登入مشيتُ مبتعدة عنها نحو الممر الداخلي المؤدي للمخزن. دخلت الغرفة الخلفية المظلمة حيث كنا نكدس صناديق الأقمشة وبقايا الأكسسورات، الأثواب ذات العيوب. لمستُ الطاولة الخشبية الخشنة بأصابعي، وتأملتُ الزاوية التي كنا أجلس فيها أنا وكاثرين مع آريل نرتدي الأثواب ونتخيل أننا فتيات أخريات في أماكن أخرى. شعرتُ بكتمة في صدري؛ كنتُ أودع هذا المكان، أودع لورين القديمة، الفتاة الفقيرة البائسة التي كانت تبيغ الثياب الأثرياء لتكسب دولارات معدودة. الآن سأرتدي أفخر الثياب، لكنني سأدفع روحي ثمنًا لها. استغرقتُ دقائق طويلة في تأمل كل ركن، كأنني أحفر تفاصيل ماضيَّ في ذاكرتي قبل أن يمحوه القادم. عندما خرجتُ مجددًا إلى صالة المتجر الرئيسية، تجمدت الدماء في عروقي. كان هناك شخص آخر يقف بجوار آريل عند واجهة المحل الزجاجية. كان مارت! الصبي الرياضي الوسيم، ألطف صبي في المدرسة، الشاب الذي خضتُ معه تلك القبلات الحارة والمندفعة في سيارته الموستانج كوسيلة لتخدير عقلي من الخوف في الليلتين الأوليين لاختفاء كاثرين. كان مارت يقف هناك، يرتدي سترته الرياضية الزرقاء والبيضاء، ويمسك بيد آريل بنعومة، وأصابعهما متش
ساد صمت مرعب في الباحة الخلفية، سقطت الحقيبة المدرسية من يد ديفيد على الأرض الترابية، وتراجعت خطوته خطوتين إلى الوراء كأنني مسختُ أمامه إلى وحش مشوه. تملكه الذهول التام، وعيناه تعكسان صدمة عاطفية ونفسية لم يستطع استيعابها. "لا تفعليها يا لورين.. أرجوكِ لا تفعلي ذلك." همس بصوت مكسور وممتلئ بالإدراك والألم، وتقدم نحوي مجددًا يمسك بذراعي بقوة يحاول زلزلتي للعدول على ما أنتويته. "هذا انتحار! سوف تتزوجين الشخص الذي دمر توأمكِ؟ كيف سوف تنظرين إلى وجهه كل صباح؟ كيف ستنامين في سرير واحد مع شيطان نهش أختكِ؟ هذا ليس إنقاذًا، هذا بيع لروحكِ! ارفضي هذا الاتفاق اللعين، يمكنكِ اكتشاف طريقة لمساعدة كاثرين، هناك مصحات خيرية ومتواضعة السعر، لكن لا تفعلي هذا بنفسكِ!" نظرتُ إلى يده الممسكة بذراعي ببرود، ثم رفعتُ عينيَّ لتلتقي بعينيه الممتلئتين بالدموع. شعرتُ بتأنيب الضمير يمزق أحشائي، وبأن الصراع الداخلي ينهش ما تبقى من عقلي، لكنني كنتُ أعلم يقينًا أن قرار النفعية قد اتُّخذ، وأنه لا مجال للتراجع. سحبتُ ذراعي من بين يديه ببطء وقسوة، وقلت له ببرود تام: "لقد وافقتُ يا ديفيد، والقرار أُخذ تمامًا
والآن مرت أربعة أشهر كاملة منذ أن وطئت قدمي أرض مزرعة آل تراميل الشاسعة في ضواحي هيوستن، تبدلت الفصول، الأيام والأسابيع والشهور؛ أربعة أشهر تحولتُ فيها من فتاة منبوذة في قاع "أوريلو" إلى أسيرة داخل قفص ذهبي غريب. طوال تلك الفترة، لم أكن أخرج من الجناح المخصص لي في المزرعة؛ كان جاكسون يحضر لي كل شيء إلى هناك عبر خدمه؛ الكتب، الملابس الفاخرة، الطعام الذي لم أكن أحلم برؤيته، وحتى المعلمين الخصوصيين الذين تولوا شرح ما فاتني من المنهج الدراسي لشهور الدراسة الأخيرة. لم يكن لي غطائي الاجتماعي، لم يحاول أحد حقًا البحث عني أو السؤال عني، الافتراض الدائم أنني مثل أمي هربت، ولكن تلك الشهور فرضت علينا العزلة التامة حتى تكتمل شروط اتفاقنا الصادم بالزواج الرسمي فور تخرجي لضمان نفقات علاج كاثرين مدى الحياة. جلكن اليوم، كان عليَّ الخروج ومواجهة العالم الحقيقي؛ اليوم بدأت امتحانات التخرج النهائية في مدرسة "أوستن العليا"، المكان الذي شهد بداية كل هذا الكابوس.وصلتني السيارة الفارهة التي أرسلها هريسون تراميل معي، لكنني رفضت أن تظهر أمام أى شخص، لا أحب إثارة شيء هنا عني. كانت المدرسة تبدو حية أكثر في
كنتُ في تلك اللحظة طماعة للغاية؛ طماعة في المال، الشهرة، واللجوء إلى القوة للخروج من مستنقع حياتي القديمة. كان هذا المشهد بالنسبة لي أشبه بفيلم كرتوني قديم سوف ينتهي بالنهاية السعيدة التقليدية لِلفتاة الفقيرة، عدا أن هذا الفيلم بالذات كان ملوثًا، قذرًا، ولا يصلح للأطفال أبدًا.كنتُ في تلك اللحظات العصيبة أفكر في نفسي ومستقبلي أكثر من أي شيء آخر في الكون؛ وأخرجني من تفكيري وعودي المتلاحقة كلمات والده الغاضبة وصمت والدته المطبق. كم هي السيدة ليا بحاجة ماسة لبقاء علاقتها سرًا؛ لأن معرفة زوجها بالأمر ستجعلها عرضة للابتزاز والطرد والحرمان من الثروة بشكل كبير جدًا، وهي تعرف أنني لن أتردد في التحدث. هززتُ رأسي بهدوء وثقة، فجعلتُ الأب يتوقف فورًا عند قوله لحلوله السخيفة والبديلة لضمان مالي، وهتفتُ بجملة هادئة، قصيرة ومسيطرِة تنهي الجدال:"وفر عليك العناء يا سيد تراميل؛ هذه هي الطريقة الوحيدة والشرعية للمرور من هذا الأمر بسلام، وإلا فميعادنا في مجلات المجتمع غدًا، ومن يعلم من سوف يتحدث بعدي عن أحداث مشابهة."الصمت الثقيل الذي حلَّ فجأة على أرجاء المكان جعلني واثقة تمامًا في موافقتهم وإذعانه
لكنني علمتُ أيضًا أن هناك بقية وشروطًا متوقعة بالطبع من جانب الأب؛ ولم يخب السيد تراميل ظني أبدًا، فقد التقط طرف الحديث من زوجته فورًا، مؤمنًا على جملتها الأخيرة بنبرة باردة كالثلج:"نعم، يمكننا ترتيب رعاية طبية سرية وفاخرة لشقيقتكِ.. بالطبع، هذا كله بشرط واحد؛ أن توافقي الآن على ألا تخبري أي أحد، كائنًا من كان، عن هذه الاتهامات غير الصحيحة التي من شأنها أن تمس سمعة آل تراميل في تكساس."الصمت! كان هذا هو المطلب الطبيعي والمتوقع مقابل نفقات علاج كاثرين، وبضع باوندات أو دولارات إضافية تدفع لشقيقتها لورين بالطبع لتبتعد. لكن الطلب والمساومة لم يكن من المفترض لها أن تتوقف عند هذا الحد الرخيص؛ فالأمر بدأ عند نزوة جاكسون، والطلب لابد أن ينتهي عنده ووفق شروطه. تقدم جاكسون خطوة أخرى نحو الطاولة، ونظر إليَّ بعينين تلمعان برغبة قديمة لم تمت، وأردف بهدوء ولطف مخيف:"وأن تكوني فتاتي يا لورين.. أنتِ تعرفين كم أحبكِ وأريدكِ، ولا أستطيع ترككِ في هذا الفقر وحدكِ تواجهين مصيركِ البائس. سنكون معًا دائمًا، لنتعامل مع هذا الأمر سويًا كحبيبين."حلَّت لحظة ثقيلة من السكون التام في الردهة، أضاف بعدها جاكسون
شقت سخرية مريرة ملامح وجهي، مشكلة ابتسامة باردة دون رغبة في الابتسام، وأجبته بنبرة تتهكم من ادعائه البائس:"تركتها بمفردها وسط مكان موحش لا تعرف فيه أحدًا ورحلت بدم بارد؟ قصة عظيمة ومؤثرة حقًا يا جاكسون.. أنصحك أن تدخرها لتقولها لرجال الشرطة والقاضي عندما يقفون خلفك!""اخرس جاكسون! لا تنطق بحرف آخر!"نهره والده بعنف لِيصمت تمامًا، والتفت إليَّ بأعصاب تكاد تفلت من زمامها لكنه لا يزال يمسكها بقليل من الحزم المصطنع والهدوء التجاري: "أيتها الفتاة، دعينا من المهاترات؛ كيف لكِ على وجه التحديد أن تثبتِ أمام القانون أن لجاكسون صلة مباشرة بالأمر الوحشي الذي حدث لشقيقتكِ بعد ذلك؟"رفعتُ رأسي بكبرياء، وقلتُ بجفاف صلب:"هذا عمل المحققين والشرطة.. ليس عملي أنا.""سوف تسببين الفضيحة الكبرى لابني وعائلتي دون وجه حق!"قالتها والدته ليا بكلمات متعثرة، متقاطعة كأنها كافحت عجزها ورعبها الداخلي لتقولها لي أمام زوجها. كانت تريد بشتى الطرق أن تبدو داخل الصورة ومهتمة بمصلحة ابنها، لكن ليس على خلاف معي؛ فهي تعرف تمامًا أنني أستطيع بكلمة واحدة أن أهدم المعبد فوق رأسها ورأس حارسها الشخصي. وكما قلتُ لنفسي، أنا
السابع عشر من ديسمبر 1985 أوريلو/ تكساس مكتب الشريف مساء رابع يوم من اختفاء كاثرين انعكست أضواء النيون الزرقاء المتأرجحة لمكتب الشريف "غاري" على زجاج السيارة الشيفورلييه القديمة الخاصة بديفيد. كانت الساعة قد تجاوزت السابعة وخمسة وأربعون دقيقة ليلًا حين صعدنا الدرج الإسمنتي البارد للمبنى ا
السابع عشر من ديسمبر 1985 فجر اليوم الرابع وقت متأخر من ليلة اليوم الثالث جلستُ على طرف سريري في غرفتنا المشتركة، أتحاشى النظر إلى السرير المقابل الفارغ، أحاول التفكير في أى شيء يمكنني فعله، اقترب فجر اليوم الرابع، ولم يظهر شيء لا منها أو عنها، لا أعرف ماذا أفعل، لا أعرف لمَن ألجا، كل شيء ضب
تصلب جسدي عند سماع تلك النبرة، شعرتُ برغبة عارمة في الانهيار وإخبارها بكل شيء؛ عن الحفلة، وعن جاكسون تراميل، وعن حقيقة أنني وديفيد كنا نمشط شوارع الجامعة بيأس بحثاً عن أي أثر لها، ولكنني لا أريد نكون ابنة الهاربة والسكير اللاتي يهربن واحدة تلو الآخرى، كذلك تذكرتُ تحذير ديفيد لي في السيارة. "لا
السادس عشر من ديسمبر 1985 أوريلو/ تكساس مساء اليوم الثالث من اختفاء كاثرين كانت واجهة بوتيك "فيلفت آند ليد" لفساتين السهرة تتلألأ بأضواء النيون الوردية الصاخبة، بينما كان عقلي غارقًا في عتمة كاملة. أقف خلف آلة تسجيل المدفوعات النقدية الثقيلة، وأنا أتظاهر بترتيب فواتير الحرير والشيفون، في ح