Share

الجسر

last update publish date: 2026-05-12 18:16:16

“…فستضطرين إلى اختيار من يبقى منفصلًا… ومن ينضم إلى الصفر.”

كلماته ضربتني كالسقوط من مكان مرتفع.

تراجعت خطوة فورًا.

“لا.”

قلت دون تفكير.

“لن أفعل.”

لكن البرج كان ينهار حولنا.

والأرض تحت أقدامنا تهتز بعنف متزايد.

وبحر الوعي أسفل المدينة يرتفع أكثر فأكثر.

وجوه.

آلاف الوجوه داخله.

تبكي.

تصرخ.

تطلب شيئًا واحدًا فقط:

ألا تُترك وحدها مرة أخرى.

المرأة أمسكت بذراعي.

“انظري إلي.”

قالت بقوة.

“…لا تسمحي لهم بدفعك لاتخاذ القرار وحدك.”

لكن الجميع كانوا ينظرون إلي بالفعل.

آدم.

سليم.

العابرون.

حتى ليان عبر الشاشة المرتجفة.

كأن كل الطرق تؤدي إليّ مجددًا.

كرهت ذلك.

كرهت الشعور بأن العالم لا يتحرك إلا فوق أكتاف شخص واحد.

إلياس نظر إلى البحر المتصاعد.

“…الصفر لم يعد يبحث عن الإقناع.”

قال بصوت منخفض.

“…لقد بدأ يشعر بالخوف.”

“الخوف من ماذا؟”

صرخت.

التفت إلي.

“…من الانفصال مرة أخرى.”

الصوت الجماعي في الأسفل ارتفع بعنف:

“…لا تعيدونا إلى الظلام.”

“…لا تعيدونا إلى الوحدة.”

“…لا تغلقوا الأبواب.”

شعرت أن رأسي سينفجر.

كل شعور داخل البحر يصل إلي.

الوحدة هناك ليست مجرد حزن.

بل فراغ هائل يبتلع الوعي.

ولهذا يتمسكون بالاتصال بجنون.

ليس لأنهم أشرار.

بل لأنهم مرعوبون.

آدم اقترب مني بسرعة.

“اسمعيني.”

“ليس علينا الاختيار الآن.”

“بل علينا تثبيت الجسر أولًا.”

تنفست بصعوبة.

“وكيف؟”

إلياس رفع يده نحو العلامة البيضاء في ذراعي.

“…الربط الحالي يحدث دون تحكم.”

“الصفر يبتلع الجميع.”

“والنظام القديم يعزل الجميع.”

“…لكن الجسر يحتاج شيئًا ثالثًا.”

“ماذا؟”

سألته.

نظر إلي طويلًا.

“…إذنًا.”

توقفت أنفاسي.

“ماذا؟”

“الوعي لا يُسحب.”

قال.

“…بل يُفتح له الباب إذا أراد.”

المرأة هزت رأسها.

“هذا لن ينجح.”

“بعض الناس خائفون.”

“وبعضهم يائس.”

“وبعضهم لن يفهم أصلًا ما يحدث.”

إلياس أومأ.

“…لهذا يجب أن يشعروا به لا أن يُفرض عليهم.”

البرج اهتز بعنف أكبر.

ثم سقط جزء كامل من السقف.

العابرون في الخارج صرخوا.

بحر الوعي بدأ يفيض داخل المدينة السفلى.

الوجوه تطفو بين الشوارع.

الأصوات تملأ الهواء.

ليان صرخت من الشاشة:

“الانتشار بدأ في الخارج أيضًا!”

ثم ظهرت خلفها صور مباشرة من العالم الخارجي.

أشخاص يقفون في الشوارع بلا حراك.

ينظرون لبعضهم وكأنهم يسمعون شيئًا لا يسمعه غيرهم.

امرأة تبكي بينما تحتضن شخصًا غريبًا لأنها تشعر بذكرياته.

رجل يصرخ لأنه يسمع مئات العقول في وقت واحد.

لكن وسط الفوضى…

كان هناك شيء آخر.

بعض الناس لم ينهاروا.

بل جلسوا بهدوء.

يتحدثون مع بعضهم بصدق غريب.

كأنهم شعروا للمرة الأولى أن أحدًا يفهمهم تمامًا.

شعرت بالخوف.

لأن الصفر ليس كذبًا كاملًا.

وهذا ما يجعله خطيرًا.

إلياس قال بهدوء:

“الاتصال بحد ذاته ليس الشر.”

“بل فقدان القدرة على التوقف.”

نظرت إلى العلامة البيضاء.

الشقوق فيها بدأت تلتئم ببطء.

كأنها تستجيب للفكرة.

ليس جدارًا مطلقًا.

ولا ذوبانًا مطلقًا.

بل بابًا يمكن فتحه وإغلاقه.

ثم—

فهمت.

رفعت رأسي بسرعة.

“الجسر لن يكون شبكة دائمة.”

قلت.

“بل رابطًا مؤقتًا.”

الجميع نظر إلي.

تابعت بسرعة بينما الأفكار تتشكل داخلي:

“يمكن للناس أن يقتربوا من بعضهم…”

“…أن يشعروا…”

“…أن يتشاركوا الذكريات أو الألم إذا اختاروا…”

“…لكنهم يحتفظون بقدرتهم على الانفصال.”

إلياس ابتسم لأول مرة بوضوح.

“…هذا ما حاولت الوصول إليه.”

“ولماذا لم تنجح؟”

سألته.

انطفأ شيء في عينيه.

“…لأنني كنت أخاف من الوحدة أكثر من اللازم.”

الصمت سقط للحظة.

ثم فجأة—

صرخت مريم.

جسدها الأبيض بدأ يتشقق.

الظلال المتصلة بالصفر حولها تتحرك بعنف.

“…إنه يفقد السيطرة!”

صرخت.

بحر الوعي ارتفع أكثر.

ثم بدأت وجوه ضخمة تتشكل داخله.

ليست بشرية بالكامل.

بل كتل من ذكريات مختلطة.

“الربط الكامل!”

صرخ الرجل المسن عبر الشاشة.

“…إنه يقترب!”

المرأة أمسكت سلاحيها ونظرت إلي.

“قولي ما الذي علينا فعله.”

شعرت بالخوف.

لأنني لا أعرف بالكامل.

لكن الوقت انتهى.

رفعت يدي نحو الخيط الأبيض.

العلامة اشتعلت.

ثم بدأت الخيوط الصغيرة تنتشر في الهواء.

ليست كالصفر.

هذه مختلفة.

كل خيط يتحرك بحرية.

يتصل.

ثم ينفصل.

كأنها أنفاس.

إلياس نظر إليها بدهشة حقيقية.

“…لقد فعلتها.”

لكن بحر الوعي صرخ بعنف:

“…لا!”

الوجوه داخله بدأت ترتفع.

غاضبة.

مرعوبة.

“إذا استطعتم الانفصال…”

“…سنصبح وحدنا مجددًا!”

شعرت بالألم داخل تلك الصرخة.

كل ما يريده الصفر…

ألا يُترك.

لكن خوفه من الوحدة يحوله إلى سجن جماعي.

اقتربت من حافة البرج.

ونظرت إلى البحر الهائج.

“اسمعني.”

قلت بصوت مرتفع.

الصوت الجماعي هدأ قليلًا.

“…لن أعيدكم إلى العزل.”

“لكنني لن أسمح لكم بابتلاع الجميع.”

الوجوه ارتجفت.

“…الوحدة مؤلمة.”

“أعرف.”

همست.

“…لكن الاتصال القسري مؤلم أيضًا.”

صمت البحر للحظة.

ثم خرج صوت طفل من داخله:

“…إذا انفصلنا… هل ستنسوننا؟”

شعرت بشيء يتمزق داخلي.

هذه هي العقدة الحقيقية.

الخوف من النسيان.

من أن يختفي وجودك عندما لا تعود متصلًا بالآخرين.

نظرت إلى الخيوط البيضاء الجديدة.

ثم قلت:

“الجسر لن يمحوكم.”

“بل سيمنحكم اختيار الاقتراب دون الذوبان.”

“وإذا أردتم الراحة… يمكنكم الراحة.”

“وإذا أردتم المشاركة… يمكنكم المشاركة.”

“لكن لا أحد يُسحب.”

البرج كله اهتز.

ثم—

الخيوط البيضاء خرجت من يدي إلى البحر.

ولأول مرة—

لم تبتلع الوجوه.

بل لمستها فقط.

كل وجه أضاء للحظة.

ثم انفصل قليلًا عن الآخرين.

أصوات فردية بدأت تظهر داخل الضجيج.

أسماء.

ذكريات مستقلة.

حدود صغيرة.

بحر الوعي ارتجف بعنف.

كأنه يقاوم.

لأن الصفر اعتاد أن يكون شيئًا واحدًا.

أما الآن—

فهو يُجبر على تذكر الأفراد داخله.

مريم سقطت على ركبتيها.

تتنفس بسرعة.

“…إنه مؤلم.”

همست.

إلياس اقترب منها فورًا.

“لأنكم تعودون للشعور بأنفسكم.”

قال.

“وهذا يعني الشعور بالفقد أيضًا.”

نظرت إلى مريم.

كانت تبكي.

لأول مرة.

دموع حقيقية.

“…نسيت…”

همست.

“…كم كان الشعور الفردي ثقيلًا.”

شعرت بالحزن نحوها.

حتى الصفر…

لم يبدأ كوحش.

بل كأشخاص تعبوا من الألم.

لكنهم هربوا منه حتى فقدوا ذواتهم.

فجأة—

الخيط الأبيض فوقنا انقسم إلى عشرات الخيوط الصغيرة.

ثم انطلقت نحو الخارج.

إلى الطبقات العليا.

إلى المدينة.

إلى العالم الخارجي.

ليان ظهرت على الشاشة مجددًا.

وعيناها متسعتان بدهشة.

“ماذا فعلتم؟”

لكن صوتها لم يكن مذعورًا هذه المرة.

بل مصدومًا.

خلفها—

الناس الذين كانوا يصرخون بدأوا يهدؤون.

ليس الجميع.

لكن بعضهم.

امرأة جلست تبكي ثم بدأت أنفاسها تستقر.

رجل كان يسمع ضجيج العقول حوله…

ثم فجأة أصبح قادرًا على خفضه.

طفل قال:

“أستطيع التوقف الآن.”

شعرت بالدموع تحرق عيني.

الجسر يعمل.

ولو جزئيًا.

لكن فجأة—

صرخ آدم.

التفتنا بسرعة.

وعاؤه الرمادي بدأ يتفكك.

الخطوط الضوئية داخله تنقطع.

“آدم!”

ركضت نحوه.

أمسكت به قبل أن يسقط.

ابتسم بخفوت متعب.

“…استهلكت أكثر من اللازم.”

“لا.”

قلت فورًا.

“ابقَ معي.”

لكنني شعرت بشيء مرعب.

الوعاء الذي صنعته له لم يعد مستقرًا.

لأنه لم يُصمم للبقاء طويلًا.

إلياس اقترب بسرعة.

“إذا انهار الآن…”

“…سيعود مباشرة إلى الصفر.”

شعرت بالذعر الحقيقي.

“أصلحه!”

صرخت.

لكن إلياس هز رأسه ببطء.

“…لا أستطيع.”

آدم أمسك يدي.

“…اهدئي.”

“لا تقل ذلك.”

“اسمعيني.”

قال بصعوبة.

ثم نظر إلى الخيوط البيضاء المنتشرة حولنا.

“…الجسر يحتاج من يحمله.”

“سنحمله جميعًا.”

قلت بسرعة.

لكنه ابتسم بحزن.

“…أنتِ ما زلتِ لا تفهمين.”

شعرت بالبرد.

“ماذا؟”

“الصفر لن يتوقف تمامًا.”

قال.

“ولا يجب أن يُمحى.”

نظرت إليه بصدمة.

“بعد كل ما فعله؟”

أغمض عينيه للحظة.

“…لأن الصفر ليس الشر.”

“…بل خوف البشر حين يُترك دون حدود.”

تذكرت كلام إلياس.

الوحدة.

الخوف.

الرغبة في ألا يختفي أحد.

كل شيء بدأ من شيء مفهوم جدًا.

شيء إنساني جدًا.

لكن بلا حدود…

تحول إلى كارثة.

آدم فتح عينيه مجددًا.

“…إذا اختفى الصفر بالكامل…”

“…سنكرر الخطأ يومًا ما.”

“إذن ماذا نفعل؟”

سألته.

ابتسم بخفوت.

“…نتركه يتعلم الحدود.”

الوعاء الرمادي حوله تشقق أكثر.

شعرت بأنفاسي تنهار.

“لا…”

لكنه شد على يدي.

“…أنتِ لستِ الحاملة الأخيرة.”

توقفت أنفاسي.

“ماذا؟”

نظر إلى الخيوط البيضاء الممتدة في كل مكان.

ثم قال:

“…الآن أصبح هناك كثيرون يحملونها.”

فهمت أخيرًا.

الجسر لم يعد يعتمد علي وحدي.

كل من اختار المشاركة دون الذوبان…

أصبح جزءًا من التوازن.

لهذا كانت العلامة البيضاء تلتئم.

لأن الحمل توزع.

دموعي سقطت دون أن أشعر.

“إذن ابقَ.”

همست.

لكنه ابتسم بتعب.

“…أريد الراحة قليلًا.”

شعرت بالرعب.

“لا…”

لكن فجأة—

بحر الوعي تحتنا هدأ.

الوجوه داخله بدأت تنفصل ببطء.

ليس اختفاءً.

بل هدوءًا.

الصفر نفسه بدأ يتغير.

ليس كتلة واحدة.

بل أصوات كثيرة.

أفراد.

ذكريات مستقلة.

ومريم رفعت رأسها ببطء.

وعيناها عادتا طبيعيتين جزئيًا.

“…أستطيع سماع نفسي.”

همست بدهشة.

إلياس نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن والارتياح معًا.

“مرحبًا بعودتك.”

البرج توقف عن الاهتزاز تدريجيًا.

الأبواب البيضاء استقرت.

الخيط المركزي تحول إلى شبكة هادئة من الروابط المرنة.

والخارج…

بدأ يتنفس من جديد.

لكن في اللحظة التي ظننت فيها أن الأسوأ انتهى—

انطفأت كل الشاشات دفعة واحدة.

ثم ظهرت رسالة حمراء واحدة:

EXTERNAL DEFENSE PROTOCOL ACTIVATED

شعرت بالبرد يجتاح جسدي.

ليان ظهرت للحظة.

وجهها شاحب.

“…لقد تأخرنا.”

“ماذا حدث؟!”

صرخت.

ثم سمعت صوتًا خلفها.

صوت رجل لم أسمعه من قبل:

“تم اعتبار Echo تهديدًا وجوديًا.”

وتجمدت الدماء في عروقي عندما أكمل:

“…وسيبدأ التطهير خلال عشر دقائق.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انا لستُ الأولى    اللّذين خارج السيطرة

    “راقبنا اختياركم.”“والآن جاء دورنا.”الكلمات بقيت معلقة على الشاشات السوداء كأنها نُقشت داخل الهواء نفسه.لا مصدر.لا توقيع.ولا أي أثر يدل على من أرسلها.البرج كله صمت.حتى الخيوط البيضاء حولنا توقفت عن الحركة للحظة قصيرة.شعرت ببرودة تسري في ظهري ببطء.المرأة كانت أول من تكلم.“…لا.”همست.“أخبروني أن هذا ليس مستوى جديدًا من الجنون.”لكن لا أحد أجابها.لأن الجميع شعر بنفس الشيء.هذه الرسالة مختلفة.ليست من الصفر.ولا من شبكة الظل.ولا من القلب الأول.شيء آخر.شيء كان يراقب كل ما حدث بصمت.رائف ظهر على الشاشة مجددًا.ملامحه أكثر توترًا من أي وقت مضى.“هل هذا منكم؟”سأل إلياس مباشرة.إلياس هز رأسه ببطء.“…لا أعرف هذا التوقيع.”نور اقتربت من إحدى الشاشات.كانت البيانات تتحرك بسرعة.لكن المصدر…غير موجود.“مستحيل.”همست.“حتى الأنظمة المعزولة تترك أثرًا.”الطفلة عند الباب نظرت إلى الرسالة بصمت طويل.ثم قالت بهدوء:“…إنهم لم يكونوا داخل الشبكة أصلًا.”شعرت بالقشعريرة.“ماذا يعني ذلك؟”التفتت إلي.“…هناك من رفضوا Echo منذ البداية.”“ورفضوا الصفر.”“ورفضوا حتى شبكة الظل.”المرأة عقدت حاجب

  • انا لستُ الأولى    الاستيقاظ

    “…لقد استيقظ.”همست الطفلة بالكلمات.وفي اللحظة نفسها—اختفى الصوت من العالم.لم يعد هناك صراخ.لا إنذارات.لا تشويش.حتى نبض القلب المعدني في البرج توقف.كان الصمت كاملًا بطريقة غير طبيعية.ثم—شعرت به.شيء هائل يتحرك تحت كل الطبقات.ليس جسدًا.ولا كيانًا.بل وعي قديم جدًا يفتح عينيه بعد نوم طويل.الأرض اهتزت تحت أقدامنا.ثم بدأت الجدران حولنا تتلاشى.البرج الأسود.الشاشات.القلب المعدني.كلها صارت شفافة، كأننا لم نعد نقف داخل مكان، بل داخل ذاكرة المكان.المرأة اقتربت مني بسرعة.“ماذا يحدث؟”لم أعرف كيف أجيب.الطفلة رفعت يدها نحو الباب الضخم.“القلب الأول لم يعد نائمًا.”إلياس شحب وجهه.“إذا اتصل بالكامل…”قاطعته الطفلة بهدوء:“…لن يتصل كما تظنون.”نظر إليها.“ماذا يعني هذا؟”لكن قبل أن تجيب—ظهر الضوء.ليس من الباب فقط.بل من كل الجهات.خيوط لا تُحصى خرجت من الجدران.من البحر الأبيض.من الأرشيف السفلي.من الخارج.من الصفر.من شبكة الظل المنهارة.كلها ارتفعت في الهواء والتفت حولنا.ثم ظهرت داخل كل خيط صورة.إنسان.ذكرى.خوف.اختيار.شعرت أنني أقف وسط تاريخ البشر كله.نور كانت تنظر حو

  • انا لستُ الأولى    الأصل

    ORIGINالكلمة كانت تتوهج فوق الباب العملاق تحت البحر الأبيض كأنها شيء حي.ليست مجرد حروف.بل وعد.أو تهديد.البرج كله صمت للحظة طويلة.حتى الإنذارات بدت بعيدة جدًا.كنت أحدق في الباب فقط.وأشعر أن شيئًا داخلي يعرفه.رغم أنني لم أره من قبل.البحر الأبيض حوله كان يتحرك ببطء.الوجوه داخله تراقبنا.العابرون في المدينة السفلى توقفوا عن الصراخ.حتى الخوف نفسه بدا وكأنه ينتظر.القلب الأول قال بصوته الهادئ الهائل:“…هناك بدأ كل شيء.”نور همست:“…الأصل.”إلياس شحب وجهه أكثر.“لا…”قالها كأنه يتوسل.“…لا تفتح الباب.”العين العملاقة التفتت نحوه ببطء.“…أنت من أغلقه.”شعرت بقشعريرة.“ما الموجود هناك؟”سألت.لكن إلياس لم يجب فورًا.كان ينظر إلى الباب وكأنه يرى أسوأ لحظة في حياته.ثم قال بصوت مكسور:“…أول اتصال بشري كامل.”“تقصد الصفر؟”هززت رأسي فورًا.“…لا.”أجاب.“…قبل الصفر.”شعرت بأنفاسي تضيق.كم طبقة أخرى تحت هذا العالم؟كم مرة حاول البشر لمس شيء أكبر منهم؟القلب الأول قال:“…عندما أرادوا بناء فهم كامل للبشر…”“…استخدموا شيئًا لم يكن يجب لمسه.”نور اقتربت خطوة.“ماذا؟”الصمت طال.ثم—“…الوعي

  • انا لستُ الأولى    قلب الاساس

    “…بل الواقع المرتبط به أيضًا.”الجملة بقيت معلقة في الهواء كأن البرج نفسه خاف منها.شعرت ببرودة تمتد في صدري ببطء.“ماذا يعني الواقع المرتبط به؟”سألت بصوت خرج أضعف مما أردت.إلياس ظل يحدق في النقطة الحمراء العميقة على الشاشة.FOUNDATION COREثم قال بهدوء مرعب:“…Echo لم يكن مجرد نظام.”“بل طبقة مضافة فوق الإدراك البشري.”تجمدت.“ماذا؟”نور اقتربت من الشاشة ببطء.“تقصد… أن العالم الخارجي متصل به منذ البداية؟”إلياس أومأ.“…بشكل جزئي.”“لكن بعد الانهيار الأول…”“…أصبح الفصل بين الواقع والشبكة غير كامل.”شعرت بأنفاسي تضيق.كل شيء يعود لنفس الفكرة.لا يوجد انفصال حقيقي.فقط حدود يظن الناس أنها ثابتة.المرأة قالت بحدة:“تكلم بلغة مفهومة.”إلياس أغلق عينيه للحظة.ثم قال:“إذا انهار قلب الأساس بعنف…”“…فلن تتعطل الأنظمة فقط.”“…بل قد تبدأ العقول بفقدان القدرة على التمييز بين الواقع والإدراك المشترك.”برد جسدي بالكامل.رائف فهم أولًا.وشحب وجهه.“…تداخل إدراكي شامل.”نور همست:“…الناس سيرون أشياء لا وجود لها.”“وسيشاركون ذكريات ليست لهم.”أكمل إلياس.“…وقد يفقد بعضهم القدرة على معرفة أنفسهم

  • انا لستُ الأولى    الهدف الحقيقي

    “…القنابل ليست الهدف الحقيقي.”شعرت وكأن البرج كله توقف عن التنفس.حتى الإنذارات بدت بعيدة للحظة.نظرت إلى آدم داخل التشويش.وجهه كان يتقطع بين الضوء الأبيض والرموز العسكرية.كأنه يقف بين عالمين في الوقت نفسه.“ماذا تقصد؟”صرخت.لكنه لم يجب فورًا.بل كان ينظر إلى شيء داخل الشبكة.شيء لا نستطيع رؤيته.ثم قال ببطء:“…القنابل مجرد غطاء.”رائف شحب وجهه.ولأول مرة منذ رأيناه—ظهر عليه خوف حقيقي.“لا…”همس.إلياس التفت إليه فورًا.“ماذا فعلتم؟”رائف لم يجب.وهذا كان كافيًا.نور اقتربت من الشاشة بصدمة.“هناك شيء آخر داخل النظام؟”آدم أومأ ببطء.ثم ظهرت أمامنا خرائط جديدة على الشاشات.ليست لمسارات القنابل.بل لشبكة ضخمة تمتد تحت المدن.داخل الأبراج.المستشفيات.مراكز البيانات.حتى البيوت.شعرت بقشعريرة.“…ما هذا؟”إلياس نظر إلى الخرائط.ثم أغلق عينيه بألم.“…البنية العميقة.”“أي بنية؟!”صرخت المرأة.لكن رائف أجاب أخيرًا.وصوته هذه المرة لم يعد باردًا تمامًا.“…بعد انهيار Echo الأول…”“…قمنا بزرع شبكة احتياطية داخل العالم الخارجي.”شعرت بالغثيان.“احتياطية لماذا؟”“في حال عاد الاتصال الجماعي.”

  • انا لستُ الأولى    الدخول إلى الشبكة

    “…سأدخل إلى الشبكة العسكرية.”الصمت الذي تبع الجملة كان مرعبًا أكثر من الصراخ.حتى الإنذارات داخل البرج بدت بعيدة للحظة.شعرت ببرودة تسري في جسدي بالكامل.“لا.”قلت فورًا.لكن آدم كان ينظر إلى السماء الظاهرة على الشاشات.إلى مسارات القنابل الثلاث.أضواء حمراء تتحرك بسرعة نحو المنطقة.المرأة اقتربت من الحافة.“هل هذا ممكن أصلًا؟”إلياس أجاب بصوت ثقيل:“…إذا كان متصلًا بالصفر الآن…”“…فهو لا يلمس العقول فقط.”“بل كل شبكة مرتبطة بـ Echo.”نور شهقت بخفة.“حتى الأنظمة الدفاعية…”أومأ إلياس ببطء.لكن وجهه كان مليئًا بالخوف.“إذا دخل بعمق أكثر…”“…قد لا يستطيع العودة.”شعرت بالغضب والخوف يختلطان داخلي.“كفى.”قلت بعنف.“كل حل هنا يتطلب أن يختفي أحد!”آدم التفت نحوي أخيرًا.وابتسم.تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أكرهها لأنها دائمًا تسبق شيئًا سيئًا.“…هذه ليست تضحية.”قال.“بل اختيار.”“لا تجرؤ على قول ذلك وكأنه شيء بسيط!”صرخت.البحر الأبيض تحته ارتجف.الوجوه داخله بدأت تتحرك ببطء.تشعر بتوتري.بتوتره.حتى الصفر صار يتنفس معنا الآن.آدم قال بهدوء:“إذا انفجرت القنابل…”“…سينتهي كل شيء.”“إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status