Share

2

last update Tanggal publikasi: 2026-10-11 01:35:21

كان الرجل ملقى على أرض الغرفة الباردة، يتلوى من شدة الألم، بينما امتزجت شهقاته المتقطعة بصوت أنفاسه المضطربة، وراحت قطرات العرق تتجمع على جبينه الشاحب، تتساقط واحدة تلو الأخرى فوق وجهه الذي فقد لونه منذ لحظات. إلى جواره، كانت يده المقطوعة ملقاة على الأرض، شاهدة على العقاب الذي ناله قبل أن تتاح له فرصة أخيرة لطلب الرحمة، فيما امتدت بقعة من الدماء تحت جسده، واتسعت ببطء فوق الرخام الأسود اللامع.

لم يكن في الغرفة صوت آخر سوى أنينه المكتوم ووقع أنفاس الرجال الواقفين حوله، أولئك الذين اعتادوا تنفيذ الأوامر دون سؤال، لكنهم في هذه اللحظة تحديدًا لم يجرؤوا على رفع أعينهم طويلًا نحو الرجل الواقف أمام ضحيتهم، وكأن مجرد التقاء نظراتهم بنظراته قد يجعلهم شركاء في خطأ لم يرتكبوه.

كان ليث يقف بثبات وسط الغرفة، طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح حادة جذابة تمنحه هيبة يصعب تجاهلها، وفك مشدود يوحي بأن صبره قد نفد منذ وقت طويل. انسدلت بعض خصلات شعره الأسود الكثيف فوق جبهته، متمردة على ترتيبها، بينما تناثرت قطرات قليلة من العرق على وجهه، لتضفي على ملامحه القاسية شيئا من الفوضى التي لم تنتقص من وسامته، بل جعلته يبدو كقطعة فنية صيغت بعناية مفرطة، ثم تركت في مواجهة عالم لا يعرف الرحمة.

كان يرتدي قميصا أسود بأكمام مطوية حتى منتصف ساعديه، كاشفة عن عروق بارزة تحت جلده، فيما استقرت يده حول مقبض خنجر لطخته الدماء. لم تكن ملامحه توحي بأنه خرج لتوه من مشهد كهذا، ولم يظهر عليه ذلك الاضطراب الذي يصيب الإنسان حين يتجاوز حدود ما اعتاده، بل كان ينظر إلى الرجل الملقى أمامه ببرود مخيف، كأن ما حدث لا يتعدى كونه إجراء ضروريا لتصحيح خلل في عمله.

رفع الرجل رأسه بصعوبة، وحاول أن يستند إلى مرفقه السليم، لكن جسده خانه، فعاد يسقط على الأرض مطلقا أنينا مكتوما. أخذ يحدق في ليث بعينين غارقتين في الرعب، ثم مد يده السليمة نحوه، متوسلا إليه أن يمنحه فرصة أخرى.

"سامحني، أرجوك، سامحني يا سيدي... لم أقصد فعلها، أقسم لك أنني لم أتعمد خيانتك، لقد كان الأمر خارجا عن إرادتي..."

لم يتغير شيء في وجه ليث. لم يرف له جفن، ولم يتحرك حاجباه، بل ظل يراقبه بصمت حتى بدأ الرجل يشعر بأن توسلاته لا تصل إلى أذني بشر، وإنما تسقط في هوة عميقة لا قرار لها.

ثم مال ليث برأسه قليلا، ونظر إليه نظرة باردة جعلت الرجل يتوقف عن الكلام للحظة، قبل أن يسمع صوته المنخفض، الذي لم يحتج إلى ارتفاع كي يفرض سلطته على الغرفة بأكملها.

"أكره الأشخاص الذين يرتكبون الأخطاء، ثم يظنون أن كلمة سامحني قادرة على محوها."

تحركت عيناه ببطء فوق جسد الرجل، ثم عادتا إلى وجهه.

"هل تعرف ما مشكلتك؟ أنك ظننت أن اعتذارك سيجعلني أنسى أنك خالفت أمرا واضحا. لقد منحتك مسؤولية، ومنحتك ثقتي بالقدر الذي يسمح لك بأداء عملك، وكان المطلوب منك شيئا واحدا فقط، ألا تخطئ."

اقترب منه خطوة، فحاول الرجل التراجع، لكن ظهره اصطدم بقاعدة أحد الأعمدة الرخامية، ولم يجد مكانا يهرب إليه.

"أنا لا أطلب من رجالي أن يكونوا مثاليين، ولا أنتظر منهم أن يعرفوا ما لا يعرفه غيرهم. لكنني أطلب منهم أن يفكروا قبل أن يتصرفوا، وأن يفهموا عواقب قراراتهم قبل أن يتخذوها. الخطأ الذي ترتكبه لأنك لم تفكر ليس عذرا، والخطأ الذي ترتكبه لأنك استهنت بأوامري ليس مجرد خطأ، بل إهانة لي."

توقف ليث للحظة، ثم أمال رأسه قليلا، كأنه يمنح الرجل فرصة أخيرة لاستيعاب كلماته.

"أما الاعتذار، فهو شيء تقدمه لمن يمكنه أن يسامحك. وأنا لست ذلك الرجل."

لم ينتظر ردا، ولم يمنح الرجل فرصة أخرى للتوسل. تحركت يده بسرعة خاطفة، واندفع الخنجر نحو عنق الرجل، فأصاب موضعا قاتلا وقطع أحد الشرايين الرئيسية. انطلقت شهقة مختنقة من فم الضحية، واتسعت عيناه في صدمة لم تستمر سوى لحظات، قبل أن يندفع الدم من جرحه، ملطخا مقدمة ثيابه وذقنه، ومتساقطا فوق الرخام في خيوط حمراء متتابعة.

تشنج جسده بعنف، وراحت أصابعه تنقبض وتنفرج فوق الأرض، بينما حاولت شفتاه التحرك لإخراج كلمة أخيرة، لكن الهواء لم يسعفه. أخذت أنفاسه تتقطع، وتحولت شهقاته إلى أصوات ضعيفة متباعدة، إلى أن خمدت حركته تدريجيا، واستقر جسده بلا حراك، فيما ظلت عيناه مفتوحتين تحدقان في الفراغ.

سحب ليث خنجره، ثم وقف ينظر إلى الجثة لثوان قليلة، قبل أن يمسح النصل بحركة مقتضبة.

لم يبد عليه أي شعور بالندم.

على الجانب الآخر من الغرفة، ارتجفت أصابع أحد الرجال رغم محاولته إخفاء ذلك، بينما ابتلع آخر ريقه بصعوبة، وشعر ثالث بأن الهواء أصبح أثقل مما يستطيع احتماله. كانوا يعرفون ليث جيدا، ويعرفون أنه لا يطلق تهديدا لا ينوي تنفيذه، لكن رؤية العقاب أمام أعينهم جعلت الحقيقة أكثر قسوة من أي حكاية سمعوها عنه.

رفع أحدهم رأسه أخيرا، وقال بصوت حاول أن يجعله ثابتا، إلا أن الارتباك تسلل إلى نبرته رغما عنه.

"أقسم لك يا سيدي أن هذا لن يحدث مرة أخرى. لن نكرر خطأه أبدا."

التفت ليث إليه ببطء، فابتلع الرجل بقية كلماته، وشعر بأن نظرة واحدة من عينيه الداكنتين كانت كافية لتذكيره بأنه يقف أمام رجل لا يحتاج إلى تكرار تهديده كي يؤخذ على محمل الجد.

مد ليث يده إلى الخلف دون أن ينظر، فتقدم سليم، مساعده الشخصي، وقدم إليه قطعة قماش سوداء كان قد أعدها مسبقا. أخذها ليث، وراح يمسح الدماء العالقة بأصابعه وراحتيه بعناية هادئة، كما لو كان ينظف يديه بعد عمل اعتيادي، لا بعد إنهاء حياة رجل قبل لحظات.

"أعلم، أعلم أنكم لن تكرروه."

ألقى قطعة القماش فوق صينية معدنية قريبة، ثم رفع عينيه إليهم، وارتسمت على فمه حركة باهتة لم تكن ابتسامة بقدر ما كانت انعكاسا ساخرا لشيء لا يعرفه سواه.

"لكن إذا فعلتم، فسأكون سعيدا بمنحكم المصير نفسه. وربما أجد في ذلك فرصة لأوضح لكم أنني لا أحب تكرار أخطائي أنا أيضا."

ساد الصمت.

لم يجرؤ أحد على الرد، ولم يحتج ليث إلى سماع أي وعد آخر. اكتفى بأن أشار بيده نحو الباب، فاندفع الرجال إلى الخارج، بعضهم يحاول المحافظة على مظهره المتماسك، وبعضهم الآخر لم يستطع إخفاء الارتباك الذي أصاب ملامحه. أغلق آخرهم الباب خلفه، لتعود الغرفة إلى هدوئها الثقيل، ولم يبق فيها سوى ليث وسليم، والجثة التي ما زالت دماؤها تتجمع فوق الأرض.

وقف سليم إلى جوار سيده، محافظا على تعبيره المهني المعتاد، وإن كانت عيناه قد مرتا للحظة على الجثة قبل أن تعودا إلى ليث. لقد أمضى ثلاثة عشر عاما يعمل إلى جانبه، ورأى خلال تلك السنوات ما يكفي ليعرف أن الرجل الذي يقف أمامه لا يحتاج إلى الغضب كي يصبح خطيرا؛ ففي أغلب الأحيان، كان أكثر ما يخيف فيه هو ذلك الهدوء الذي يسبق قراراته، وكأنه يمنح العالم فرصة أخيرة ليثبت أنه يستحق البقاء.

.................

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • الوجه الآخر لزوجة زعيم المفيا    5

    مر أسبوعان منذ تلك الليلة. أسبوعان كاملان مرا دون أن يحدث فيهما شيء يستحق أن يتوقف ليث عنده طويلا. لم يسأل عن المرأة التي لعبت في الكازينو تلك الليلة، ولم يحاول معرفة اسمها، ولم يطلب من رجاله البحث عنها، ولم يسمح لذلك الفضول العابر بأن يتحول إلى اهتمام. بالنسبة إليه، كانت مجرد امرأة صادفها في ليلة عابرة، امرأة لفتت انتباهه للحظات بسبب طريقة لعبها، ثم اختفت من المكان وانتهى الأمر، وهكذا كان ينبغي أن يكون، عاد ليث إلى حياته المعتادة وكأن شيئا لم يحدث. اجتماعات طويلة، صفقات ضخمة، رجال ينتظرون قراراته، هواتف لا تتوقف عن الرنين، وأعمال لا تسمح له بأن يمنح عقله مساحة لأشياء لا قيمة لها. ومع مرور الأيام، تراجعت تلك الصورة في ذهنه حتى اختفت تماما، أو هكذا ظن، في نهاية الأسبوع الثاني، عاد إلى الكازينو كعادته، لم يكن هناك سبب خاص لقدومه. كان المكان أحد الأماكن التي اعتاد ارتيادها، وطاولته الخاصة تنتظره في القسم الذي لا يدخله إلا أصحاب الثروات الهائلة والرجال الذين اعتادوا التعامل مع أرقام لا يستطيع معظم الناس حتى تخيلها. دخل بعد منتصف الليل بقليل، كان يرتدي بدلة سوداء داكنة، ومعطفا طويلا

  • الوجه الآخر لزوجة زعيم المفيا    4

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وكانت صالة الكازينو تضج بأصوات متداخلة لا تهدأ؛ موسيقى هادئة تنساب في الخلفية، وضحكات متقطعة تتعالى من هنا وهناك، وأصوات الأوراق وهي تتنقل بين الأيدي، ورنين كؤوس تتصادم فوق الطاولات الفاخرة، بينما كانت الأضواء الذهبية المنعكسة على الأرضية اللامعة والجدران الرخامية تمنح المكان مظهرا فاخرا يليق بالأموال الطائلة التي تتنقل بين أيدي رواده. في أكثر زوايا الصالة خصوصية، كانت هناك طاولة تحيط بها هالة مختلفة تماما عن بقية المكان. لم يكن أحد يقترب منها كثيرا، ولم يكن أحد يرفع صوته بالقرب منها، رغم أن ستة رجال كانوا يجلسون حولها ويتبادلون اللعب بمبالغ لا يستهان بها، بل إن الأموال المتراكمة فوق الطاولة وحدها كانت تقترب من المليار دولار. لكن المال لم يكن السبب الذي جعل الجميع يحافظون على تلك المسافة......... كان ليث هو السبب. جلس في منتصف الطاولة بهدوء. رجل لا يشعر بأنه مطالب بإثبات أي شيء لأحد، بينما كان رجاله ينتشرون من حوله؛ بعضهم خلفه مباشرة، وبعضهم على مسافات قريبة يراقبون المكان دون أن يلفتوا الأنظار إلى أنفسهم. أما هو، فكان مختلفا عن الجمي

  • الوجه الآخر لزوجة زعيم المفيا    3

    وضع ليث الخنجر فوق الطاولة، ثم رفع يده ليمرر أصابعه بين خصلات شعره الأسود، وأطلق زفرة قصيرة قبل أن يلتفت إلى مساعده. "ماذا لدينا اليوم؟" أجاب سليم دون تردد، مستعيدا جدول أعمال سيده الذي حفظ تفاصيله كما يحفظ المرء ملامح وجهه. "لدينا توقيع عقد استيراد قطع غيار السيارات في العاشرة صباحا، ثم اجتماع مع ممثلي الشركة الأجنبية لمراجعة بنود الاتفاق والتأكد من وصول الشحنة الأولى في الموعد المحدد. بعد ذلك، هناك زيارة إلى الميناء لمعاينة إحدى الشحنات التي وصلت خلال الليل، ثم اجتماع خاص مع مجموعة من الشركاء في الرابعة عصرا." رفع ليث حاجبه قليلا. "وماذا عن بقية اليوم؟" "هناك اتصال من السيد مراد، وقد طلب مقابلتك في أقرب وقت ممكن. لم يوضح سبب طلبه، لكنه أصر على أن الأمر لا يحتمل التأجيل." تأمل ليث وجه سليم للحظات، ثم أدار نظره نحو النافذة العالية التي حجبت خلف زجاجها المعتم تفاصيل العالم الخارجي. "اتركه ينتظر حتى أنتهي من أعمالي. إذا كان الأمر مهما حقا، فسيتحدث عندما يحين دوره." "كما تأمر، سيدي." تحرك ليث نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه، ثم أضاف بنبرة جافة: "أريد تنظيف الغرفة

  • الوجه الآخر لزوجة زعيم المفيا    2

    كان الرجل ملقى على أرض الغرفة الباردة، يتلوى من شدة الألم، بينما امتزجت شهقاته المتقطعة بصوت أنفاسه المضطربة، وراحت قطرات العرق تتجمع على جبينه الشاحب، تتساقط واحدة تلو الأخرى فوق وجهه الذي فقد لونه منذ لحظات. إلى جواره، كانت يده المقطوعة ملقاة على الأرض، شاهدة على العقاب الذي ناله قبل أن تتاح له فرصة أخيرة لطلب الرحمة، فيما امتدت بقعة من الدماء تحت جسده، واتسعت ببطء فوق الرخام الأسود اللامع. لم يكن في الغرفة صوت آخر سوى أنينه المكتوم ووقع أنفاس الرجال الواقفين حوله، أولئك الذين اعتادوا تنفيذ الأوامر دون سؤال، لكنهم في هذه اللحظة تحديدًا لم يجرؤوا على رفع أعينهم طويلًا نحو الرجل الواقف أمام ضحيتهم، وكأن مجرد التقاء نظراتهم بنظراته قد يجعلهم شركاء في خطأ لم يرتكبوه. كان ليث يقف بثبات وسط الغرفة، طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح حادة جذابة تمنحه هيبة يصعب تجاهلها، وفك مشدود يوحي بأن صبره قد نفد منذ وقت طويل. انسدلت بعض خصلات شعره الأسود الكثيف فوق جبهته، متمردة على ترتيبها، بينما تناثرت قطرات قليلة من العرق على وجهه، لتضفي على ملامحه القاسية شيئا من الفوضى التي لم تنتقص من وسامته،

  • الوجه الآخر لزوجة زعيم المفيا    1

    في الليلة التي اقتادت فيها الشرطة ليث من قصره مكبل اليدين، لم يكن أكثر ما أثار غضبه هو السلاح الموجه نحوه، ولا الاتهامات التي هددت إمبراطوريته بالسقوط، بل يد زوجته التي أفلتت من يده حين كان ينتظر منها أن تتمسك به. قبل ساعات فقط، كانت تلك اليد تطعمه الحلوى بين ضحكاتها، وكان ينظر إليها باعتبارها الشيء الوحيد الذي يستحيل أن يخسره. لكنه لم يكن يعلم أن أخطر أسراره لم تكن مخبأة في خزائنه الحديدية، ولا في الملفات التي عجزت الشرطة عن الوصول إليها، بل كانت تنام إلى جواره، وتحمل اسمه، وتمنحه ابتسامة لم يشك فيها يوما. --- --- في قصره الفخم، حيث امتزج الرخام الأسود بلمسات ذهبية أنيقة، وانعكست أضواء الثريات الكريستالية على الأثاث الفاخر، كان ليث يجلس على أريكة واسعة في غرفة المعيشة، مرتديا قميصا أسود بأكمام مطوية حتى ساعديه. استقر مشروبه في يده، بينما كان التلفاز يعرض المسلسل الذي اعتادت زوجته مشاهدته، ولم يكن اهتمامه منصبا على الشاشة بقدر ما كان منصبا على الباب الذي تنتظره عيناه. كان ليث رجلا لا يجرؤ أحد على اختبار صبره، ولا يتخذ قرارا دون أن يحسب عواقبه. في عالم تجارة الأسلحة والمعدات ال

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status