로그인انفتح الباب الخشبي العتيق ببطء شديد. وظهر وجه العجوز خلفه. كانت امرأة تجاوزت السبعين من عمرها، حفرت السنوات أخاديدها فوق وجهها النحيل، وغطى الشيب شعرها بالكامل تحت شال صوفي أبيض. رفعت عينيها الضعيفتين نحو الزائرين. في البداية نظرت إلى يوسف. ثم انتقلت نظرتها إلى علياء الواقفة بجانبه. وفجأة... تجمدت. اتسعت عيناها شيئاً فشيئاً. واهتزت شفتاها كأنها تحاول نطق اسم مستحيل. سقطت العصا الخشبية من يدها وارتطمت بالأرض. — مستحيل ... خرجت الكلمات منها كهمس مرتعش. حدقت في وجه علياء طويلاً. حتى بدأت علياء تشعر بعدم الارتياح. ثم رفعت العجوز يدها المرتعشة نحوها. — علياء...؟ ارتجف قلب علياء. لا تعرف لماذا. ولا كيف. لكن سماع اسمها من هذه المرأة الغريبة أشعرها بشيء غير مريح. شيء قديم. وموجع. — نعم... قالتها بحذر. فانهمرت الدموع من عيني العجوز فجأة. — يا إلهي... ثم اقتربت خطوة. — لقد كبرتِ كثيراً. تبادلت علياء و يوسف نظرة سريعة. و رأت في عينيه هدوءاً غريباً. كأنه كان يتوقع كل هذا. تنحنح يوسف بخفة. و انحنى ليلتقط العصا من الأرض. ثم أعادها إلى يد العجوز بلطف. — صباح الخير
انفتح باب الغرفة الخشبية أخيراً بعد أن أدار مالك المفتاح من الخارج.صدر صرير خافت من المفصلات القديمة، وكأنه يعلن انتهاء ليلة لم تكن عادية بالنسبة لأي واحد منهم.رفع مالك بصره نحو علياء و يوسف داخل الغرفة، لكنه لم ينطق بكلمة.لم يكن بحاجة إلى ذلك.فالصمت الذي يملأ المكان كان أثقل من أي حديث.خرج يوسف أولاً.ثم تبعته علياء.بينما تأخر مالك قليلاً قبل أن يغلق الباب خلفهم.كان الممر الخشبي المؤدي إلى غرف النزل هادئاً بشكل غريب.حتى خطواتهم بدت مكتومة.سارت علياء دون أن تنظر إلى يوسف.ودون أن تتحدث.كانت كلمات السابقه ما تزال تتردد داخل رأسها كأصداء بعيدة لا تتوقف.طفولتها.هذه البلدة.الصبي الذي زعم...... يوسف أنه كان يعرفها و هي طفلهالدمية الخشبية.و الفراغ الغريب الذي اكتشفته فجأة داخل ذاكرتها.شعرت وكأن أحدهم فتح شقاً صغيراً في جدار قديم داخل عقلها.شقاً لم يسمح بعد للحقيقة بالظهور...لكنه سمح للشك بالدخول.وذلك كان كافياً ليحرمها الراحة.عندما وصلت إلى باب غرفتها توقفت.أخرجت المفتاح ببطء.ثم التفتت دون إرادة.كان يوسف ما يزال واقفاً في الطرف الآخر من الممر.لم يحاول الاقتراب.ولم ي
هبط الصمت على الغرفة الخشبية الصغيرة بعد العاصفة.لم تعد صرخات علياء ترتطم بالجدران، ولم يعد يوسف يحاول فرض كلماته بالقوة.بقيت واقفة قرب الباب المغلق، ذراعاها متشابكتان أمام صدرها كأنهما آخر حصن يحميها من الانهيار.أما يوسف فتراجع ببطء نحو المقعد الخشبي القريب من النافذة وجلس عليه.لأول مرة منذ دخوله الغرفة بدا متعباً.متعباً حقاً.نظر إليها طويلاً قبل أن يتحدث.— هل انتهيتِ من الغضب؟رفعت رأسها نحوه فوراً.— وهل يبدو عليّ أنني انتهيت؟هز كتفيه بهدوء.— لا.ثم أضاف:— لكنني أظن أنكِ تعبتِ منه.ارتجفت أنفاسها.كرهت أنه أصاب الحقيقة.كانت غاضبة منذ أشهر.غاضبة من سليم.ومن يوسف.ومن نفسها.ومن العالم كله.لكن التعب كان أصدق وصف لما تشعر به الآن.أشاح يوسف ببصره نحو النافذة.كانت الحقول الممتدة خلف البلدة تلمع تحت ضوء القمر.وقال بصوت منخفض:— هل تعرفين ما أول شيء فعلته عندما عدت إلى هذه البلدة قبل أسبوع؟لم تجب.لكنه أكمل.— ذهبت إلى الشجرة الكبيرة قرب النهر.عقدت حاجبيها.— وما شأني أنا بالشجرة؟ابتسم ابتسامة صغيرة.— كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.صمت لحظة.ثم أردف:— لكنها ما زالت هناك.
تراجعت علياء خطوتين إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالباب الخشبي ، و تجمدت أنفاسها في صدرها . و مضات الضوء الخافتة في الغرفة انكسرت على ملامح الشخص الطويل الواقف أمامها، لتنقشع العتمة فجأة و تكشف عن وجه يوسف الكيلاني اتسعت عيناها بصدمة مروعة أطاحت بكل ثباتها، و هتفت بنبرة مرتعشة يملؤها الغيظ: — يوسف؟! ماذا تفعل هنا؟ خرج اسمه من بين شفتيها اقرب الي الاتهام منه الي السؤال ثم اندفعت نحوه خطوه واحده و عيناها تشتعلان غضبا وقالت :- و كيف تجرؤ على حبسي في هذا المكان؟! حافظ يوسف على وقفته الفخمة، و لم تتحرك في وجهه الصارم ذرة واحدة من التردد نظر في عينيها بنظراته الصقرية الحادة التي تشتعل بكثافة حارة، و قال بنبرته المخملية المنخفضة و الهادئة: — أنا لا أحبسكِ يا علياء... أنا فقط ألتزم بالعهود التي قطعتها على نفسي. صاحت علياء :- هل جننت كيف عرفت انني هنا اصلا؟ صمتت للحظه و ادركت فضحكت بسخرية مالك بالطبع كم انا غبيه قال يوسف بهدوء و كانه لم يسمعها : -لقد أخبرتكِ قبل أشهر ، أن بيننا ثلاثين سراً لم يُكشف عنهم بعد... و اليوم، سأخبرك بأهم سر في حياتي جئتُ لأثبت
ترجل مالك و علياء في وسط الساحة العتيقة، ليلتفت مالك نحو علياء ممرراً يده فوق بطنه بحركته الكسولة المعتادة، و قال بنبرة ضاحكة و بسيطة:— علياء... القيادة لمسافات طويلة وسط هذا الهواء الريفي جعلتني جائعاً للغاية. هناك مكان مميز و صغير هنا يملكه أحد السكان المحليين، يقدم طعاماً دافئاً لا يعوض. دعينا نذهب إليه أولاً قبل البدء بمعاينة الأراضي و المساحات.ضحكت علياء و وافقت هازة رأسها بالموافقة :-حسنا لنذهب.. لكن لن نطيل حتي لا يتاثر برنامجنا و موعد عودتنا ارتفعت زوايا فم مالك بريبه: حسنا سارت علياء معه عبر المسارات الضيقة المألوفة لها لكن كلما اقتربا من المكان، بدأت ملامح مالك تتغير بخفة؛ تلاشى تكاسله و سخريته المعتاده و حل مكانه ارتباك مكتوم و توجس غريب كان يخرج هاتفه المحمول من جيب سترته كل نصف دقيقة، يتفحصه و ينقر فوق الشاشة بسرعة جنونية، و عيناه تلتفتان يميناً و يسارا
عتبه الجذور الاولي للذكريات انطلقت السيارة التابعة لمالك عبر الطرقات السريعة في الصباح الباكر، مخترقة جدار الضباب الكثيف الذي يغلف أطراف مدينة ڤالورا كان الهواء بارداً و ناصعاً، و كلما ابتعدت العجلات عن شوارع المدينة الإسمنتية، كانت الأبنية الشاهقة و الزجاجية تتقلص في مرآة الرؤية الخلفية، ليحل محلها الأفق الريفي الممتد و المساحات الخضراء الشاسعة التي بدأت تتنفس تحت أشعة الشمس الذهبية الأولى.كان مالك يمسك بمقود القيادة براحته المعتادة، واضعاً نظارته الشمسية الكسولة، و يرتشف من كوب قهوته الساخن، بينما كان الكلب "رعد" يخرج رأسه من النافذة الخلفية مستمتعاً بتيارات الهواء الصباحية المتدفقة.أما علياء .. فكانت تجلس في المقعد الأمامي بجانبه، مسندة رأسها المتعب إلى زجاج النافذة، غائبة بالكامل عن ثرثرة مالك العفوية و نكاته المستمرة حول قيادته السيئة للسيارة. كانت عيناها معلقتين بالطريق الجانبي الضيق الذي دخلوه للتو، المؤدي مباشرة إلى حدود بلدة "الجنوب القديمةانحرفت السيارة نحو ممر ترابي محاط بأشجار الصفصاف العتيقة، لتهتز حركتها بخفة . و في تلك الثانية بالذات، أحست عليا







