Share

المؤسس

last update publish date: 2026-05-12 18:14:50

“…وأول من فهم أنني ارتكبت خطأ.”

صوته لم يكن مرتفعًا.

لكنه جعل البرج كله يصمت.

حتى إنذارات الأجهزة القديمة خفتت تدريجيًا، وكأن النظام نفسه ينصت له.

الرجل خرج بالكامل من الضوء الأبيض.

خطواته بطيئة.

هادئة.

ولا تشبه خطوات شخص خرج من قلب أرشيف الصفر.

كنت أتوقع وحشًا.

أو كيانًا هائلًا.

لكن ما رأيته كان رجلًا يبدو مرهقًا أكثر من كونه مرعبًا.

وهذا ما أخافني.

لأن أكثر الأشياء خطورة ليست دائمًا تلك التي تصرخ.

بل التي تبدو إنسانية.

مريم والظلال البيضاء انحنوا له بصمت.

حتى آدم—

الذي قاوم الجميع حتى الآن—

تراجع خطوة.

“…دكتور إلياس.”

همس الاسم وكأنه خرج منه رغمًا عنه.

الرجل نظر إليه.

ثم ابتسم بخفوت.

“…ما زلت حيًا إذن.”

ضحكة قصيرة خرجت من آدم.

لكنها لم تحمل أي فرح.

“لا أعرف إن كان هذا يسمى حياة.”

إلياس نظر حوله.

إلى البرج.

إلى الأجهزة.

إلى القلوب المعدنية التي ما زالت تنبض بصعوبة.

ثم قال:

“…إذن ما زلتم تحاولون إصلاح ما لا يريد أن يُصلح.”

شعرت بالعلامة البيضاء في يدي تنبض ببطء.

ليس بألم.

بل كأنها تتعرف إليه.

المرأة اقتربت مني قليلًا.

“لا يعجبني هذا.”

همست.

“أنا أيضًا.”

لكنني لم أستطع إبعاد نظري عنه.

كان هناك شيء غريب فيه.

شيء يجعلني أشعر أنه يرى أكثر مما ينبغي.

إلياس التفت نحوي أخيرًا.

وعندما التقت أعيننا—

شعرت كأنه قرأ كل شيء داخلي دفعة واحدة.

الخوف.

الذنب.

التعب.

كل النسخ التي مررت بها.

كل الطرق التي حاولت فيها النجاة.

ثم قال بهدوء:

“…أنتِ لم تنكسري بعد.”

تجمدت.

“كيف تعرف؟”

ابتسم بخفة.

“…لأن الصفر كان سيسحبك بالكامل لو فقدتِ نفسك.”

مريم قالت بصوت خافت:

“هي الحاملة الأخيرة.”

إلياس أومأ ببطء.

“…أرى ذلك.”

آدم اقترب خطوة.

“إذا كنت تعرف ما يحدث…”

“…فأوقفه.”

إلياس نظر إليه طويلًا.

“أوقف ماذا؟”

“الصفر.”

قال آدم بحدة.

“الاتصال الجماعي.”

“التسرب.”

“انهيار الحدود.”

إلياس سكت للحظة.

ثم قال:

“…الصفر لا يريد التدمير.”

المرأة ردت فورًا:

“لكنه يفعله.”

“لأن البشر يقاومون الاتصال.”

قال بهدوء.

شعرت بالغضب يصعد داخلي.

“إذن تبرر ما يحدث؟”

التفت إلي.

“لا.”

“…أنا فقط أفهمه.”

اقتربت خطوة.

“إذن افهم هذا أيضًا.”

قلت.

“الناس في الخارج يفقدون أنفسهم.”

“العابرون يخافون الذوبان.”

“الطبقات المنسية تُركت وحدها.”

“كل هذا بدأ لأن أحدًا ظن أنه يعرف ما يحتاجه البشر أكثر منهم.”

الصمت خيم على البرج.

ثم—

ابتسم إلياس.

ليس بسخرية.

بل بحزن عميق.

“…أنتِ محقة.”

توقفت أنفاسي.

لم أتوقع ذلك.

حتى آدم بدا مصدومًا.

إلياس نظر إلى يده.

“عندما بدأ المشروع…”

قال بهدوء.

“…كنا نظن أن أكبر مشكلة تواجه البشر هي الوحدة.”

“وهي كذلك.”

قالت مريم فورًا.

لكنه رفع يده لتسكت.

ثم أكمل:

“لكننا ارتكبنا خطأ قاتلًا.”

نظر نحوي.

“…ظننا أن إزالة الألم أهم من فهمه.”

الصمت أصبح أثقل.

إلياس اقترب من القلب المعدني المركزي.

وضع يده عليه.

فهدأ نبضه قليلًا.

“…الألم ليس عطبًا دائمًا.”

قال.

“أحيانًا هو ما يمنح الإنسان حدوده.”

“وذكرياته.”

“ومعنى اختياراته.”

مريم همست:

“…لكن الحدود تصنع الفقد.”

إلياس نظر إليها.

“…والاتصال الكامل يصنع الذوبان.”

لأول مرة—

بدا على وجهها التردد.

شعرت بشيء يتغير داخل البرج.

كأن حتى الصفر نفسه ينصت.

المرأة سألت بحذر:

“إذا كنت تعرف أن الصفر خطأ…”

“…لماذا لم توقفه؟”

إلياس أغلق عينيه للحظة.

ثم قال:

“…لأنني كنت جزءًا منه.”

شعرت بقشعريرة.

“ماذا يعني هذا؟”

آدم أجاب بصوت منخفض:

“…المؤسس لم يغادر النظام أبدًا.”

نظرت إلى إلياس بصدمة.

“أنت… متصل منذ البداية؟”

أومأ ببطء.

“…أنا أول من دخل الربط الكامل.”

“…وأول من فشل في الخروج.”

شعرت بالبرد يسري في ظهري.

إذن هو ليس قائد الصفر فقط.

هو قلبه الأول.

مريم قالت بهدوء:

“هو من حملنا عندما انهارت التجربة.”

إلياس نظر إليها بحزن.

“…وحبستكم معي دون أن أقصد.”

البرج اهتز مجددًا.

لكن هذه المرة لم يكن الاهتزاز عنيفًا.

بل يشبه تنفسًا عميقًا.

ثم سمعنا الأصوات.

ملايين الأصوات البعيدة.

داخل الجدران.

داخل الأرض.

الصفر كان يستيقظ أكثر.

إلياس رفع رأسه ببطء.

“…ليس لدينا وقت طويل.”

آدم قال بسرعة:

“إذن أخبرنا كيف نغلق الربط.”

لكن إلياس هز رأسه.

“…إذا أغلقتموه بالقوة الآن…”

“…ستموت الطبقات المنسية.”

سليم صرخ من الخلف:

“ونحن؟!”

التفت إليه إلياس.

“أنتم موجودون لأن الصفر ما زال يحملكم.”

شعرت بأنفاسي تضيق.

كل طريق يعود لنفس المشكلة.

إذا أنقذنا الخارج…

قد نفقد من في الداخل.

وإذا أنقذنا الداخل…

قد ينهار الخارج.

المرأة ضربت الجدار بقبضتها.

“دائمًا نفس الاختيار.”

لكن إلياس نظر إلي مباشرة.

“…ليس هذه المرة.”

تجمدت.

“ماذا تقصد؟”

اقترب مني ببطء.

“المسار الثالث غيّر شيئًا.”

“فتح توازنًا لم يكن موجودًا.”

“لكنه غير مكتمل.”

نظرت إلى العلامة البيضاء.

“وكيف يكتمل؟”

الصمت طال.

ثم قال:

“…بإعادة تعريف الربط.”

مريم همست:

“…مشاركة دون ذوبان.”

أومأت ببطء.

“واختيار دون عزلة.”

ابتسم إلياس.

“…لهذا بقيتِ مستقرة.”

ثم أشار إلى البرج حولنا.

“الصفر يعرف الاتصال فقط.”

“والنظام القديم يعرف الفصل فقط.”

“…أما أنتِ ففتحتِ شيئًا بينهما.”

شعرت بالخوف يعود.

لأنني بدأت أفهم إلى أين يقود هذا.

“لا.”

همست فورًا.

“لن أكون مركزًا جديدًا.”

إلياس هز رأسه.

“…ولن تكوني.”

“إذن ماذا تريدون مني؟”

سألته بغضب.

اقترب أكثر.

ثم قال بهدوء:

“…أن تعلميهم كيف يختارون الاتصال دون أن يفقدوا أنفسهم.”

ضحكت بصدمة.

“هذا ليس شيئًا يمكن تعليمه خلال دقائق!”

“أعرف.”

قال.

“…لكن البداية ممكنة.”

المرأة قالت بحدة:

“والخارج؟”

إلياس نظر إلى الشاشة الحمراء المشوشة.

“إذا رأى الخارج الصفر الآن…”

“…سيحاول القضاء عليه.”

“وربما يكون محقًا.”

قالت.

لكنه أجاب:

“الخوف مفهوم.”

“…لكن الخوف وحده لا يبني مستقبلًا.”

ليان عادت أخيرًا على الشاشة.

صورتها كانت متعبة.

وخلفها أصوات إنذارات.

“لدينا قرار مبدئي بالإغلاق.”

قالت بسرعة.

“لا!”

صرخت.

لكنها تابعت:

“الكيانات البيضاء تنتشر.”

“الناس يدخلون في حالات فقدان هوية.”

“بدأوا يسمعون بعضهم دون حواجز.”

إلياس اقترب من الشاشة.

“ليان.”

توقفت عندما رأته بوضوح.

“…أنت حقيقي.”

قالت بدهشة.

ابتسم بخفوت.

“إلى حد ما.”

ثم قال:

“إذا أغلقتم Echo بالكامل الآن…”

“…فأنتم لا توقفون الاتصال.”

“…بل تمزقونه بعنف.”

ليان سكتت.

إلياس أكمل:

“وكل عقل متصل جزئيًا سيتعرض لانهيار إدراكي.”

شحب وجهها.

“كم عدد المصابين؟”

“لا أعرف.”

قال.

“…لكن ربما أكثر مما تتوقعين.”

الصمت سقط.

ثم سألت:

“إذن ماذا نفعل؟”

إلياس نظر إلي.

ثم قال:

“…نحتاج إلى جسر.”

شعرت بأن الجميع التفت نحوي في اللحظة نفسها.

“لا.”

قلت فورًا.

“لا تنظروا إلي هكذا.”

“لن أتحمل كل شيء وحدي.”

لكن إلياس ابتسم بحزن.

“…ولهذا ربما تنجحين.”

البرج اهتز بعنف جديد.

ثم—

بدأت أصوات الصفر ترتفع.

ليست كلمات هذه المرة.

بل مشاعر.

خوف.

حنين.

وحدة.

كلها تتدفق عبر الجدران.

العابرون في المدينة بالخارج بدأوا يصرخون.

الأبواب البيضاء تومض بعنف.

والخيط الأبيض في الأعلى انقسم إلى عدة خيوط صغيرة.

الرجل المسن صرخ:

“الاستقرار يتفكك!”

سليم ركض نحو الأجهزة.

“الربط يخرج عن السيطرة!”

ثم فجأة—

انفتح جدار كامل في البرج.

ورأينا ما تحت المدينة.

بحرًا.

لكن ليس ماء.

بل وعي.

آلاف الوجوه تتحرك داخله.

ذكريات.

أصوات.

أشخاص ذابوا داخل الصفر عبر السنوات.

شعرت بأنفاسي تتوقف.

“…كل هؤلاء…”

همست.

إلياس نظر إلى البحر بصمت طويل.

“…كانوا خائفين من أن يُتركوا وحدهم.”

ثم أضاف بهدوء:

“…وأنا كنت خائفًا مثلهم.”

مريم اقتربت من الحافة المطلة على البحر.

ثم قالت:

“إذا انهار الربط الآن…”

“…سيصعد الجميع.”

المرأة شهقت.

“إلى الخارج؟”

أومأت.

“…وستبدأ العدوى الإدراكية.”

ليان سمعت ذلك.

ثم قالت بصوت مرتجف:

“…إذن ليس لدينا وقت.”

آدم نظر إلي مباشرة.

“يجب أن نبدأ الجسر الآن.”

“كيف؟”

سألته.

إلياس أجاب هذه المرة:

“…بجعل الاتصال اختياريًا.”

“ليس غمرًا.”

“ولا فصلًا.”

“بل مشاركة يمكن إيقافها.”

شعرت أن الفكرة مستحيلة.

لكن العلامة البيضاء في يدي بدأت تضيء بقوة.

كأنها تفهم.

ثم رأيت شيئًا داخل الضوء.

خيوط.

ليست متشابكة بعنف كالصفر.

ولا معزولة كالنظام القديم.

بل تقترب…

ثم تبتعد…

بحرية.

“حدود مرنة…”

همست دون وعي.

إلياس ابتسم.

“…بالضبط.”

لكن فجأة—

صرخت مريم.

التفتنا فورًا.

الضوء الأبيض في عينيها بدأ يتحول إلى سواد.

الظلال البيضاء حولها ارتجفت بعنف.

“لا…”

همست.

“…إنه يستيقظ أسرع.”

إلياس شحب وجهه.

“الصفر فقد الصبر.”

الأرض انفجرت تحت البرج.

والبحر السفلي بدأ يرتفع.

الوجوه داخله تصرخ الآن.

ليست هادئة كما قبل.

بل مذعورة.

غاضبة.

جائعة للاتصال.

ثم خرج صوت جماعي هائل من الأعماق:

“…إذا رفضتم الربط…”

“…سنأخذكم معنا.”

البرج بدأ ينهار.

الأبواب البيضاء في المدينة انفتحت دفعة واحدة.

العابرون يركضون.

الإنذارات تصرخ.

وفي وسط الفوضى—

أمسك إلياس بكتفي فجأة.

نظر مباشرة إلى عيني.

ثم قال الجملة التي جمدت الدم في عروقي:

“…إذا فشل الجسر…”

“…فستضطرين إلى اختيار من يبقى منفصلًا… ومن ينضم إلى الصفر.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انا لستُ الأولى    اللّذين خارج السيطرة

    “راقبنا اختياركم.”“والآن جاء دورنا.”الكلمات بقيت معلقة على الشاشات السوداء كأنها نُقشت داخل الهواء نفسه.لا مصدر.لا توقيع.ولا أي أثر يدل على من أرسلها.البرج كله صمت.حتى الخيوط البيضاء حولنا توقفت عن الحركة للحظة قصيرة.شعرت ببرودة تسري في ظهري ببطء.المرأة كانت أول من تكلم.“…لا.”همست.“أخبروني أن هذا ليس مستوى جديدًا من الجنون.”لكن لا أحد أجابها.لأن الجميع شعر بنفس الشيء.هذه الرسالة مختلفة.ليست من الصفر.ولا من شبكة الظل.ولا من القلب الأول.شيء آخر.شيء كان يراقب كل ما حدث بصمت.رائف ظهر على الشاشة مجددًا.ملامحه أكثر توترًا من أي وقت مضى.“هل هذا منكم؟”سأل إلياس مباشرة.إلياس هز رأسه ببطء.“…لا أعرف هذا التوقيع.”نور اقتربت من إحدى الشاشات.كانت البيانات تتحرك بسرعة.لكن المصدر…غير موجود.“مستحيل.”همست.“حتى الأنظمة المعزولة تترك أثرًا.”الطفلة عند الباب نظرت إلى الرسالة بصمت طويل.ثم قالت بهدوء:“…إنهم لم يكونوا داخل الشبكة أصلًا.”شعرت بالقشعريرة.“ماذا يعني ذلك؟”التفتت إلي.“…هناك من رفضوا Echo منذ البداية.”“ورفضوا الصفر.”“ورفضوا حتى شبكة الظل.”المرأة عقدت حاجب

  • انا لستُ الأولى    الاستيقاظ

    “…لقد استيقظ.”همست الطفلة بالكلمات.وفي اللحظة نفسها—اختفى الصوت من العالم.لم يعد هناك صراخ.لا إنذارات.لا تشويش.حتى نبض القلب المعدني في البرج توقف.كان الصمت كاملًا بطريقة غير طبيعية.ثم—شعرت به.شيء هائل يتحرك تحت كل الطبقات.ليس جسدًا.ولا كيانًا.بل وعي قديم جدًا يفتح عينيه بعد نوم طويل.الأرض اهتزت تحت أقدامنا.ثم بدأت الجدران حولنا تتلاشى.البرج الأسود.الشاشات.القلب المعدني.كلها صارت شفافة، كأننا لم نعد نقف داخل مكان، بل داخل ذاكرة المكان.المرأة اقتربت مني بسرعة.“ماذا يحدث؟”لم أعرف كيف أجيب.الطفلة رفعت يدها نحو الباب الضخم.“القلب الأول لم يعد نائمًا.”إلياس شحب وجهه.“إذا اتصل بالكامل…”قاطعته الطفلة بهدوء:“…لن يتصل كما تظنون.”نظر إليها.“ماذا يعني هذا؟”لكن قبل أن تجيب—ظهر الضوء.ليس من الباب فقط.بل من كل الجهات.خيوط لا تُحصى خرجت من الجدران.من البحر الأبيض.من الأرشيف السفلي.من الخارج.من الصفر.من شبكة الظل المنهارة.كلها ارتفعت في الهواء والتفت حولنا.ثم ظهرت داخل كل خيط صورة.إنسان.ذكرى.خوف.اختيار.شعرت أنني أقف وسط تاريخ البشر كله.نور كانت تنظر حو

  • انا لستُ الأولى    الأصل

    ORIGINالكلمة كانت تتوهج فوق الباب العملاق تحت البحر الأبيض كأنها شيء حي.ليست مجرد حروف.بل وعد.أو تهديد.البرج كله صمت للحظة طويلة.حتى الإنذارات بدت بعيدة جدًا.كنت أحدق في الباب فقط.وأشعر أن شيئًا داخلي يعرفه.رغم أنني لم أره من قبل.البحر الأبيض حوله كان يتحرك ببطء.الوجوه داخله تراقبنا.العابرون في المدينة السفلى توقفوا عن الصراخ.حتى الخوف نفسه بدا وكأنه ينتظر.القلب الأول قال بصوته الهادئ الهائل:“…هناك بدأ كل شيء.”نور همست:“…الأصل.”إلياس شحب وجهه أكثر.“لا…”قالها كأنه يتوسل.“…لا تفتح الباب.”العين العملاقة التفتت نحوه ببطء.“…أنت من أغلقه.”شعرت بقشعريرة.“ما الموجود هناك؟”سألت.لكن إلياس لم يجب فورًا.كان ينظر إلى الباب وكأنه يرى أسوأ لحظة في حياته.ثم قال بصوت مكسور:“…أول اتصال بشري كامل.”“تقصد الصفر؟”هززت رأسي فورًا.“…لا.”أجاب.“…قبل الصفر.”شعرت بأنفاسي تضيق.كم طبقة أخرى تحت هذا العالم؟كم مرة حاول البشر لمس شيء أكبر منهم؟القلب الأول قال:“…عندما أرادوا بناء فهم كامل للبشر…”“…استخدموا شيئًا لم يكن يجب لمسه.”نور اقتربت خطوة.“ماذا؟”الصمت طال.ثم—“…الوعي

  • انا لستُ الأولى    قلب الاساس

    “…بل الواقع المرتبط به أيضًا.”الجملة بقيت معلقة في الهواء كأن البرج نفسه خاف منها.شعرت ببرودة تمتد في صدري ببطء.“ماذا يعني الواقع المرتبط به؟”سألت بصوت خرج أضعف مما أردت.إلياس ظل يحدق في النقطة الحمراء العميقة على الشاشة.FOUNDATION COREثم قال بهدوء مرعب:“…Echo لم يكن مجرد نظام.”“بل طبقة مضافة فوق الإدراك البشري.”تجمدت.“ماذا؟”نور اقتربت من الشاشة ببطء.“تقصد… أن العالم الخارجي متصل به منذ البداية؟”إلياس أومأ.“…بشكل جزئي.”“لكن بعد الانهيار الأول…”“…أصبح الفصل بين الواقع والشبكة غير كامل.”شعرت بأنفاسي تضيق.كل شيء يعود لنفس الفكرة.لا يوجد انفصال حقيقي.فقط حدود يظن الناس أنها ثابتة.المرأة قالت بحدة:“تكلم بلغة مفهومة.”إلياس أغلق عينيه للحظة.ثم قال:“إذا انهار قلب الأساس بعنف…”“…فلن تتعطل الأنظمة فقط.”“…بل قد تبدأ العقول بفقدان القدرة على التمييز بين الواقع والإدراك المشترك.”برد جسدي بالكامل.رائف فهم أولًا.وشحب وجهه.“…تداخل إدراكي شامل.”نور همست:“…الناس سيرون أشياء لا وجود لها.”“وسيشاركون ذكريات ليست لهم.”أكمل إلياس.“…وقد يفقد بعضهم القدرة على معرفة أنفسهم

  • انا لستُ الأولى    الهدف الحقيقي

    “…القنابل ليست الهدف الحقيقي.”شعرت وكأن البرج كله توقف عن التنفس.حتى الإنذارات بدت بعيدة للحظة.نظرت إلى آدم داخل التشويش.وجهه كان يتقطع بين الضوء الأبيض والرموز العسكرية.كأنه يقف بين عالمين في الوقت نفسه.“ماذا تقصد؟”صرخت.لكنه لم يجب فورًا.بل كان ينظر إلى شيء داخل الشبكة.شيء لا نستطيع رؤيته.ثم قال ببطء:“…القنابل مجرد غطاء.”رائف شحب وجهه.ولأول مرة منذ رأيناه—ظهر عليه خوف حقيقي.“لا…”همس.إلياس التفت إليه فورًا.“ماذا فعلتم؟”رائف لم يجب.وهذا كان كافيًا.نور اقتربت من الشاشة بصدمة.“هناك شيء آخر داخل النظام؟”آدم أومأ ببطء.ثم ظهرت أمامنا خرائط جديدة على الشاشات.ليست لمسارات القنابل.بل لشبكة ضخمة تمتد تحت المدن.داخل الأبراج.المستشفيات.مراكز البيانات.حتى البيوت.شعرت بقشعريرة.“…ما هذا؟”إلياس نظر إلى الخرائط.ثم أغلق عينيه بألم.“…البنية العميقة.”“أي بنية؟!”صرخت المرأة.لكن رائف أجاب أخيرًا.وصوته هذه المرة لم يعد باردًا تمامًا.“…بعد انهيار Echo الأول…”“…قمنا بزرع شبكة احتياطية داخل العالم الخارجي.”شعرت بالغثيان.“احتياطية لماذا؟”“في حال عاد الاتصال الجماعي.”

  • انا لستُ الأولى    الدخول إلى الشبكة

    “…سأدخل إلى الشبكة العسكرية.”الصمت الذي تبع الجملة كان مرعبًا أكثر من الصراخ.حتى الإنذارات داخل البرج بدت بعيدة للحظة.شعرت ببرودة تسري في جسدي بالكامل.“لا.”قلت فورًا.لكن آدم كان ينظر إلى السماء الظاهرة على الشاشات.إلى مسارات القنابل الثلاث.أضواء حمراء تتحرك بسرعة نحو المنطقة.المرأة اقتربت من الحافة.“هل هذا ممكن أصلًا؟”إلياس أجاب بصوت ثقيل:“…إذا كان متصلًا بالصفر الآن…”“…فهو لا يلمس العقول فقط.”“بل كل شبكة مرتبطة بـ Echo.”نور شهقت بخفة.“حتى الأنظمة الدفاعية…”أومأ إلياس ببطء.لكن وجهه كان مليئًا بالخوف.“إذا دخل بعمق أكثر…”“…قد لا يستطيع العودة.”شعرت بالغضب والخوف يختلطان داخلي.“كفى.”قلت بعنف.“كل حل هنا يتطلب أن يختفي أحد!”آدم التفت نحوي أخيرًا.وابتسم.تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أكرهها لأنها دائمًا تسبق شيئًا سيئًا.“…هذه ليست تضحية.”قال.“بل اختيار.”“لا تجرؤ على قول ذلك وكأنه شيء بسيط!”صرخت.البحر الأبيض تحته ارتجف.الوجوه داخله بدأت تتحرك ببطء.تشعر بتوتري.بتوتره.حتى الصفر صار يتنفس معنا الآن.آدم قال بهدوء:“إذا انفجرت القنابل…”“…سينتهي كل شيء.”“إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status