Se connecterالجزء العاشر: سوق الخميس.. وفن "الفصال" الاستراتيجي
لم يكن كريم يعلم أن "سوق الخميس" في القرية ليس مجرد مكان لبيع الخضار، بل هو ساحة معركة، "كولوسيوم" ريفي يختبر فيه المرء قدرته على الصمود أمام الصياح، الروائح المتداخلة، ودهابة التجار. استيقظ كريم على طرقات نشوة العنيفة: "اصحى يا كيمو! السوق مش هيستنى الأفندية لما يفطروا كرواسون! النهاردة يوم "الكسوة" والتموين، وعايزاك تكون "ديب" (ذئب) وأنت بتتعامل مع البياعين." خرج كريم وهو يرتدي قميصاً بسيطاً ونظارته الشمسية، لكن نشوة أجبرته على خلع النظارة قائلة: "البس دي والأسعار هتضرب في تلاتة! هنا لازم تبص في عين التاجر بقلب جامد، وتوريه إنك عارف الفولة وتمنها." دخلوا السوق. كان الزحام رهيباً، أصوات الباعة تختلط بنهيق الحمير وصياح الديكة. نشوة كانت تتحرك كسمكة في الماء، تدفع هذا بمنكبها، وتمازح تلك البائعة، بينما كان كريم يتمسك بطرف جلبابها خشية أن يضيع في غابة الأجساد. توقفت نشوة أمام بائع "جبنة قريش". نظرت للجبنة بقرف مصطنع وقالت: — "إيه يا حاج جابر؟ الجبنة دي بقالها أسبوع عندك ولا إيه؟ دي ملمسها زي الاستيكة!" رد التاجر بحنق: "استيكة إيه يا ست نشوة؟ دي لسه نازلة من الحصيرة حالا، الكيلو بـ 50 جنيه ومفيش كلام!" هنا، قرر كريم أن يتدخل ليمارس دور "الرجل الحازم". تذكر دروس "التفاوض" في كورسات الإدارة التي أخذها في المدينة. تنحنح وقال: — "سيد جابر، بالنظر إلى جودة المنتج وظروف العرض والطلب الحالية، أرى أن السعر العادل هو 35 جنيهاً، مع هامش ربح معقول لك." ساد صمت مفاجئ في "بسطة" الجبن. نظر الحاج جابر لكريم من أسفل النظارة، ثم نظر لنشوة وقال: — "هو الأستاذ شغال في "البنك المركزي" يا نشوة؟ إيه الكلام اللي بالكهرباء ده؟" انفجرت نشوة بالضحك، وسحبت كريم من يده وهي تهمس: — "هامش ربح إيه يا منمن؟ إنت في سوق، مش في اجتماع مجلس إدارة! سيبلي الطلعة دي." التفتت للحاج جابر وقالت وهي تضع يدها على خصرها: "30 جنيه يا حاج، وهاخد 2 كيلو، وكمان هتديني "فلفل أحمر" هدية.. وإلا هقول للبلد كلها إن جبنتك فيها لبن بودرة!" بعد دقيقتين من "الردح" الفني والمزاح المتبادل، خرجت نشوة ومعها الجبن والفلفل والهدية بـ 60 جنيهاً فقط. نظر إليها كريم بذهول: "هذا ليس فصالاً، هذا ابتزاز عاطفي!" قالت نشوة وهي تغمز له: "ده اسمه "أكل العيش" يا كيمو. في المدينة بتدفعوا اللي يطلبوه عشان "البرستيج"، لكن هنا القرش بيطلع بطلوع الروح. وبعدين.. تعالى هنا، إنت عينك راحت فين؟" كان كريم قد توقف أمام بائع يبيع أثواباً ريفية ملونة، ولمح ثوباً باللون "الفيروزي" شعر أنه سيكون ساحراً على نشوة. اقترب واشتراه دون فصال، وعندما قدمه لها، تلاشت نظرة السخرية من عينيها وحل مكانها ارتباك أنثوي لم يره من قبل. — "اشتريته من غير ما تفاصل يا كريم؟" سألته بصوت خفيض. قال كريم بابتسامة هادئة: "فيه حاجات في الدنيا يا نشوة، قيمتها أكبر بكتير من أي فصال.. وإنتِ واحدة منهم." احمرّ وجه نشوة خجلاً، ولأول مرة منذ لقائهما، صمتت تماماً ولم تجد ردًا "شقياً". ساروا في طريق العودة، الحقائب ثقيلة، لكن القلوب كانت خفيفة جداً. وفجأة، وهما يبتعدان عن زحام السوق، ظهر رجل ضخم الجثة، يرتدي عباءة فاخرة، ويستند على عصا من أبنوس، ونادى بصوت جهوري: — "نشوة! مين الأفندي اللي ماشي جنبك ده؟" تجمدت نشوة في مكانها، وهمست لكريم برعب: "يا مصيبتي.. ده "عواد"، اللي عايز يتجوزني غصب، وده مابيفهمش في "الهامش الربحي" بتاعك.. ده بيفهم في لغة النبوت (العصا الغليظة) وبس!"الجزء الخامس والثلاثون بعد المائة: سهرة الحبر والدفء.. ختام الحصاد وبداية الرواية الكبرى!مع هدوء الليل وانطفاء آخر وميض لعواصف عواد الميكانيكية، عاد السكون العجيب والدافئ ليحتضن أركان الدوار. كانت الساحة قد غُسلت ونُظفت، وخيّم عبير الشاي بالنعناع والمرمية على المكان المنعش، بينما ألقى القمر أشعته الفضية اللينة على حوائط الطين والتبن الأصيلة.استند كريم ونشوة بجانب بعضهما فوق الوسائد الصوفية أمام الكانون الذي كان يرسل ومضات حمراء هادئة تدفئ الأجواء الشتوية. وضعت نشوة رأسها المكلل بالبراءة والدلال على كتف كريم، وأخذت تقلب بأصابعها ريشة الكتابة والدفتر الجلدي العتيق، بينما استقر كف كريم الدافئ فوق يدها ليمنحها شعوراً لا يُقادر بالاستقرار والأمان الأبدي.همست نشوة بصوتها العذب الذي يشبه خرير الماء في الساقية:— "تعال يا كيمو يا سندي ومهندس عمري.. خلصنا مونة السنة كلها، من الجبنة والمش، لحد الفطير والعسل والسمن والفول.. كأننا بنينا حصن من البركة والخير بيدنا. تفتكر روايتنا الجديدة اللي بنكتبها هتقدر تنقل كل الدفء والريحة والطيبة دي للناس؟"تأمّل كريم وجهها المضيء بضوء النار، وابتسم بحن
الجزء الرابع والثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتعتيق "سمن الحليب الصافي وكبّة الكشك الصعيدي بالفريك".. وريحة الخضيرة المعتقة!مع نسيم الليل الشتوي العليل وانبعاث الدفء من أركان الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أفخر وأعرق طقوس المونة العتيقة على الإطلاق: موسم "صهر وتصفية السمن البلدي المعتق من قشدة الحليب الصافي، وتشكيل كِباب الكشك الصعيدي المعجون باللبن الزير والفريك الذهبي" لتعتيقه على أطباق الخوص تحت أشعة الشمس.فُرشت الساحة بأغطية الصوف الكبيرة، ورُصت عليها أوانٍ نحاسية متوهجة يتصاعد منها عبير السمن البلدي أثناء صهره على نار جمر الكانون الهادئة، وبجانبها قصاع خشبية ضخمة مليئة بعجين الكشك البلدي المعجون باللبن الرايب المخمر والفريك المغسول، والمصمم على شكل كرات صغيرة (كِباب) متناسقة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون خمري عميق مطرز بالخيوط الذهبية والفضية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تشكيل كِباب الكشك برقة ودقة متناهية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات الفخار المسامية وملعقة الخشب الكبيرة لتصفية مرتة السمن، و
الجزء الثالث والثلاثون بعد المائة: موسم تحميش وتخزين "الفول البلدي العريض ودرس الكمونية والعدس المنسوب".. وقنبلة الدش!مع اشتداد نسيم الليل الشتوي البارد وسطوع الفوانيس فوق عروق الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق طقس من أهم طقوس المونة الفلاحية الصلبة: موسم "غربلة وتحميش الفول البلدي العريض، ودشّ العدس الأصفر، وتنقية حبات الكمونية الفلاحية" استعداداً لموسم التدميس الشتوي العتيق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش العريضة، ورُصت عليها أطباق الخوص المجدولة، وبجانبها قدر كبير نحاسي لتجفيف وتدفئة حبات الفول فوق جمر الكانون الخفيف، وأوانٍ تضم الملح الخشن والكمون العريض لمقاومة الرطوبة وتأمين الحبوب طوال الشتاء.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أخضر زيتي مطرز بالخيوط الصفراء والبرتقالية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ غربلة الفول البلدي بحركات يدوية متناغمة تشبه الرقص الريفي الأصيل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمصفاة الخشبية وجرار الفخار الكبيرة، ونظارته الطبية تعكس بريق الجمر، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بش
الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتصويم "الفلفل الأحمر الشطة ودرس الملح والكمون البلدي".. وقنبلة الشطة!مع زوال حرارة الظهيرة واعتدال هواء المساء الفلاحي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أكثر طقوس المونة حماساً وإثارة: موسم "تجفيف ودق الشطة الحمراء البلدي ونخل الملح والكمون العريض" لتحضير توابل الدوار للسنة الجديدة.فُرشت الساحة بقطع الخيش النظيفة، وتلألأت عليها أكوام الفلفل الأحمر القاني شديد الجفاف، إلى جانب أوانٍ نحاسية تضم حبيبات الكمون البلدي العطرة، والملح الرشيدي الخشن، وجرون الحجر العتيقة مع يدان الهاون الثقيلة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أصفر شتوي مطرز بخيوط حمرة الرمان، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ نخل الكمون ودق قرون الشطة داخل الجرن الحجري بدقة وتأنٍّ. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمناخل وجرن الحجر الصغير، ونظارته الطبية تعكس بريق الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس الدق والسيستم المشطشط صح! درس الشطة والكمون البلدي ده هو أصل (الـ Fine Grinding & Aroma Retent
الجزء الواحد والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتقميع "الثوم البلدي الأحمر وعقد عناقيد البصل الشتي".. وريحة الخزين الساحرة!مع أنسام الأصيل الدافئة وتصاعد حفيف أوراق الزيتون في ساحة الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أهم وأعرق طقوس "المونة العتيقة" التي تحمي الدار وتضمن بركتها طوال العام: موسم "تجفيف الثوم البلدي الأحمر الروسي، وتقليم وتقميع عروش البصل الشتي الذهبي، وعقد العناقيد الشريفة" لتعليقها في مناشر وسقائف الدوار.فُرشت الساحة بأربطة من الصوف والخيش الدافئ، ورُصت عليها أطنان من رؤوس الثوم البلدي ذي اللون الأرجواني الزاهي والشديد الصلابة، إلى جانب أكوام البصل الشتي المتوهجة بالقشرة الذهبية، وبجانبها مقصات التقليم العتيقة والحبال المجدولة من ليف النخيل الصافي.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون برتقالي محروق مطرز بالخيوط النيلية والذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ ضفر عروش الثوم مع حبال الليف بحركات يد سريعة ومتقنة تشبه ضفر شعر الجدايل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بمقصات التقليم وحبال القنب، ونظارته الطبية تعكس
الجزء الثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتجميع "عسل النحل الجبلي وشمع الجبح الفلاحي".. وريحة أزهار الموالح!مع نسيم الصباح العليل وتفتح نوار أزهار الموالح والبرسيم الشتي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أنقى وأبهى طقوس الخزين في الدوار: موسم "جني وتصفية عسل النحل البلدي الجبلي واستخلاص شمع الجباح العتيقة" لتعبئته في المرطبانات الزجاجية وتخزينه لمونة الشتاء.فُرشت الساحة بأغطية قماشية ناصعة البضاضة، ورُصت عليها أقراص الشمع الذهبية المليئة بشهد العسل الصافي، وبجانبها أوانٍ نحاسية متوهجة، ومصافٍ حريرية دقيقة نُسجت خصيصاً لتصفية العسل وخلعه عن الشمع دون أن تفقد قطرة واحدة من قيمته الغذائية ونكهته العطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أصفر خردلي زاهٍ مطرز بالورود البيضاء، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بطريقة تفيض بالجمال والشقاوة الفلاحية، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تقطيع أقراص الشمع بحرص ونعومة فوق المصافي النحاسية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات التخزين ومكبس الشمع اليدوي، ونظارته الطبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، فقالت له بصوت يملأه الدلال والأنوثة الريفية:
الجزء الثامن: أسرار السطوح.. والكمين الرومانسيكان الليل في البادية يمتلك لوناً أسوداً مخملياً لا تراه في المدن؛ حيث النجوم تبدو قريبة لدرجة أنك تظن أن بإمكانك قطفها كحبات العنب. صعد كريم سلم بيته الطيني بحذر، قلبه يدق كطبلة بلدية، متسائلاً عن "السر" الذي وعدته به نشوة.عندما وصل إلى السطح، وجدها
الجزء السابع: وليمة "الحاجة".. وفنون الإغواء بالبطكان بيت "الحاج مرسي" تفوح منه روائح تدوخ الرأس؛ رائحة تقلية البصل، مع زفر الطيور، ورائحة الخبز الذي خرج للتو من الفرن. دخل كريم وهو يحاول هندمة قميصه الذي نجا بأعجوبة من سباق الحمير، وشعر برهبة لم يشعر بها يوم مناقشة مشروع تخرجه.في وسط الغرفة ال
الجزء السادس: "فيراري" الغيط.. وسباق الكرامة الضائعةطلع الصباح برائحة الأرض المبللة، وكان كريم قد بدأ يستوعب أن قوانين "الأتيكيت" لا مكان لها هنا. كان يجلس أمام باب بيته، يحاول تنظيف حذائه الرياضي من طين ليلة أمس، حين سمع وقع حوافر تقترب بصوت منتظم، وصوتاً مألوفاً يصيح:— "وسع.. وسع للسكة! الوحش
الجزء الخامس: ليلة الشموع.. والاعترافات المتقطعةلم تكن "العاصفة" التي تنبأت بها الأرصاد الجوية عادية؛ فقد بدأت السماء تزمجر برعود قوية هزت جدران البيت الطيني، وسرعان ما انهمر المطر بغزارة كأن السماء تفتح أبوابها. وكما هو متوقع في القرى البعيدة، استسلم التيار الكهربائي سريعاً للرياح، وغرق البيت في







