Masuk
في الليلة التي اقتادت فيها الشرطة ليث من قصره مكبل اليدين، لم يكن أكثر ما أثار غضبه هو السلاح الموجه نحوه، ولا الاتهامات التي هددت إمبراطوريته بالسقوط، بل يد زوجته التي أفلتت من يده حين كان ينتظر منها أن تتمسك به.
قبل ساعات فقط، كانت تلك اليد تطعمه الحلوى بين ضحكاتها، وكان ينظر إليها باعتبارها الشيء الوحيد الذي يستحيل أن يخسره. لكنه لم يكن يعلم أن أخطر أسراره لم تكن مخبأة في خزائنه الحديدية، ولا في الملفات التي عجزت الشرطة عن الوصول إليها، بل كانت تنام إلى جواره، وتحمل اسمه، وتمنحه ابتسامة لم يشك فيها يوما. --- --- في قصره الفخم، حيث امتزج الرخام الأسود بلمسات ذهبية أنيقة، وانعكست أضواء الثريات الكريستالية على الأثاث الفاخر، كان ليث يجلس على أريكة واسعة في غرفة المعيشة، مرتديا قميصا أسود بأكمام مطوية حتى ساعديه. استقر مشروبه في يده، بينما كان التلفاز يعرض المسلسل الذي اعتادت زوجته مشاهدته، ولم يكن اهتمامه منصبا على الشاشة بقدر ما كان منصبا على الباب الذي تنتظره عيناه. كان ليث رجلا لا يجرؤ أحد على اختبار صبره، ولا يتخذ قرارا دون أن يحسب عواقبه. في عالم تجارة الأسلحة والمعدات العسكرية، كانت كلمته كافية لإسكات رجال اعتادوا فرض إرادتهم على الآخرين، وكانت نظراته الباردة وحدها كفيلة بإشعار من أمامه بأنه ارتكب خطأ لا يغتفر. ومع ذلك، امتلكت امرأة واحدة القدرة على انتزاعه من قسوته، حتى بدا أمامها رجلا آخر لا يعرفه سواها.......چاسمن....... لم تمض دقائق حتى ظهرت عند المدخل، تحمل صينية مليئة بالمكسرات والحلويات والمشروبات التي تحبها. وما إن وقعت عيناها عليه حتى ابتسمت، فتبدلت ملامحه الجامدة دون أن يشعر. "أخيرا تذكرت أن لك زوجا ينتظرك منذ نصف ساعة؟" جلست إلى جواره دون اكتراث بعتابه المصطنع، ووضعت الصينية بينهما قبل أن تجيبه بمرح. "نصف ساعة فقط؟ يبدو أنك بدأت تفقد قدرتك على حساب الوقت يا ليث." رفع حاجبه ونظر إليها نظرة متوعدة لم تخفها، ثم قال بجمود متعمد: "أنت تختبرين صبري، صغيرتي." "وأنت تبالغ في كل شيء، حبيبي." التقطت قطعة من الحلوى وقربتها من فمه، ففتح فمه وتناولها منها برحابة صدر، بل مال نحوها حين تأخرت في تقديم القطعة التالية. ولو رآه أحد رجاله في تلك اللحظة، لما صدق أن الرجل نفسه الذي تتوقف الأحاديث عند دخوله إلى أي غرفة، يجلس الآن منتظرا أن تطعمه زوجته، ويتابع حركاتها الصغيرة باهتمام لا يحاول إخفاءه. كانت چاسمن تمنحه من الدلال ما لا يسمح به لأحد، وتستفزه بجرأة لا يجرؤ غيرها على الاقتراب منها. أما هو، فكان يعاملها كأنها ملكة عالمه الخاص، المرأة الوحيدة التي يستطيع أن يضع بين يديها ضعفه دون أن يشعر بالخجل منه. لكن شيئا ما في تصرفاتها لم يرق له. لاحظ أنها تتجنب النظر في عينيه، وكلما التقت نظراتهما أشاحت بوجهها سريعا، متظاهرة بالانشغال بالصينية. لم تكن تلك عادتها؛ فقد اعتادت مواجهته بثقة حتى حين تخطئ، ولم تكن تخشى صمته أو نظرته الحادة. وضع كأسه على الطاولة، ثم التفت إليها بكامل جسده. "چاسمن." "نعم؟" "انظري إلي." رفعت عينيها للحظة، ثم عادت إلى ترتيب الحلويات، فمد يده وأخذ الطبق منها ووضعه جانبا، قبل أن يجذبها إلى أحضانه بحركة خاطفة. استقرت بين ذراعيه، وأحاط خصرها بذراعه، ثم رفع ذقنها بأصابعه ليجبرها على مواجهته. "ماذا يوجد بصغيرتي اليوم؟" حاولت الابتسام، لكن التوتر تسلل إلى صوتها. "لا يوجد شيء، ليث. أشعر بالإرهاق فقط." تأملها قليلا، ثم مرر إبهامه على وجنتها بحنان. "إذن أرمي بكل تعبك على صغيرتي. سأستقبله برحابة صدر." وقبل أن تجيبه، مال نحوها وقبلها. طال الأمر حتى بدأت تضرب صدره بخفة محاولة إبعاده، وحين ابتعد أخيرا، التقطت أنفاسها ونظرت إليه بامتعاض. "أخبرتك ألف مرة أنني لا أستطيع التنفس جيدا عندما تقبلني بهذه الطريقة، لكنك تتجاهلني في كل مرة!" ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثه. "ولماذا لا نجعلها المرة الألف وواحدة؟" ضربته على صدره ونهضت، ثم أخرجت لسانها له بغيظ. "تبّا لك يا ليث!" ضحك بخفوت، ونهض مادا يده نحوها. "تعالي إلى هنا، أيتها المشاكسة." تراجعت وهي تبتسم بانتصار. "لن أفعل." "چاسمن." "قلت لك لن أفعل!" تقدم نحوها، فاستدارت هاربة حول الأريكة، بينما تابعها بنظرات تجمع بين التهديد المرح والتسلية. كان على وشك الإمساك بها حين دوى صوت عنيف من الطابق السفلي، أعقبه صراخ وخطوات متسارعة. اختفت الابتسامة عن وجهه في لحظة. استقام جسده، وتبدلت ملامحه، وعادت عيناه تحملان تلك البرودة التي يعرفها العالم. لم يكن من الطبيعي أن تحدث فوضى كهذه داخل قصره، ولم يكن رجاله يسمحون لأحد بالوصول إلى هذا الطابق دون إذن. تجمدت چاسمن في مكانها، فالتفت إليها وأمسك بيدها، ثم أخفاها خلف ظهره. "ابقي خلفي، ولا تبتعدي عني." تحرك نحو الباب بخطوات محسوبة، ويده قريبة من سلاحه. لم يكن يخشى ما ينتظره، فقد واجه من قبل رجالا تمنوا موته، لكنه لم يحتمل فكرة أن يصيب زوجته أي أذى. وقبل أن يبلغ الباب، اندفع بعنف واصطدم بالحائط، ليقتحم الغرفة رجال بزي الشرطة، انتشروا بسرعة ورفعوا أسلحتهم نحوه. ارتفعت أصوات الأوامر من حوله، بينما دل الصخب القادم من الخارج على أن رجاله قد فقدوا السيطرة على مدخل القصر. توقف ليث في مكانه، ولم يسحب سلاحه حتى لا يعرض چاسمن للخطر. ضم يدها إلى يده وأخفاها خلفه بالكامل، ثم رفع ذقنه في تحد. "ما الذي تظنون أنكم تفعلونه؟ وكيف تجرأتم على اقتحام قصري بهذه الطريقة؟" تقدم ضابط يحمل وثيقة رسمية، وقال بلهجة حازمة: "السيد ليث، أنت رهن الاعتقال. أنصحك بالتزام الهدوء وعدم القيام بأي حركة قد تزيد وضعك سوءا." ارتسمت على شفتي ليث ابتسامة باردة. "رهن الاعتقال؟ وبأي تهمة؟" أجابه الضابط دون تردد: "الاتجار غير المشروع بالأسلحة والمعدات العسكرية، وإدارة شبكة إجرامية منظمة. أنت متهم بقيادة واحدة من أكبر منظمات المافيا في البلاد." ساد الصمت، لكن عقل ليث كان يعمل بسرعة. كيف تمكنوا من الوصول إليه؟ ومن أين حصلوا على أدلة تكفي لاقتحام قصره؟ لقد أمضى سنوات يبني إمبراطوريته بحذر، ولم يترك خلفه ثغرة يسهل استغلالها. ومع ذلك، ها هم يقفون في قلب منزله، يوجهون أسلحتهم نحوه وكأنهم يملكون بالفعل ما يكفي لإسقاطه. ثم تذكر چاسمن. استدار إليها وأمسك وجهها بين كفيه، متجاهلا العيون التي تراقبه. "صغيرتي، انظري إلي." رفعت وجهها نحوه، وكانت عيناها تلمعان بالدموع، لكن شيئا في نظرتها أثار استغرابه. لم يكن فيها الذعر الذي توقعه، بل حزن غامض بدا وكأنها تعرف أكثر مما ينبغي. ابتسم لها محاولا طمأنتها. "سيكون كل شيء بخير. سأحل هذه المسألة وأعود إليك قريبا. لا تخافي، وأنتبي لنفسك ولجود." كانت وعوده حقائق في معظم الأحيان، لكنه لم يدرك أن هذه المرة قد تكون مختلفة. مسح دمعتها بإبهامه، وألصق جبينه بجبينها للحظة، ثم ابتعد على مضض. تقدم الضابط وأشار إلى أحد رجاله، قبل أن يوجه حديثه إلى چاسمن. "شكرا لتعاونك معنا، آنسة چاسمن." تجمدت يد ليث فوق وجه زوجته. آنسة چاسمن؟ لم يقل زوجة السيد ليث، ولم يعاملها كامرأة وجدت نفسها وسط عملية اعتقال لا تخصها. لقد شكرها، وكأن وجودها هنا جزء من خطة يعرفها الجميع باستثنائه. تحولت عيناه ببطء من الضابط إلى وجهها، وشعر ببرودة تتسلل إلى صدره. "ماذا قلت؟" لم يلتفت الضابط إلى نبرته، بينما بقي ليث يحدق في چاسمن، منتظرا منها أن تنكر، أو تضحك، أو تخبره بأنهم أخطؤوا في حقها. أي شيء يعيد إليه يقينه بأن المرأة التي أحبها لم تكن يوما جزءا من مؤامرة تستهدفه. لكنه لم يجد سوى الصمت. "چاسمن؟" خرج اسمها من فمه هذه المرة محملا بشيء لم يسمح لأحد برؤيته من قبل؛ الرجاء. "أخبريهم أنهم أخطؤوا. قولي لهم إنك لا تعرفين شيئا عن هذا الأمر." تحركت شفتاها، لكنها لم تنطق. ظل ممسكا بيدها، رافضا أن يصدق أن المرأة التي منحها مفاتيح قصره، وشاركها أسراره، وجعلها ملكة قلبه، قد تكون هي من قادت الشرطة إليه. لقد وثق بها إلى الحد الذي جعله ينسى أن الرجل الذي يبني حياته على الحذر لا يستطيع أن يمنح ثقته كاملة دون أن يخاطر بخسارة كل شيء. "انظري إلي يا چاسمن." رفعت عينيها نحوه أخيرا. رأى الدموع تتجمع فيهما، ورأى خلفها حزنا غامضا لم يستطع تفسيره، كأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي، مهما حاولت تأجيلها. تقدم الضابط بينهما قائلا: "علينا التحرك الآن." مد أحد أفراد الشرطة يده نحو ليث، لكنه لم يتحرك. لم يعد يهتم بالأسلحة ولا بالاتهامات، بل أراد إجابة واحدة من المرأة التي تقف أمامه. "قولي شيئا، صغيرتي." انهمرت دموعها بصمت، ثم أفلتت يدها من يده ببطء. كانت حركة صغيرة، لكنها حطمت شيئا داخله لم تستطع سنوات العنف أن تمسه. نظر إلى أصابعها وهي تنسحب من بين أصابعه، عاجزا عن استيعاب أن المرأة التي اعتقد أنها ملاذه الوحيد قد تكون اختارت الابتعاد عنه في اللحظة التي احتاج إليها فيها أكثر من أي وقت مضى. لم يقاوم حين قيدت الشرطة يديه، ولم يرفع صوته، بل ظل ينظر إليها كأنه ينتظر أن تتراجع عن قرارها، أن تتمسك به، أن تثبت له أن كل ما يراه ليس سوى كابوس سينتهي بعد لحظات. لكن چاسمن بقيت صامتة. وفي تلك الليلة، لم يكن ليث زعيم المافيا الذي يخشاه الجميع، ولا الرجل الذي يملك النفوذ والمال والسلاح. كان زوجا يقف أمام المرأة التي أحبها، ويسأل نفسه للمرة الأولى إن كان قد عرفها حقا. فهل خسر ليث إمبراطوريته بسبب أعدائه، أم أن الخطر الحقيقي كان يعيش في قصره، وينام إلى جواره، ويحمل اسمه؟مر أسبوعان منذ تلك الليلة. أسبوعان كاملان مرا دون أن يحدث فيهما شيء يستحق أن يتوقف ليث عنده طويلا. لم يسأل عن المرأة التي لعبت في الكازينو تلك الليلة، ولم يحاول معرفة اسمها، ولم يطلب من رجاله البحث عنها، ولم يسمح لذلك الفضول العابر بأن يتحول إلى اهتمام. بالنسبة إليه، كانت مجرد امرأة صادفها في ليلة عابرة، امرأة لفتت انتباهه للحظات بسبب طريقة لعبها، ثم اختفت من المكان وانتهى الأمر، وهكذا كان ينبغي أن يكون، عاد ليث إلى حياته المعتادة وكأن شيئا لم يحدث. اجتماعات طويلة، صفقات ضخمة، رجال ينتظرون قراراته، هواتف لا تتوقف عن الرنين، وأعمال لا تسمح له بأن يمنح عقله مساحة لأشياء لا قيمة لها. ومع مرور الأيام، تراجعت تلك الصورة في ذهنه حتى اختفت تماما، أو هكذا ظن، في نهاية الأسبوع الثاني، عاد إلى الكازينو كعادته، لم يكن هناك سبب خاص لقدومه. كان المكان أحد الأماكن التي اعتاد ارتيادها، وطاولته الخاصة تنتظره في القسم الذي لا يدخله إلا أصحاب الثروات الهائلة والرجال الذين اعتادوا التعامل مع أرقام لا يستطيع معظم الناس حتى تخيلها. دخل بعد منتصف الليل بقليل، كان يرتدي بدلة سوداء داكنة، ومعطفا طويلا
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وكانت صالة الكازينو تضج بأصوات متداخلة لا تهدأ؛ موسيقى هادئة تنساب في الخلفية، وضحكات متقطعة تتعالى من هنا وهناك، وأصوات الأوراق وهي تتنقل بين الأيدي، ورنين كؤوس تتصادم فوق الطاولات الفاخرة، بينما كانت الأضواء الذهبية المنعكسة على الأرضية اللامعة والجدران الرخامية تمنح المكان مظهرا فاخرا يليق بالأموال الطائلة التي تتنقل بين أيدي رواده. في أكثر زوايا الصالة خصوصية، كانت هناك طاولة تحيط بها هالة مختلفة تماما عن بقية المكان. لم يكن أحد يقترب منها كثيرا، ولم يكن أحد يرفع صوته بالقرب منها، رغم أن ستة رجال كانوا يجلسون حولها ويتبادلون اللعب بمبالغ لا يستهان بها، بل إن الأموال المتراكمة فوق الطاولة وحدها كانت تقترب من المليار دولار. لكن المال لم يكن السبب الذي جعل الجميع يحافظون على تلك المسافة......... كان ليث هو السبب. جلس في منتصف الطاولة بهدوء. رجل لا يشعر بأنه مطالب بإثبات أي شيء لأحد، بينما كان رجاله ينتشرون من حوله؛ بعضهم خلفه مباشرة، وبعضهم على مسافات قريبة يراقبون المكان دون أن يلفتوا الأنظار إلى أنفسهم. أما هو، فكان مختلفا عن الجمي
وضع ليث الخنجر فوق الطاولة، ثم رفع يده ليمرر أصابعه بين خصلات شعره الأسود، وأطلق زفرة قصيرة قبل أن يلتفت إلى مساعده. "ماذا لدينا اليوم؟" أجاب سليم دون تردد، مستعيدا جدول أعمال سيده الذي حفظ تفاصيله كما يحفظ المرء ملامح وجهه. "لدينا توقيع عقد استيراد قطع غيار السيارات في العاشرة صباحا، ثم اجتماع مع ممثلي الشركة الأجنبية لمراجعة بنود الاتفاق والتأكد من وصول الشحنة الأولى في الموعد المحدد. بعد ذلك، هناك زيارة إلى الميناء لمعاينة إحدى الشحنات التي وصلت خلال الليل، ثم اجتماع خاص مع مجموعة من الشركاء في الرابعة عصرا." رفع ليث حاجبه قليلا. "وماذا عن بقية اليوم؟" "هناك اتصال من السيد مراد، وقد طلب مقابلتك في أقرب وقت ممكن. لم يوضح سبب طلبه، لكنه أصر على أن الأمر لا يحتمل التأجيل." تأمل ليث وجه سليم للحظات، ثم أدار نظره نحو النافذة العالية التي حجبت خلف زجاجها المعتم تفاصيل العالم الخارجي. "اتركه ينتظر حتى أنتهي من أعمالي. إذا كان الأمر مهما حقا، فسيتحدث عندما يحين دوره." "كما تأمر، سيدي." تحرك ليث نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه، ثم أضاف بنبرة جافة: "أريد تنظيف الغرفة
كان الرجل ملقى على أرض الغرفة الباردة، يتلوى من شدة الألم، بينما امتزجت شهقاته المتقطعة بصوت أنفاسه المضطربة، وراحت قطرات العرق تتجمع على جبينه الشاحب، تتساقط واحدة تلو الأخرى فوق وجهه الذي فقد لونه منذ لحظات. إلى جواره، كانت يده المقطوعة ملقاة على الأرض، شاهدة على العقاب الذي ناله قبل أن تتاح له فرصة أخيرة لطلب الرحمة، فيما امتدت بقعة من الدماء تحت جسده، واتسعت ببطء فوق الرخام الأسود اللامع. لم يكن في الغرفة صوت آخر سوى أنينه المكتوم ووقع أنفاس الرجال الواقفين حوله، أولئك الذين اعتادوا تنفيذ الأوامر دون سؤال، لكنهم في هذه اللحظة تحديدًا لم يجرؤوا على رفع أعينهم طويلًا نحو الرجل الواقف أمام ضحيتهم، وكأن مجرد التقاء نظراتهم بنظراته قد يجعلهم شركاء في خطأ لم يرتكبوه. كان ليث يقف بثبات وسط الغرفة، طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح حادة جذابة تمنحه هيبة يصعب تجاهلها، وفك مشدود يوحي بأن صبره قد نفد منذ وقت طويل. انسدلت بعض خصلات شعره الأسود الكثيف فوق جبهته، متمردة على ترتيبها، بينما تناثرت قطرات قليلة من العرق على وجهه، لتضفي على ملامحه القاسية شيئا من الفوضى التي لم تنتقص من وسامته،
في الليلة التي اقتادت فيها الشرطة ليث من قصره مكبل اليدين، لم يكن أكثر ما أثار غضبه هو السلاح الموجه نحوه، ولا الاتهامات التي هددت إمبراطوريته بالسقوط، بل يد زوجته التي أفلتت من يده حين كان ينتظر منها أن تتمسك به. قبل ساعات فقط، كانت تلك اليد تطعمه الحلوى بين ضحكاتها، وكان ينظر إليها باعتبارها الشيء الوحيد الذي يستحيل أن يخسره. لكنه لم يكن يعلم أن أخطر أسراره لم تكن مخبأة في خزائنه الحديدية، ولا في الملفات التي عجزت الشرطة عن الوصول إليها، بل كانت تنام إلى جواره، وتحمل اسمه، وتمنحه ابتسامة لم يشك فيها يوما. --- --- في قصره الفخم، حيث امتزج الرخام الأسود بلمسات ذهبية أنيقة، وانعكست أضواء الثريات الكريستالية على الأثاث الفاخر، كان ليث يجلس على أريكة واسعة في غرفة المعيشة، مرتديا قميصا أسود بأكمام مطوية حتى ساعديه. استقر مشروبه في يده، بينما كان التلفاز يعرض المسلسل الذي اعتادت زوجته مشاهدته، ولم يكن اهتمامه منصبا على الشاشة بقدر ما كان منصبا على الباب الذي تنتظره عيناه. كان ليث رجلا لا يجرؤ أحد على اختبار صبره، ولا يتخذ قرارا دون أن يحسب عواقبه. في عالم تجارة الأسلحة والمعدات ال







