LOGIN"والله جه اليوم اللي هرد فيه الضربة القديمة... والجديدة كمان يا ابن المهدي."
خرجت الكلمات ببطء من بين شفتي فايز الجيار، بينما أغلق الهاتف أمامه دون أن ينتظر رد الطرف الآخر. استند بجسده إلى المقعد الجلدي الفاخر، وراح يدير السيجار بين أصابعه بحركة هادئة تخالف تمامًا الشر الكامن في عينيه. كان مكتبه الواسع يعكس ثراء صاحبه ونفوذه، لكن خلف تلك المظاهر الأنيقة كانت تُحاك ألعاب قذرة لا يعلم بها أحد. أطلق زفرة طويلة قبل أن يشعل سيجارته، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة. قبل دقائق فقط، كان يهدد أحد رجاله عبر الهاتف. ــ قلتلك كلمة واحدة... المناقصة الجديدة دي لازم تبقى باسمي. جاءه الصوت مترددًا: ــ بس يا فايز بيه... الموضوع مش سهل. ضرب المكتب بقبضته ضربة خفيفة جعلت الرجل في الطرف الآخر يبتلع كلماته. ــ مفيش حاجة اسمها مش سهل. ثم أكمل بنبرة أكثر خطورة: ــ أنت أخدت تمن سكوتك، وأخدت تمن تعاونك... دلوقتي تنفذ المطلوب وبس. ساد صمت قصير. ثم انخفض صوته حتى أصبح أشبه بالهمس. ــ وإلا الملفات اللي عندي هتوصل لفهد المهدي بنفسه... وساعتها ابقى وريني هتطلع منها إزاي. ارتبك الرجل سريعًا. ــ لا يا باشا... متقلقش... كل حاجة هتم. أغلق فايز الهاتف دون كلمة أخرى. ثم همس لنفسه: ــ كده أحسن. ظل صامتًا للحظات، قبل أن يضغط زرًا صغيرًا على مكتبه. دخل أحد الحراس فورًا. ــ أفندم يا باشا؟ رفع فايز رأسه وقال: ــ عبير وصلت؟ ــ لسه يا باشا... بس في الطريق. أومأ برأسه. ــ أول ما تيجي دخلوها عليا. خرج الرجل، بينما عاد فايز ينظر من النافذة الزجاجية الضخمة المطلة على المدينة. كانت عيناه تضيقان شيئًا فشيئًا. ــ استنى عليا يا فهد... ابتسم ابتسامة غامضة. ــ اللعبة لسه ما بدأتش. في صباح اليوم التالي... استيقظت ملك قبل شروق الشمس بقليل. جلست فوق سريرها بصمت، ثم تنهدت وهي تنظر إلى السقف. رغم التعب الذي يسكن جسدها، إلا أنها لم تستطع الاستسلام للنوم مرة أخرى. نهضت بهدوء. توضأت. ثم وقفت بين يدي ربها تؤدي صلاتها بخشوع. وبعد أن انتهت، رفعت كفيها إلى السماء. لم تطلب مالًا. ولا انتقامًا. ولا حتى معجزة. كل ما تمناه قلبها... أن يمنحها الله فرصة جديدة. فرصة تستطيع من خلالها الوقوف على قدميها مرة أخرى. فرصة تجعلها تشعر أن وفاة والديها لم تكن نهاية كل شيء. انحدرت دمعة هادئة فوق خدها. فمسحتها سريعًا. ثم ابتسمت لنفسها. ــ الحمد لله على كل حال. بعد ساعة تقريبًا... كانت تقف أمام شقة سارة. ما إن ضغطت الجرس حتى انفتح الباب بسرعة. ــ صباح الخير يا لوكا. ابتسمت ملك أخيرًا. ــ صباح الفل يا سوسو. ابتعدت سارة عن الباب وهي تشير بيدها. ــ اتفضلي يا ست البيت. ضحكت ملك للمرة الأولى منذ أيام. ــ الله يخليكي. دخلت مباشرة إلى غرفة الطعام، وكأنها بالفعل واحدة من أفراد المنزل. رفعت غطاء أحد الأطباق. ــ واااو... فول! خرج صوت سارة من خلفها: ــ يا بنتي استني حتى أعزمك. ضحكت السيدة فاتن وهي تضع أكواب الشاي فوق الطاولة. ــ سيبيها... البنت دي صاحبة البيت. ردت ملك وهي تمسك قطعة خبز: ــ أصل طنط فاتن بتحبني أكتر منك. وضعت سارة يديها على خصرها. ــ دي أمي أنا. ضحكت السيدة فاتن واحتضنت ملك. ــ وأنتِ بنتي برضه. ساد الصمت للحظة. شعرت ملك بغصة مؤلمة. كم اشتاقت لأن تسمع كلمة كهذه من والدتها. خفضت رأسها حتى لا ترى السيدتان دموعها. ثم همست: ــ ربنا يخليكي ليا يا طنط. ربتت فاتن على كتفها بحنان. ــ ويخليكي لينا يا حبيبتي. بعد الإفطار... جلست الفتيات في الشرفة الصغيرة. سألتها سارة: ــ ناوية تعملي إيه النهارده؟ تنهدت ملك. ــ هدور على شغل. اعترضت فاتن فورًا. ــ قولتلك قبل كده متشليش هم. ابتسمت ملك وهي تمسك يدها. ــ كفاية اللي عملتوه عشاني. ثم أكملت بثبات: ــ لازم أبدأ أعتمد على نفسي. قالت سارة: ــ طب ابعتيلي أول ما تلاقي أي مكان. أومأت. ــ حاضر. في الوقت نفسه... داخل شركة المهدي. دخل سامح إلى مكتب فهد يحمل ملفًا متوسط الحجم. طرق الباب. ــ اتفضل. اقترب ووضع الملف أمامه. ــ حضرتك طلبت المعلومات الخاصة بالبنت. رفع فهد عينيه إليه. ــ لقيت إيه؟ فتح سامح الملف. ــ اسمها ملك عبد الله. طالبة في كلية التجارة. أبوها توفى من سنة تقريبًا. وأمها توفت معاه في نفس الحادث. ومن ساعتها وهي عايشة لوحدها. ظل فهد صامتًا. أكمل سامح: ــ والدها كان شريك لمجدي السيوفي. وباع كل اللي يملكه علشان المشروع. بس بعد وفاته... اختفى مجدي. وأخيرًا باع حصته وسافر بره مصر. أغلق فهد الملف ببطء. وعادت صورة الفتاة الباكية إلى ذهنه. الآن فقط... فهم سبب ذلك الانكسار الذي رآه في عينيها. سأل بهدوء: ــ تعرف هي فين دلوقتي؟ هز سامح رأسه. ــ للأسف لا. لكن أقدر أوصلها. ظل فهد صامتًا للحظات. ثم قال: ــ خليك متابع. بس من غير ما تحس. أومأ سامح وغادر المكتب. أما فهد... فبقي ينظر إلى الورقة القديمة الموضوعة أمامه. شعور غريب أخبره... أن لقاءه بتلك الفتاة لم يكن مجرد مصادفة عابرة. وأنه، شاء أم أبى... سيجمعهما الطريق مرة أخرى. لكن لا هو... ولا ملك... كانا يعلمان أن هناك رجلًا آخر بدأ يراقب الخيوط من بعيد... وينتظر اللحظة المناسبة ليحرك أول قطعة في لعبته. يتبع.. نهاية الفصل الثالثالخاتمةبعد ثلاث سنوات...كانت فيلا سليم تعج بالحياة، بعدما امتلأت بأصوات الضحكات الصغيرة وركض الأطفال في كل ركن، حتى بدت وكأنها استعادت شبابها من جديد.كان الجميع مجتمعين كعادتهم، في أجواء دافئة يملؤها الحب والألفة.أما سليم المهدي...فكان يجلس في مقعده المفضل، يتأمل أحفاده وأبناءهم بعينين تلمعان بالسعادة والرضا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يحمد الله على النعمة التي أنعم بها عليه.أما عمر و جنى...فقد رزقهما الله بطفلة جميلة، ورقيقة الملامح كوالدتها، أسمياها سيلا، وكانت مدللة الجميع بلا استثناء.وأما شريف ومي...فقد رزقهما الله أولًا بـأحمد، ثم لحقت به شقيقته الصغيرة وعد، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر.أما شريف، فلم يكن يخفي رغبته في أن يمتلئ البيت بالأطفال، تنفيذًا لوصية الحاجة راوية، التي كانت دائمًا تردد وهي تضحك:"البيت اللي مفيهوش دوشة عيال... مفيهوش بركة."وأما ملك...فكانت تجلس إلى جوار فهد، تستند إليه في راحة، بينما كانت يداه لا تفارقانها، وكأنهما خُلقتا لتطمئناها.كان بطنها قد استدار بصورة واضحة، فقد دخلت شهرها الأخير، ولم يعد يفصلها عن ولادتها سوى أيام قليلة.
قطع تلك اللحظة صوت تنحنحة متعمدة خلفه.تجمد في مكانه، ثم ابتعد عنها ببطء، وأطلق سراح شفتيها، قبل أن يلتفت للخلف.ليجد عمر يقف واضعًا يديه في جيبيه، ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة، بينما كانت جني تقف خلفه، تكتم ضحكتها بكف يدها، وقد احمر وجهها من شدة الحرج.اتسعت عينا فهد، وقال وهو يحاول استعادة هيبته:عمر!... جني!... إنتوا... إنتوا هنا من إمتى؟حك عمر مؤخرة رأسه وهو يبتسم بمكر، ثم قال:من وقت ما اللانش عطل فجأة...ثم أشار إلى ملك وفهد وهو يكمل بضحكة خافتة:وقلنا نستنى شوية، يمكن العطل يتصلح لوحده.شهقت جنى وهي تضرب ذراع عمر بخفة، محاولة منعه من إحراجهما أكثر، بينما خفضت ملك رأسها في خجل، ودفنت وجهها في صدر فهد، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.انفجر عمر ضاحكًا، يتابع وهو يرفع يديه باستسلام:والله حاولت انبهك بس واضح إن حضرتك كنت في عالم تاني خالص!...... فلاش بااااك قالت وهي تنظر إليه باستغراب:هنروح فين؟ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال:هوديكي مكان، مفيش مخلوق هيخطر على باله إننا هناك.عقدت حاجبيها وسألته بفضول:فين ده؟أجابها وهو يشير إلى البحر: اليخت هنروح اليخت. أمسك بيدها وقادها إليه،
قال وهو يتظاهر بقلة الحيلة:أنا هنزل تحت أحاول.قالت ملك بسرعة، وقد بدا القلق واضحًا في صوتها:فهد لا، من فضلك.رمقها بنظرة ساخرة وقال:ليه يا أم ولادي؟أجابته بتوتر:عشان كده خطر، افرض جرالك حاجة، هرجع أنا إزاي؟رفع أحد حاجبيه وقال بمكر:بقى كده؟ يعني مش خايفة عليّا، خايفة على نفسك؟ثم ابتسم في سره، وهو يحدث نفسه." ورحمة أمي... لأخليكي تعترفي مهما كابرِتِ"نزل إلى الماء وغاص تحته.ظلت ملك تحدق في المكان الذي اختفى فيه، تنتظر ظهوره.مرت ثوانٍ...ثم نادته:فهد...ولم يجب.نادته مرة ثانية...ثم ثالثة...ومع المرة الرابعة خرج اسمُه منها بصرخةً مذعورة:فهــــد!في اللحظة التالية، شق رأسه سطح الماء.وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها وهي تهمس براحة:الحمد لله...ثم قالت بلهفة:إيه؟ خلصت؟هز رأسه وقال:لا لسه. هنزل أشوف تاني.هزت رأسها بعنف وقالت:لا، لا بص، إحنا نستنى زي ما قلت. أكيد لما نتأخر هيقلقوا علينا، وهيبعتوا حد يدور علينا.ابتسم وقال:طيب تمام.ثم همّ بالصعود، لكنه تظاهر بأن قدمه انزلقت.آه...وألقى بنفسه في الماء، وأخذ يحرك ذراعيه بعشوائية، وكأنه يصارع الغرق.صرخت ملك بذعر:فهد!
بعد أسبوعين...انقضى الأسبوعان سريعًا، وكانت ملك طوال تلك الفترة منشغلة بين جنى، والجد سليم، والأولاد.أما فهد، فكان يحاول بكل الطرق أن يختلي بها ولو لدقائق معدودة، لكن في كل مرة كانت الظروف تتدخل؛ فمرة يحتاجها الأولاد، ومرة تناديها جنى، ومرة يشغلها الجد.حتى بدأ يشعر أن الدنيا بأكملها تتآمر عليه، فلا يجد فرصة ليجلس معها بمفردهما.وفي أحد الأيام...كان فهد يتحدث مع شريف عبر الهاتف.قال بضيقٍ مصطنع:- إيه يا ابني؟ مش ناوي ترجع؟ضحك شريف وقال:- لا يا عم... أنا بنفذ تعليمات الحاجة راوية. رفع فهد حاجبه باستغراب:- واللي هي إيه؟رد شريف ضاحكًا:- عاوزة أحمد.قطب فهد حاجبيه وقال:- أحمد مين يالّا؟انفجر شريف في الضحك، وقال:- ههههههه... أحمد ابني.هز فهد رأسه بيأس، وقال:- طيب يا خويا، اخلص بقى، علشان الشغل كله على دماغي. وجدي كمان عاوزنا نسافر أسبوع الساحل.ثم أردف:- هتيجي معانا ولا إيه؟رد شريف بسرعة:- لا يا سيدي، الحاجة راوية حالفة عليّا، وأنا مش هوقع يمينها.ضحك فهد رغمًا عنه، ثم أنهى المكالمة.بعدها اتجه إلى سليم، الذي سأله فور أن رآه:- هيرجع إمتى؟تنهد فهد وقال:- مش عارف بس باي
أما مي...فكانت تجلس بينهم شاردة وحزينة، وقد بدت ملامحها شاحبة، وكأنها تحمل فوق قلبها جبلًا من الهموم.لاحظ سليم حالتها، فقال بحنان:في حاجة يا حبيبتي مضيقاكي؟رفعت إليه عينيها وقالت بتردد:ممكن أتكلم مع حضرتك؟ابتسم لها وقال:اتفضلي يا بنتي.قصت عليه مي كل ما حدث بينها وبين شريف، ولم تُخفِ عنه شيئًا، واعترفت بكل أخطائها.ظل سليم صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء:أقولك رأيي؟هزت رأسها بالموافقة.فقال بجدية:إنتِ غلطي... وغلطك كبير كمان.خفضت مي رأسها في خجل.أكمل سليم:إنتِ جرحتِه جامد في كرامته ورجولته. إنك مش عاوزة تخلفي منه، وكمان من غير علمه... دي حاجة صعبة على أي راجل.ثم تنهد وأضاف:وشريف، على قد ما هو بيضحك ويهزر، لكنه راجل صعيدي، والكرامة عنده كبيرة أوي.انفجرت مي في البكاء وقالت:طيب أعمل إيه؟ هو مش مديني فرصة حتى أعتذر له.ربت سليم على يدها بحنان، وقال:بصي يا بنتي... الحل عند الحاجة راوية.رفعت مي رأسها باستغراب:يعني أكلمها؟ابتسم وقال:لا... تروحي لها الصعيد. هي اللي هتصالحكم.ثم أضاف بثقة:راوية ست شديدة، لكن طيبة وعاقلة، وشريف عمره ما يكسر لها كلمة أبدًا.مسحت مي دموعها وقال
وصلوا إلى الفيلا، وما إن دخلوا حتى وجدوا نيروز تقف في انتظارهم، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحها.اقتربت منهم مسرعة وقالت بلهفة:إيه أخباره؟ عامل إيه دلوقتي؟أجابتها ملك بصوتٍ يغلب عليه الإرهاق:- الحمد لله وإن شاء الله هيبقى بخير.ثم التفتت إلى سليم وقالت برفق:- اتفضل يا جدو، لما أوصلك أوضتك.أمسكت بيده بحنان، وساعدته حتى أوصلته إلى غرفته.جلس سليم على حافة الفراش، مستندًا برأسه إلى عكازه، بينما كانت عيناه تفيضان بالدموع، وكأن ما يحمله قلبه من خوف يفوق قدرته على الاحتمال.اقتربت منه ملك، وجثت أمامه، ثم قالت بحنان:- جدو حبيبي، وحِّد الله، إن شاء الله عمر هيبقى بخير.تنهد سليم بعمق، وقال بصوتٍ متحشرج:- إن شاء الله يا بنتي.ابتسمت له ابتسامة مطمئنة، ثم قالت برفق:- من فضلك يا جدو، بلاش تشيل هم أكتر من كده علشان ما تتعبش. ارتاح شوية، وبكرة من بدري نبقى معاه.هز رأسه موافقًا وقال:- إن شاء الله.ابتسمت له، ثم أخذت عكازه من يده، وساعدته على الاستلقاء باعتدال فوق الفراش، قبل أن تدثره جيدًا بالغطاء.أطفأت الأنوار بهدوء، ثم ألقت عليه نظرة مطمئنة أخيرة، وغادرت الغرفة، لتغلق الباب خلفها برف







