LOGINالجزء الرابع: السقوط العظيم.. وقبلة الحياة "الزائفة"
لم ينم كريم ليلته جيداً؛ فرائحة "المش" كانت تلاحقه في أحلامه، وصوت ضحكات نشوة كان يتردد في أذنيه كأنه موسيقى تصويرية لفيلم لم يختر بطولته. في الصباح، استيقظ وهو يشعر بخشونة في يديه وألم في عضلاته، لكنه شعر بشيء من الفخر وهو ينظر إلى رغيف الخبز "المحروق" الذي صنعه بالأمس. خرج إلى الموعد عند "الساقية" القديمة، وهي بقعة ساحرة حيث تجري المياه في قنوات صغيرة محاطة بأشجار النخيل الكثيفة. كان يرتدي شورت "برمودا" ونظارات شمسية باهظة الثمن، ويحمل صنارة صيد احترافية كان قد اشتراها من متجر في "الزمالك" ولم يستخدمها قط. كانت نشوة بانتظاره، تجلس على حافة الساقية الخشبية، تدلي قدميها في الماء وتغني أغنية ريفية قديمة عن "الجمال والدلال". عندما رأته بصنارته، كادت تسقط في الماء من الضحك. — "إيه ده يا كيمو؟ إنت جاي تصطاد سمك قرش في الترعة؟ وإيه "النظارة" دي؟ إنت شايفنا مش عاجبينك ولا إيه؟" حاول كريم الحفاظ على هدوئه: "هذه صنارة كربونية متطورة يا نشوة، تكتشف حركة السمكة بالاهتزازات. والسمك هنا يحتاج لهدوء وتقنية." قفزت نشوة واقفة وقالت بتحدٍ: "تقنية إيه يا بو تقنية؟ السمك هنا "ابن بلد"، مابيمشيش بالاهتزازات، بيمشي بـ "النغاشة". شوف واتعلم!" وبلمح البصر، نزعت نشوة حذاءها البسيط، ورفعت طرف ثوبها قليلاً لتربطه حول خصرها، ونزلت إلى الماء الضحل وهي تمسك بقطعة شباك قديمة وصغيرة. بدأت تتحرك بخفة كأنها حورية برية، تداعب الماء وتغني للسمك ليخرج من مخبئه. كريم، الذي كان يحاول تثبيت صنارته "الكربونية" بين الحجارة، تشتت انتباهه تماماً. لم يكن يراقب السمك، بل كان يراقب انعكاس الشمس على وجه نشوة المبلل بالماء، وكيف كانت تبدو مفعمة بالحياة لدرجة تخيفه. — "تعالى يا خيابة! انزل هنا، المية بترد الروح!" نادته نشوة وهي ترشه بالماء بيديها. قرر كريم أن يثبت لها شجاعته. خلع نظارته وحاول النزول بحذر، لكنه لم يحسب حساب "الطحالب" الزلقة على حافة الساقية. في ثانية واحدة، انزلقت قدماه، وطار في الهواء مثل طائرة ورقية فقدت السيطرة، ليسقط "بومب" في أعمق نقطة في الساقية! ارتبك كريم، وبدأ يتخبط في الماء كأنه يصارع حوتًا، رغم أن العمق لم يكن يتجاوز المتر ونصف المتر. صرخ: "أنا أغرق! النجدة! التشنج العضلي!" اندفعت نشوة نحوه بسرعة، وجذبته من قميصه المبلل حتى أوصلته إلى اليابسة. كان كريم يسعل ويخرج الماء من فمه، مستلقياً على ظهره وهو يشعر بإحراج لا يوصف. أغمض عينيه متظاهراً بالإغماء من شدة الإحراج (أو ربما ليرى ماذا ستفعل). شعرت نشوة بالقلق الحقيقي لأول مرة. انحنت فوقه، وبدأت تنادي باسمه بصوت مرتجف: "كريم! كيمو! رد عليا يا بوي.. أنا كنت بهزر معاك!" وعندما لم يستجب، وضعت يديها على صدره وبدأت تضغط بقوة، ثم اقتربت بوجهها من وجهه لتجري له "تنفسًا صناعيًا" كما رأت في الأفلام. وبينما كانت شفتاها على وشك ملامسة شفتيه، فتح كريم عيناً واحدة وابتسم بضعف: — "هل هذه هي "قبلة الحياة" التي يتحدثون عنها في الريف؟" تراجعت نشوة بسرعة، واحمر وجهها خجلاً وغضباً في آن واحد، ثم ضربته بقطعة من الحشيش المبلل على صدره وهي تضحك وسط خجلها: — "يا بن اللذينة! بتمثل عليا يا "مشخصاتي"؟ ده أنا كنت هصوت وألمّ عليك البلد! والنعمة إنت "شقاوة" ومداريها تحت النظارة." ضحك كريم من قلبه، ضحكة صافية لم يضحكها منذ سنوات في المدينة. جلس وهو يقطر ماءً، ونظر إليها وقال: "بصراحة يا نشوة.. أنا جئت هنا لأهرب من "التمثيل" والزيف، لكن يبدو أنني وجدت هنا "الحقيقة" التي تلسع مثل المش، وتغرق مثل الساقية." نظرت إليه نشوة بنظرة طويلة، فيها الكثير من الحنان الممزوج بالشقاوة، وقالت بصوت خفيض: — "طب قوم يا حقيقة.. قوم عشان هدومك دي هتجيبلك دور برد، وأنا مش حمل أشيلك لوحدي تاني. والسمك؟ السمك هرب لما شاف "الغطسة" العالمية بتاعتك، بكرة هجيبلك سمك مشوي من عندنا.. بس بشرط." — "ما هو الشرط؟" سألها كريم وهو يحاول الوقوف. غمزت له وهي تنصرف: — "تعزمني على "قهوة" من اللي بتعملها بالكهرباء دي.. عايزة أعرف إيه اللي بيخليكم "ناعمين" كدة في المدينة!" عاد كريم إلى بيته مبللاً، جائعاً، ومصاباً بكدمات، لكنه كان يشعر لأول مرة أن "الفخ" الذي نصبت له نشوة ليس سجناً، بل هو أجمل مكان وقع فيه في حياته.الجزء الرابع والثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتعتيق "سمن الحليب الصافي وكبّة الكشك الصعيدي بالفريك".. وريحة الخضيرة المعتقة!مع نسيم الليل الشتوي العليل وانبعاث الدفء من أركان الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أفخر وأعرق طقوس المونة العتيقة على الإطلاق: موسم "صهر وتصفية السمن البلدي المعتق من قشدة الحليب الصافي، وتشكيل كِباب الكشك الصعيدي المعجون باللبن الزير والفريك الذهبي" لتعتيقه على أطباق الخوص تحت أشعة الشمس.فُرشت الساحة بأغطية الصوف الكبيرة، ورُصت عليها أوانٍ نحاسية متوهجة يتصاعد منها عبير السمن البلدي أثناء صهره على نار جمر الكانون الهادئة، وبجانبها قصاع خشبية ضخمة مليئة بعجين الكشك البلدي المعجون باللبن الرايب المخمر والفريك المغسول، والمصمم على شكل كرات صغيرة (كِباب) متناسقة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون خمري عميق مطرز بالخيوط الذهبية والفضية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تشكيل كِباب الكشك برقة ودقة متناهية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات الفخار المسامية وملعقة الخشب الكبيرة لتصفية مرتة السمن، و
الجزء الثالث والثلاثون بعد المائة: موسم تحميش وتخزين "الفول البلدي العريض ودرس الكمونية والعدس المنسوب".. وقنبلة الدش!مع اشتداد نسيم الليل الشتوي البارد وسطوع الفوانيس فوق عروق الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق طقس من أهم طقوس المونة الفلاحية الصلبة: موسم "غربلة وتحميش الفول البلدي العريض، ودشّ العدس الأصفر، وتنقية حبات الكمونية الفلاحية" استعداداً لموسم التدميس الشتوي العتيق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش العريضة، ورُصت عليها أطباق الخوص المجدولة، وبجانبها قدر كبير نحاسي لتجفيف وتدفئة حبات الفول فوق جمر الكانون الخفيف، وأوانٍ تضم الملح الخشن والكمون العريض لمقاومة الرطوبة وتأمين الحبوب طوال الشتاء.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أخضر زيتي مطرز بالخيوط الصفراء والبرتقالية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ غربلة الفول البلدي بحركات يدوية متناغمة تشبه الرقص الريفي الأصيل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمصفاة الخشبية وجرار الفخار الكبيرة، ونظارته الطبية تعكس بريق الجمر، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بش
الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتصويم "الفلفل الأحمر الشطة ودرس الملح والكمون البلدي".. وقنبلة الشطة!مع زوال حرارة الظهيرة واعتدال هواء المساء الفلاحي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أكثر طقوس المونة حماساً وإثارة: موسم "تجفيف ودق الشطة الحمراء البلدي ونخل الملح والكمون العريض" لتحضير توابل الدوار للسنة الجديدة.فُرشت الساحة بقطع الخيش النظيفة، وتلألأت عليها أكوام الفلفل الأحمر القاني شديد الجفاف، إلى جانب أوانٍ نحاسية تضم حبيبات الكمون البلدي العطرة، والملح الرشيدي الخشن، وجرون الحجر العتيقة مع يدان الهاون الثقيلة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أصفر شتوي مطرز بخيوط حمرة الرمان، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ نخل الكمون ودق قرون الشطة داخل الجرن الحجري بدقة وتأنٍّ. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمناخل وجرن الحجر الصغير، ونظارته الطبية تعكس بريق الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس الدق والسيستم المشطشط صح! درس الشطة والكمون البلدي ده هو أصل (الـ Fine Grinding & Aroma Retent
الجزء الواحد والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتقميع "الثوم البلدي الأحمر وعقد عناقيد البصل الشتي".. وريحة الخزين الساحرة!مع أنسام الأصيل الدافئة وتصاعد حفيف أوراق الزيتون في ساحة الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أهم وأعرق طقوس "المونة العتيقة" التي تحمي الدار وتضمن بركتها طوال العام: موسم "تجفيف الثوم البلدي الأحمر الروسي، وتقليم وتقميع عروش البصل الشتي الذهبي، وعقد العناقيد الشريفة" لتعليقها في مناشر وسقائف الدوار.فُرشت الساحة بأربطة من الصوف والخيش الدافئ، ورُصت عليها أطنان من رؤوس الثوم البلدي ذي اللون الأرجواني الزاهي والشديد الصلابة، إلى جانب أكوام البصل الشتي المتوهجة بالقشرة الذهبية، وبجانبها مقصات التقليم العتيقة والحبال المجدولة من ليف النخيل الصافي.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون برتقالي محروق مطرز بالخيوط النيلية والذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ ضفر عروش الثوم مع حبال الليف بحركات يد سريعة ومتقنة تشبه ضفر شعر الجدايل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بمقصات التقليم وحبال القنب، ونظارته الطبية تعكس
الجزء الثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتجميع "عسل النحل الجبلي وشمع الجبح الفلاحي".. وريحة أزهار الموالح!مع نسيم الصباح العليل وتفتح نوار أزهار الموالح والبرسيم الشتي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أنقى وأبهى طقوس الخزين في الدوار: موسم "جني وتصفية عسل النحل البلدي الجبلي واستخلاص شمع الجباح العتيقة" لتعبئته في المرطبانات الزجاجية وتخزينه لمونة الشتاء.فُرشت الساحة بأغطية قماشية ناصعة البضاضة، ورُصت عليها أقراص الشمع الذهبية المليئة بشهد العسل الصافي، وبجانبها أوانٍ نحاسية متوهجة، ومصافٍ حريرية دقيقة نُسجت خصيصاً لتصفية العسل وخلعه عن الشمع دون أن تفقد قطرة واحدة من قيمته الغذائية ونكهته العطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أصفر خردلي زاهٍ مطرز بالورود البيضاء، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بطريقة تفيض بالجمال والشقاوة الفلاحية، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تقطيع أقراص الشمع بحرص ونعومة فوق المصافي النحاسية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات التخزين ومكبس الشمع اليدوي، ونظارته الطبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، فقالت له بصوت يملأه الدلال والأنوثة الريفية:
الجزء التاسع والعشرون بعد المائة: موسم تعتيق وخزن "الجبن القديم بالدكّ والشرش والمش الفلاحي المعتق".. وريحة الزلعة!مع إشراقة الشروق الشتوي الدافئ، أعلنت نشوة عن طقس مونة الدوار الأصيل: موسم "كبس وتعتيق الجبن القريش المصفي في الزلع الفخارية العتيقة مع الشرش الفلاحي والشطة الحمراء وحبة البركة" لصناعة "المِشّ" البلدي المعتق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش الصوفية، ورُصت عليها زلع فخارية عتيقة ومسامية، وبجانبها أطباق خشبية ضخمة تفيض بقوالب الجبن القريش الجافة والمجففة بالشمس والملح الرشيدي، مع قدور نحاسية تضم الشرش الدافي، العصفور، حبة البركة، وقشور اليوسفي المجففة المعطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أزرق نيلي مطرز بالحرير الأبيض، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ رصّ قوالب الجبن داخل الزلعة الفخارية بدقة، وسكب الشرش المعطر بالشطة وحبة البركة بين الطبقات. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات الملح وقشور اليوسفي، ونظارته الطبية تعكس ضوء الشمس الدافئ، فقالت له بصوت يملأه الدلال الريفي والشقاوة:— "تعال هنا يا بشمهندس التعتيق والسيست
الجزء الثالث عشر: ليلة المولد.. وخطة "السيستم الأخير" كانت ساحة مولد الشيخ "أبو العزم" تضج بالحياة؛ أنوار ملونة معلقة بالحبال تتأرجح مع نسمات الليل، رائحة البخور تختلط برائحة غزل البنات والفول السوداني، وصوت "المزمار البلدي" يثقب الآذان بإيقاع حماسي يرفع الأدرينالين في الصدور. في وسط الساحة، تحلق
الجزء الثاني عشر: معسكر التدريب.. و"كابتن" نشوة الصارماستيقظ كريم في الرابعة فجراً على صوت صفارة حادة كادت تقبض روحه. فتح عينيه برعب ليجد نشوة تقف فوق رأسه، ترتدي جلباباً ضيقاً حزمت خصرها فوقه بشال صوف، وتمسك في يدها عصا طويلة من خشب الخيزران، وفي يدها الأخرى "صفارة" حكام كرة القدم.— "اصحى يا بر
الجزء الحادي عشر: لغة النبوت.. وكيمياء الخوفوقف "عواد" أمام كريم ونشوة كأنه سد منيع؛ رجل عريض المنكبين، بشرته لوحتها شمس الحقول حتى صارت بلون النحاس القديم، وعيناه تلمعان بتحدٍ لا يخلو من العدائية. كان يمسك بـ "النبوت" (العصا الغليظة) ويهزها بخفة توحي بأنه مستعد لاستخدامها في أي لحظة.— "إيه يا
الجزء العاشر: سوق الخميس.. وفن "الفصال" الاستراتيجيلم يكن كريم يعلم أن "سوق الخميس" في القرية ليس مجرد مكان لبيع الخضار، بل هو ساحة معركة، "كولوسيوم" ريفي يختبر فيه المرء قدرته على الصمود أمام الصياح، الروائح المتداخلة، ودهابة التجار.استيقظ كريم على طرقات نشوة العنيفة: "اصحى يا كيمو! السوق مش ه







