LOGINالجزء الثالث: معركة الفرن.. وقبلة الرماد
بعد إفطار "المش" الأسطوري، شعر كريم بطاقة غريبة تسري في جسده، طاقة لم تمنحها له كل مشروبات البروتين التي كان يتناولها في "الجيم". نظر إلى نشوة وقال بنبرة حاول أن يجعلها واثقة: — "اسمعي يا نشوة، أنا لست مجرد "مهندس فرفور" كما تظنين. أنا رجل يحب التحدي، وإذا كنتِ تعتقدين أن الحياة هنا ستغلبني، فأنتِ واهمة. أنا أريد أن أعتمد على نفسي تماماً. سأقوم بتشغيل هذا الفرن الطيني الموجود في الحديقة الخلفية، وسأصنع خبزي بنفسي!" انفجرت نشوة بالضحك حتى كادت تسقط على قفاها، وقالت وهي تلوح بمنديلها: — "تولع الفرن؟ ده الفرن ده له "دلع" معين يا كيمو. لو معرقتش قدامه وشميت ريحته مش هيديك عيش. وبعدين ده محتاج "حطب" و"قش"، وإنت إيدك ناعمة زي الحرير، خايف تتجرح ونقعد نعيط جنبها." استفزت كلماتها كرامته "المدنية"، فنهض بحماس وقال: "سترين!". توجه كريم إلى كومة من الحطب الجاف خلف البيت، وبدأ يحمل الأخشاب بذراعيه اللتين اعتادتا فقط على حمل "اللابتوب". كانت نشوة تراقبه وهي مستندة إلى جذع شجرة جميز، تقضم ثمرة تفاح صغيرة وتنظر إليه بنظرات تجمع بين السخرية والإعجاب المستتر. كان العرق قد بدأ يتصبب على جبينه، وقميصه الأبيض الفاخر تلطخ بآثار الرماد والطين. قالت نشوة وهي تقترب منه بخطوات بطيئة وموزونة: — "الحطب ده مش هيولع لوحده يا سي المهندس. لازم "قش" في الأول، ولازم تنفخ في قلب النار لحد ما ترد فيك الروح. تعالى.. هعلمك "النفس" الصح." اقتربت منه لدرجة أن أنفاسها اختلطت بأنفاسه. كانت رائحتها هذه المرة خليطاً من "الخبيز" وزهور البرتقال. انحنت أمام فتحة الفرن، وبدأت تضع القش بترتيب معين، ثم أشعلت عود ثقاب وطلبت منه أن ينفخ. انحنى كريم بجانبها، وبدأ ينفخ بقوة، لكن الدخان ارتد فجأة في وجهه، فبدأ يسعل بشدة ودموعه تسيل. ضحكت نشوة وقالت: — "مش كدة يا خايب! النفخ لازم يكون بحنان، كأنك بتوشوش حبيبك." وضعت يدها على كتفه لتعدل وضعيته، وشعر كريم برعشة غريبة لم تكن بسبب برد الصباح. وفجأة، بينما كان يحاول التركيز على النار، التفتت إليه نشوة، وكان وجهها قريباً جداً من وجهه، لدرجة أنه رأى انعكاس صورته في عينيها الواسعتين. قالت بصوت منخفض، يقطر أنوثة فطرية: — "تعرف يا كريم.. إنت شكلك وأنت "متعفر" بالرماد أحلى بكتير من شكلك وأنت "متسرح" في الصور. الريف بيليق عليك، بس محتاج "قلب" يجمد." شعر كريم للحظة أن العالم توقف. الصمت الذي جاء من أجله للمدينة وجده أخيراً، لكنه كان صمتاً مشحوناً بالتوتر الرومنسي. مد يده دون وعي ليمسح بقعة رماد عن خدها، فابتسمت هي بخبث وقالت: — "إيه؟ بدأت "تغويك" نار الفرن ولا إيه؟" ارتبك كريم وتراجع خطوة للخلف، فتعثر بكومة من القش وسقط على ظهره، لتنفجر نشوة بالضحك مرة أخرى وهي تمد يدها لتساعده على النهوض: — "وقعت يا بطل؟ دي أول وقعة في الغيط، لسه اللي جاي أصعب. قوم.. النار ولعت، والعيش محتاج "إيدين" مش "كلام"." أمضى كريم الساعات التالية يحاول "الخبز" تحت إشراف نشوة الصارم، التي كانت لا تتوقف عن انتقاد حركاته بأسلوب ساخر ومحبب في آن واحد. كانت تارة توبخه لأنه لا يفرد العجين جيداً، وتارة أخرى تمزح معه قائلة إن العجين الذي يصنعه "مكلكع" مثل حياته في المدينة. ومع غروب الشمس، كان كريم يجلس أمام الفرن، وجهه مغطى بالسواد، يده محترقة قليلاً، لكنه يمسك برغيف خبز ساخن، صنعه بيده لأول مرة. قالت نشوة وهي تجلس بجانبه على الأرض، وتضع رأسها على كتفه بتلقائية أذهلته: — "تصدق يا كيمو.. الرغيف ده طعمه هيبقى أحلى من أي أكل أكلته في حياتك. عارف ليه؟" سألها كريم بصوت متعب ومبتسم: "ليه؟" قالت وهي تغمز له قبل أن تقوم لتنصرف: — "عشان أنا اللي كنت واقفة جنبك وأنت بتعمله. بكرة استناني عند الساقية.. هعلمك إزاي "تصطاد" سمك، وإزاي تصطاد "فرص" تانية في الحياة مابتجيش غير مرة واحدة." رحلت نشوة، وتركته ينظر إلى الرغيف وإلى الفراغ، متسائلاً: هل هو من يحاول الهروب من المدينة، أم أن الريف – ونشوة تحديداً – هما من يحاولان اصطياده في شباك من الضحك والمشاعر التي لم يحسب لها حساباً؟الجزء الثالث والثلاثون بعد المائة: موسم تحميش وتخزين "الفول البلدي العريض ودرس الكمونية والعدس المنسوب".. وقنبلة الدش!مع اشتداد نسيم الليل الشتوي البارد وسطوع الفوانيس فوق عروق الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق طقس من أهم طقوس المونة الفلاحية الصلبة: موسم "غربلة وتحميش الفول البلدي العريض، ودشّ العدس الأصفر، وتنقية حبات الكمونية الفلاحية" استعداداً لموسم التدميس الشتوي العتيق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش العريضة، ورُصت عليها أطباق الخوص المجدولة، وبجانبها قدر كبير نحاسي لتجفيف وتدفئة حبات الفول فوق جمر الكانون الخفيف، وأوانٍ تضم الملح الخشن والكمون العريض لمقاومة الرطوبة وتأمين الحبوب طوال الشتاء.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أخضر زيتي مطرز بالخيوط الصفراء والبرتقالية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ غربلة الفول البلدي بحركات يدوية متناغمة تشبه الرقص الريفي الأصيل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمصفاة الخشبية وجرار الفخار الكبيرة، ونظارته الطبية تعكس بريق الجمر، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بش
الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتصويم "الفلفل الأحمر الشطة ودرس الملح والكمون البلدي".. وقنبلة الشطة!مع زوال حرارة الظهيرة واعتدال هواء المساء الفلاحي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أكثر طقوس المونة حماساً وإثارة: موسم "تجفيف ودق الشطة الحمراء البلدي ونخل الملح والكمون العريض" لتحضير توابل الدوار للسنة الجديدة.فُرشت الساحة بقطع الخيش النظيفة، وتلألأت عليها أكوام الفلفل الأحمر القاني شديد الجفاف، إلى جانب أوانٍ نحاسية تضم حبيبات الكمون البلدي العطرة، والملح الرشيدي الخشن، وجرون الحجر العتيقة مع يدان الهاون الثقيلة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أصفر شتوي مطرز بخيوط حمرة الرمان، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ نخل الكمون ودق قرون الشطة داخل الجرن الحجري بدقة وتأنٍّ. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمناخل وجرن الحجر الصغير، ونظارته الطبية تعكس بريق الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس الدق والسيستم المشطشط صح! درس الشطة والكمون البلدي ده هو أصل (الـ Fine Grinding & Aroma Retent
الجزء الواحد والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتقميع "الثوم البلدي الأحمر وعقد عناقيد البصل الشتي".. وريحة الخزين الساحرة!مع أنسام الأصيل الدافئة وتصاعد حفيف أوراق الزيتون في ساحة الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أهم وأعرق طقوس "المونة العتيقة" التي تحمي الدار وتضمن بركتها طوال العام: موسم "تجفيف الثوم البلدي الأحمر الروسي، وتقليم وتقميع عروش البصل الشتي الذهبي، وعقد العناقيد الشريفة" لتعليقها في مناشر وسقائف الدوار.فُرشت الساحة بأربطة من الصوف والخيش الدافئ، ورُصت عليها أطنان من رؤوس الثوم البلدي ذي اللون الأرجواني الزاهي والشديد الصلابة، إلى جانب أكوام البصل الشتي المتوهجة بالقشرة الذهبية، وبجانبها مقصات التقليم العتيقة والحبال المجدولة من ليف النخيل الصافي.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون برتقالي محروق مطرز بالخيوط النيلية والذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ ضفر عروش الثوم مع حبال الليف بحركات يد سريعة ومتقنة تشبه ضفر شعر الجدايل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بمقصات التقليم وحبال القنب، ونظارته الطبية تعكس
الجزء الثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتجميع "عسل النحل الجبلي وشمع الجبح الفلاحي".. وريحة أزهار الموالح!مع نسيم الصباح العليل وتفتح نوار أزهار الموالح والبرسيم الشتي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أنقى وأبهى طقوس الخزين في الدوار: موسم "جني وتصفية عسل النحل البلدي الجبلي واستخلاص شمع الجباح العتيقة" لتعبئته في المرطبانات الزجاجية وتخزينه لمونة الشتاء.فُرشت الساحة بأغطية قماشية ناصعة البضاضة، ورُصت عليها أقراص الشمع الذهبية المليئة بشهد العسل الصافي، وبجانبها أوانٍ نحاسية متوهجة، ومصافٍ حريرية دقيقة نُسجت خصيصاً لتصفية العسل وخلعه عن الشمع دون أن تفقد قطرة واحدة من قيمته الغذائية ونكهته العطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أصفر خردلي زاهٍ مطرز بالورود البيضاء، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بطريقة تفيض بالجمال والشقاوة الفلاحية، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تقطيع أقراص الشمع بحرص ونعومة فوق المصافي النحاسية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات التخزين ومكبس الشمع اليدوي، ونظارته الطبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، فقالت له بصوت يملأه الدلال والأنوثة الريفية:
الجزء التاسع والعشرون بعد المائة: موسم تعتيق وخزن "الجبن القديم بالدكّ والشرش والمش الفلاحي المعتق".. وريحة الزلعة!مع إشراقة الشروق الشتوي الدافئ، أعلنت نشوة عن طقس مونة الدوار الأصيل: موسم "كبس وتعتيق الجبن القريش المصفي في الزلع الفخارية العتيقة مع الشرش الفلاحي والشطة الحمراء وحبة البركة" لصناعة "المِشّ" البلدي المعتق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش الصوفية، ورُصت عليها زلع فخارية عتيقة ومسامية، وبجانبها أطباق خشبية ضخمة تفيض بقوالب الجبن القريش الجافة والمجففة بالشمس والملح الرشيدي، مع قدور نحاسية تضم الشرش الدافي، العصفور، حبة البركة، وقشور اليوسفي المجففة المعطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أزرق نيلي مطرز بالحرير الأبيض، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ رصّ قوالب الجبن داخل الزلعة الفخارية بدقة، وسكب الشرش المعطر بالشطة وحبة البركة بين الطبقات. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات الملح وقشور اليوسفي، ونظارته الطبية تعكس ضوء الشمس الدافئ، فقالت له بصوت يملأه الدلال الريفي والشقاوة:— "تعال هنا يا بشمهندس التعتيق والسيست
الجزء الثامن والعشرون بعد المائة: موسم جني وتقليم "عروش الرمان البلدي والجميز الفلاحي".. وقنبلة الرمان!مع إشراقة الصباح الشتوي الباكر، أعلنت نشوة عن طقس فلاحي مبهج ينتظره أهل الدوار سنوياً: موسم "جني وتقليم عروش أشجار الرمان البلدي الياقوتي والجميز الشتوي" لتعبئته في أقفاص الخوص وتعتيق الدبس المعسل.فُرشت الساحة بأغطية قماشية واسعة، ورُصت أقفاص الخوص المنسوجة بعناية، وبجانبها خطاطيف التقليم وسلال القش الكبيرة المجهزة لاستقبال حبات الرمان التفاحي الأحمر الشديد الحلاوة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون عنابي زاهٍ مطرز بالخيوط الذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ قطف حبات الرمان بحرص شديد دون خدش القشرة الخارجية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات حفظ الدبس ومقصات الأشجار، ونظارته الطبية تعكس ضوء الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس القطف والسيستم الياقوتي صح! جني الرمان والجميز ده هو أصل (الـ Gentle Harvesting & Fruit Integrity Protection)؛ حبة الرمان لازم تتدمث وتتقطف بدوران خفيف (Pre
الجزء الثالث عشر: ليلة المولد.. وخطة "السيستم الأخير" كانت ساحة مولد الشيخ "أبو العزم" تضج بالحياة؛ أنوار ملونة معلقة بالحبال تتأرجح مع نسمات الليل، رائحة البخور تختلط برائحة غزل البنات والفول السوداني، وصوت "المزمار البلدي" يثقب الآذان بإيقاع حماسي يرفع الأدرينالين في الصدور. في وسط الساحة، تحلق
الجزء الثاني عشر: معسكر التدريب.. و"كابتن" نشوة الصارماستيقظ كريم في الرابعة فجراً على صوت صفارة حادة كادت تقبض روحه. فتح عينيه برعب ليجد نشوة تقف فوق رأسه، ترتدي جلباباً ضيقاً حزمت خصرها فوقه بشال صوف، وتمسك في يدها عصا طويلة من خشب الخيزران، وفي يدها الأخرى "صفارة" حكام كرة القدم.— "اصحى يا بر
الجزء الحادي عشر: لغة النبوت.. وكيمياء الخوفوقف "عواد" أمام كريم ونشوة كأنه سد منيع؛ رجل عريض المنكبين، بشرته لوحتها شمس الحقول حتى صارت بلون النحاس القديم، وعيناه تلمعان بتحدٍ لا يخلو من العدائية. كان يمسك بـ "النبوت" (العصا الغليظة) ويهزها بخفة توحي بأنه مستعد لاستخدامها في أي لحظة.— "إيه يا
الجزء العاشر: سوق الخميس.. وفن "الفصال" الاستراتيجيلم يكن كريم يعلم أن "سوق الخميس" في القرية ليس مجرد مكان لبيع الخضار، بل هو ساحة معركة، "كولوسيوم" ريفي يختبر فيه المرء قدرته على الصمود أمام الصياح، الروائح المتداخلة، ودهابة التجار.استيقظ كريم على طرقات نشوة العنيفة: "اصحى يا كيمو! السوق مش ه







