظن. لم تفعل شيئًا استثنائيًا، لم تحاول لفت انتباهه، ولم تُظهر ذلك النوع من الاهتمام الذي كان يثير ضيقه عادة. بل على العكس تمامًا، كانت هادئة وثابتة. لم ترتبك، لم تتلعثم، ولم تغرق في نظرات الإعجاب الساذجة التي اعتاد أن يراها أينما ذهب. تحدثت معه ببساطة… وكأنه شخص عادي. وربما… هذا تحديدًا ما أربكه. تقلصت ملامحه قليلًا، وكأنه يحاول تفسير هذا الشعور الغريب الذي مرّ به للحظة. لم يكن انجذابًا واضحًا، ولم يكن اهتمامًا صريحًا… لكنه لم يكن لا شيء أيضًا. شيء خفي… غير مبرر. وهو بطبيعته لم يكن من أولئك الذين ينجذبون بسهولة. بل على العكس، كان قد اعتاد أن يبقي مسافة واضحة بينه وبين أي محاولة اقتراب، وكأن داخله جدارًا لا يُرى، يمنع أي شعور من التسلل. لكن هذه المرة… لم يفهم لماذا توقفت عيناه عليها تحديدًا. لماذا بقيت صورتها عالقة في ذهنه ولو لثوانٍ. شدّ على فكه قليلًا، ثم أدار نظره أخيرًا، وكأنه يرفض الاسترسال في فكرة لا معنى لها. تابع طريقه بعدها، بخطوات ثابتة كعادته… لكن تلك اللحظة البسيطة، على عابريتها لم تمر داخله مرورًا عاديًا. ...... دخلت ليان الصف بعد لحظات، وهي تحاول أن تستعيد أنفاسها. "تأخرتِ!" قالت مهرة بفضول. جلست ليان وهي تضع أوراقها على الطاولة: "اصطدمت بشخص في الممر…" "طالب؟" هزّت رأسها: "لا أعرف، لكنه غريب." رفعت مهرة حاجبها: "غريب كيف؟" ترددت ليان لثانية، ثم قالت: "لا أدري. فقط شعرت أنه… ليس كأي أحد هنا." وقبل أن تكمل، فُتح باب الصف. دخل المعلم. نفس الشخص. تجمدت ليان في مكانها. بينما تقدم هو بخطوات هادئة نحو المكتب وكأن شيئًا لم يحدث. وضع أوراقه، ثم التفت إلى الصف، وقال بصوته الثابت: "صباح الخير." شعرت ليان أن العالم توقف للحظة. نظرت إليه بصدمة صامتة. أما هو… فوقعت عيناه عليها لجزء من الثانية، نظرة عابرة لكنها لم تكن خالية من الإدراك. وكأنه يقول دون كلمات —— "نعم… أنا هو نفس الشخص." ابتلعت ليان ريقها، وعادت تنظر إلى دفترها بسرعة. لكن تركيزها لم يعد كما كان. ولأول مرة منذ بداية اليوم… شعرت أن هذا العام لن يكون سهلًا أبدًا.وفي الوقت نفسه، كان تيم قد وصل إلى المدرسة في موعده المعتاد، يسير عبر الممرات بخطوات هادئة وواثقة وهو يحمل حقيبته الجلدية وملفات الدروس التي أعدها لطلابه لذلك اليوم. وبالنسبة لأي شخص يراه من بعيد، لم يكن يبدو سوى معلم كيمياء طبيعي يستعد لقضاء يوم دراسي عادي بين الحصص والواجبات والأسئلة العلمية التي اعتاد الإجابة عنها يوميًا. لم يكن في مظهره ما يثير الشكوك ولا في طريقة سيره ولا حتى في تعابير وجهه الهادئة التي أتقن ارتداءها كقناع دائم. لكن ما إن اقترب من جناح الفصول الدراسية حتى شعر بأن الأجواء مختلفة عن المعتاد. كان هناك توتر واضح يملأ المكان. همسات خافتة تنتقل بين الطلاب. ومجموعات صغيرة متفرقة تتبادل الأحاديث بقلق. ووجوه شاحبة تحمل مزيجًا من الخوف والحيرة. عقد حاجبيه قليلًا وكأنه يحاول فهم ما يحدث، رغم أنه كان يعرف الحقيقة أكثر من أي شخص آخر في ذلك المبنى. وعندما وصل إلى الصف الذي سيقدم فيه حصته الأولى، وقع بصره على مهرة الجالسة في أحد المقاعد الأمامية. بدت مختلفة تمامًا عن المعتاد. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ووجهها شاحبًا بصورة مؤلمة، وكأنها لم تنم بالأمس. توقف
لم يكد صوت الباب الخارجي يتلاشى في أرجاء المنزل ويختفي تمامًا خلف الجدران الساكنة، حتى بقيت ليان جالسة فوق سريرها لعدة دقائق طويلة دون أن تحرك ساكنًا، وكأنها كانت ترفض تصديق أن تيم قد غادر بالفعل، أو ربما كانت تنتظر سماع أي صوت عابر، أي حركة بسيطة، أو حتى أدنى إشارة توحي بأنه ما يزال موجودًا في مكان ما داخل المنزل. فمنذ احتجازها، أصبحت شديدة الحذر إلى درجة أنها لم تعد تثق حتى بالصمت نفسه، إذ كان هذا المكان بأكمله يبدو لها وكأنه مصيدة محكمة الإغلاق، فخ هائل يتربص بكل خطوة تخطوها وينتظر منها خطأً واحدًا فقط كي يسحق آخر ما تبقى من محاولاتها للنجاة. حبست أنفاسها وأرهفت سمعها بكل ما تملك من تركيز. مرّت لحظات ثقيلة لم تسمع خلالها سوى صوت نبضات قلبها. لا وقع أقدام يقترب. ولا صوت أبواب تُفتح أو تُغلق. ولا أي حركة تدل على وجود شخص آخر داخل المنزل. وعندما تأكدت أخيرًا من أنها وحدها تمامًا، بدأت نبضات قلبها تتسارع بوتيرة مختلفة. لم يكن ذلك التسارع نابعًا من الخوف هذه المرة، بل من شعور آخر أكثر قوة وأشد إلحاحًا، شعور كانت تتشبث به منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها ذلك الصباح. الأمل. ذلك
بقيت ليان مستلقية فوق السرير حتى بعد أن أغلق تيم الباب خلفه وغادر الغرفة، وكأن جسدها فقد القدرة على الحركة تمامًا، بينما كانت الدموع تنساب على خديها بلا توقف، متتابعة ومتواصلة كأنها تحاول أن تغسل عنها كل الخوف والصدمة والرعب الذين تراكموا داخلها منذ اللحظة التي استعادت فيها وعيها ووجدت نفسها فجأة في ذلك المكان المجهول البعيد عن كل ما تعرفه.كانت تبكي بحرقة حتى بدأت عيناها تؤلمانها من شدة الإجهاد، وحتى صار صدرها يضيق مع كل شهقة تخرج منها، لكن رغم الألم ورغم الإرهاق لم تستطع التوقف، لأن كل محاولة منها للهدوء كانت تصطدم بالحقيقة ذاتها.الحقيقة التي كانت تعود إليها في كل مرة كطعنة جديدة.هي ليست في منزلها.ليست بين أفراد عائلتها.ولا أحد يعلم أين اختفت أو ماذا حدث لها.وكانت تلك الأفكار وحدها كافية لتحطم أي محاولة للتماسك أو التفكير بعقلانية.مر وقت طويل وهي على تلك الحال، لا تسمع سوى صوت بكائها وأنفاسها المتقطعة، قبل أن يخترق الصمت أخيرًا صوت الباب وهو يُفتح من جديد.في اللحظة نفسها انتفض جسدها بعنف، ورفعت رأسها بسرعة وقد عاد الخوف يسيطر عليها بالكامل، وما إن وقعت عيناها على تيم وهو يدخل
ظل تيم واقفًا في مكانه للحظات بعد انهيار ليان بالبكاء، بينما كانت كلماتها الغاضبة وصرخاتها المرتجفة ما تزال تتردد داخل الغرفة كصدى ثقيل يضغط على أعصابه، إلا أنه أجبر نفسه على التزام الهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يمرر يده على وجهه بإرهاق واضح، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية رغم التوتر الذي يملأ الأجواء: "دعينا من كل هذه الأسئلة الآن... يمكنكِ أن تسألي ما تشائين لاحقًا." حدقت فيه غير مصدقة. أما هو فأشار إلى صينية الطعام الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة. "هيا، تناولي شيئًا. لا بد أنكِ جائعة." كانت الدموع تملأ عينيها ونظرتها إليه لم تحمل سوى الذهول والخوف. في تلك اللحظة بدا لها وكأنه فقد صلته بالواقع تمامًا. كيف يمكن لشخص أن يختطفها من حياتها، ويقيدها داخل غرفة مجهولة، ثم يتحدث عن الطعام وكأنهما زوجان يقضيان مساءً عاديًا داخل منزلهما؟ كيف يستطيع التصرف بهذه البساطة بينما عالمها كله ينهار؟ شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أما تيم فاقترب من الطاولة الصغيرة وأخذ الطبق بين يديه. "كفاكِ عنادًا يا ليان." قالها بهدوء، ثم أضاف: "إذا لم تأكلي ستتعبين." لم ترد، بل استمرت في النظر إليه بن
ثم تابع تيم: "كان الجميع يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بينما كنت أنا أحسب أيامي بناءً على وجودك فيها. إذا رأيتكِ بخير كان يومي جيدًا، وإذا بدوتِ حزينة كنت أبقى أفكر بسبب ذلك ساعات طويلة." هزت ليان رأسها بعدم تصديق: "هذا ليس طبيعيًا." تنهد ببطء. "ربما." ثم مال قليلًا إلى الأمام. "لكن ما شعرت به لم يكن طبيعيًا أبدًا." ارتجفت أصابع ليان. وأكمل هو: "كنت أرى الناس يتحدثون إليكِ وكأن ذلك أمر عادي، بينما كنت أشعر أن لا أحد يفهمكِ كما أفعل، ولا أحد يلاحظ التفاصيل التي ألاحظها." "أنت لا تعرفني أصلًا." صرخت به. لكن تيم ابتسم ابتسامة باهتة. "أعرف أنكِ عندما تكونين متوترة تعبثين بخاتمك أو بأطراف دفترك." تجمدت ليان. "وأعرف أنكِ عندما تحاولين إخفاء حزنكِ تبتسمين أكثر من المعتاد." اتسعت عيناها أكثر. "وأعرف أنكِ عندما تفكرين بعمق تنظرين إلى النافذة حتى لو لم يكن هناك شيء يستحق النظر." شعرت ليان بأن أنفاسها تتعثر. أما هو فأكمل وكأنه يسترجع ذكريات عزيزة عليه. "كنت ألاحظ كل شيء، أنا أعرفكِ أكثر من أي شخص آخر، وحتى أكثر من نفسك." "توقف." همست بها. لكنه تابع: "هل تعرفين ما كان يؤلمني أكثر م
وقف تيم لعدة ثوانٍ في مكانه بينما كانت ليان تحدق إليه بعينين متسعتين من الصدمة وعدم التصديق، وكأن عقلها يرفض بصورة غريزية الاعتراف بأن الشخص الواقف أمامها هو نفسه الرجل الذي عرفته طوال الأشهر الماضية داخل المدرسة؛ ذلك المعلم الهادئ والمتزن الذي كان يساعدها دائمًا، لذلك بدا وجوده الآن داخل هذه الغرفة الغريبة، بينما هي مقيدة اليدين والقدمين، أمرًا يفوق قدرتها على الفهم والاستيعاب. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وحذرة، كما لو كان يخشى أن يؤدي أي تصرف مفاجئ إلى زيادة رعبها، ثم انحنى قليلًا ووضع صينية الطعام فوق طاولة صغيرة بجانب السرير، قبل أن يرفع نظره إليها من جديد. أما ليان فكانت تتنفس بسرعة واضحة، بينما راحت دموعها تتجمع في عينيها دون أن تشعر. قالت بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها: "ماذا... ماذا يحدث هنا؟" لم يجبها فورًا. ظل واقفًا لثوانٍ طويلة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم قال بهدوء غريب: "أعلم أنكِ خائفة الآن... وأعلم أنكِ لا تفهمين شيئًا مما يحدث." شهقت ليان وهي تنظر إليه. "بالطبع لا أفهم! لماذا أنا هنا؟ لماذا فعلت هذا؟ ولماذا أنا مقيدة؟" ارتفع صوتها مع كل سؤال حتى تحولت







