Share

الجزء السابع

last update publish date: 2026-04-25 21:30:20

​بعد مرور خمسة أشهر..

​كانت الشقراء جالسة وسط القصر على سجادة من الريش الأبيض، أمامها كتاب تكتب فيه؛ تارة تعض قلمها وتارة تقطع ورقة، وشعرها الأشقر منسدل على ظهرها. أحست بشخص بجانبها فرفعت عينيها، ووجدت أمير ينظر إليها.

تالا: تعلمت كل اللغات إلا الفرنسية.. إنها معقدة جداً. ثم نفخت خدها بسخط.

جلس أمير بجانبها وأخذ منها القلم وكتب جملة في كتابها ونظر إليها: حاولي قراءتها.

قربت الدفتر نحوها وبدأت تنظر فيه، ثم رفعت عينيها ونطقت بصوتها الرنان: Tu es belle .

أمير: ما معناها؟

تالا: أنا فاتنة.

أمير: أنتِ فاتنة، هذا هو معناها.

تالا بابتسامة قاتلة: Tu es gentil avec moi .

ربت أمير على شعرها وقال: هذا واجبي.. هل أكلتِ شيئاً؟

هزت تالا رأسها نفياً: لست جائعة.

أمير: ولكن انظري لنفسكِ كم أنتِ نحيفة. ثم وقف ومد يده إليها: تعالي معي.

​بقيت طويلاً تنظر إلى يده بتردد، فهي تشعر برابطة قوية مع جلال، ربما هو الشخص الوحيد الذي تثق به، ولكن ما السبب؟ جمع أمير يده وابتسم لها بطمأنينة ونطق بصوته الهادئ: هيا تعالي، أنا لن ألمسكِ.

ابتعد عنها قليلاً فرآها واقفة تعدل فستانها الأبيض وتسحبه للأسفل. تحرك فتبعته، تاركة مسافة بينهما.

​دخلا المطبخ الذي كان كبيراً باللون الأبيض وفيه طاولة في الوسط. أشار برأسه للخادمات فخرجن، ثم جرّ لها كرسياً.

أمير: تعالي اجلسي هنا.

هزت رأسها بالموافقة وجلست بهدوء. توجه أمير نحو المخزن وبدأ يخرج المستلزمات التي يحتاجها، كان يريد إعداد "تشيز كيك" لها. أخرج السكر والبيض، وما إن سحب كيس الطحين وفتحه بسرعة حتى تطاير الطحين على وجهه وغطاه بالبياض. قطب حاجبيه، لكن سرعان ما ابتسم وهو يسمع صوت قهقهاتها. أراد فتح عينيه ليراها، حتى شعر بيديها الرقيقتين والدافئتين على وجهه تمسحان عنه الطحين. كانت يداها كالمخدر بالنسبة له، وارتفعت درجة حرارة جسده حتى سمع صوتها الهادئ الرقيق.

تالا: انظر ماذا فعلت بنفسك.

أمير وهو يفتح عينيه ليراها واقفة بجانبه تمسح وجهه المغطى بالطحين: لو كنت أعلم أنكِ ستضحكين هكذا لفعلت ذلك منذ زمن.

تالا وقد ابتسمت حتى ظهر بياض أسنانها: شكلك أضحكني. ثم رفعت عينيها الرماديتين نحوه: هل أساعدك؟

هز رأسه بالموافقة وبدأ يريها كيف تضع المكونات في إناء وهي تخلطها.

أمير: هل تريدين أن نصنع عجينة ملونة؟

هزت رأسها بالموافقة وهي مركزة في خلط العجينة بالخفاقة الكهربائية. ذهب إلى أحد الأدراج وأخرج بعض الملونات الغذائية ووضعها أمامها.

أمير: أي لون أعجبكِ؟

بقيت تنظر إليها وهي تنفخ خدها وتفكر، ثم اختارت اللون الوردي.

تالا: هذا جميل.

ابتسم أمير وهو يراها تتحدث وتتحاور معه. وضع بعض القطرات في العجينة فعادت لخلطها وهي مبتسمة، وعندما انتهت وامتزج الملون بالعجين، أخرج القالب المخصص ووضعت فيه العجينة.

أمير: لا تملئيه كثيراً لكي لا يفيض عند النضج.

استمعت لكلامه وأنقصت الكمية، وبقي ينتظرها حتى أكملت على راحتها، ثم أخذ القالب منها ووضعه في الفرن الذي جهزه مسبقاً. بقيت واقفة أمام الفرن تراقب العجين وهو يرتفع وهي تعض على شفتها، وشعرها الأشقر ينسدل على كتفيها، وأمير يتكئ على كرسي خلفها وينظر إليها.

​حتى سمع صوت الخادمة من الخلف.

مرام: آنسة تالا، السيد جلال يريدك.. معلمة القنص قد وصلت.

تالا وعيناها على العجينة التي تنضج: لستُ متفرغة.

مرام: ولكن المعلمة..

التفتت إليها تالا بغضب وبحدة قالت: قولي له إنني لستُ متفرغة.

نظرت إليها مرام وهزت رأسها، وعادت لتبلغ جلال بما قالته تالا. بينما أمير ظل واقفاً يراقب تغيرها، حتى رآها تنظر إليه بنظرة فرح وتشير نحو الفرن كطفلة صغيرة.

تالا: لقد نضجت.. لقد نضجت!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [18_19]

    ​▪️التفاتة واحدة إليكِ.. فأصبح العنق مشلولاً مجمداً▪️​شعر بثقل يديها فوق يديه ورأى تشبثها به، فرسم ابتسامة رضا على رد الفعل العفوي الصادر منها. اتجه بها بخطوات موزونة وبطيئة نحو الباب لينزلا إلى مكان الحفل، بينما كانت عيناها تلمعان كطفلة صغيرة.. تالا الفتاة البريئة، بجمال نقي كنقاء الملائكة.​كانت تمسك طرف فستانها لتتمكن من النزول على الدرج، ويدها الأخرى تتشبث بذراع أمير، تنظر بفضول جليّ بعينيها الرماديتين إلى الناس الواقفين في الحديقة. أخيراً وصلا، فرأت النساء اللاتي يرتدين ملابس راقية تشير إلى أنهن نساء نبيلات حضرن رفقة أزواجهن، وأخريات بملابس لافتة. شعرت بأمير يلتفت وينظر إليها قائلاً:​"ابقِي بجانبي حتى لا تضيعي."​هزت رأسها بالموافقة وتوغلا أكثر بين الحضور. كانت ترسم ابتسامة ساحرة على وجهها، رغم شعورها بالتوتر والخجل من الأنظار التي تلاحقها وتستكشف جمالها، حتى ضغطت على يد أمير، الذي بدوره انزعج من تلك العيون المراقبة، فاتجه بها إلى طاولة بعيدة قليلاً عن الأنظار. كانت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تضفي لمسة خاصة على المكان، يتخللها صوت اصطدام الكؤوس. بدأت تستكشف الأجواء بعينيها حتى

  • انثى تغري الهلاك    الفصل [16_17]

    أمير: ولكن.. بالأمس أنتِ.. (لزم الصمت مدة ثم نطق): ما هو آخر شيء تتذكرينه من ليلة أمس؟تالا: كنا نشاهد فيلم "الجميلة والوحش"، ومن بعدها نمت، هذا ما أتذكره.وضع يده على جبهته ونظر إليها، كانت تتحدث بجدية وملامحها هادئة، فتنهد وقال:أمير: حسناً.. انزلي لتناول فطوركِ وجهزي نفسكِ للحفلة.تالا (ابتسمت حتى ظهرت غمازتها): ستأتي للحفلة، أليس كذلك؟أمير: لا أعرف.شعر بيديها الدافئتين تمسكان كف يده الباردة، متشبثة به وهي تتحدث بنبرة ترجٍّ طفولية؛ فهي رغم أنها لم تتخطَّ سن التاسعة عشرة، إلا أن حركاتها العفوية تجعلها تبدو كطفلة ترجو والدها أن يسمح لها باللعب في الخارج.تالا: لا، أرجوك.. عدني أنك ستأتي، لا تتركني أنزل وحدي، سيكون هناك الكثير من الناس وسأتوتر إذا بقيت في مواجهتهم وحدي، أرجوك.نظر إليها وحرك رأسه بالموافقة. لم يشعر إلا وهي تعانقه وتتشبث به، أراد أن يبادلها العناق لكنه وجد أن قميصها الحريري قد ارتفع عن ظهرها وبان بياض بشرتها، فخجل من وضع يديه على جسدها، وخاف أن تنزعج من لمساته أو ربما لم يضمن سيطرته على نفسه، فقبض يديه خلفه. ابتعدت عنه وعيونها تلمع، بينما ركز هو في لون عينيها الذي سح

  • انثى تغري الهلاك    الفصل [15]

    قناع البراءة والقدر المحتوم​اشرقت شمس اليوم الموالي بخيوط ذهبية تسللت عبر الستائر المخملية لغرفة تالا الفاخرة، لتوقظ تلك الجميلة الساكنة في عالم من التناقضات. جلست أمام مرآتها العتيقة، تسرّح خصلات شعرها الأشقر الطويل الذي كان ينساب بين أصابعها كالحرير المنصهر. كانت تدندن بلحن خافت، صوتها الأنثوي الساحر يملأ أركان الغرفة بهدوء يبدد وحشة الصباح، غافلة عما يخبئه لها القدر خلف أبواب هذا القصر الموصدة.​فجأة، قُطع حبل دندنتها بوقع أقدام رصينة، وانفتح الباب ليدخل "جلال" بهيبته المعتادة، مرتدياً حلة رسمية سوداء توحي بجدية ما يخطط له. كان يحمل بين يديه صندوقاً متوسط الحجم، مغلفاً بعناية، وضعه فوق السرير ببطء وهو يتفرس في ملامح وجهها عبر انعكاس المرآة. اقترب منها خطوة بخطوة، وحين رأى اللطف يطل من عينيها الرماديتين، أيقن أن "الذئبة" قد غادرت لترك الساحة لشخصية تالا الرقيقة، تلك الفريسة السهلة في نظره.​جلال بنبرة أبوية مصطنعة: "صباح الخير يا تالا.. كيف حالكِ في هذا الصباح المشرق؟"تركت المشط من يدها والتفتت إليه بكامل جسدها، مجيبة بابتسامة دافئة: "أنا بخير يا جلال، أشعر اليوم بهدوء لم يعهده عق

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [14]

    ​كانت تتحدث بقوة وجرأة تتناقض تماماً مع شخصيتها الحقيقية الهشة والعفوية. كان أمير يراقبها بصمت مطبق، فماذا عساه أن يقول؟ وكيف يحاور أنثى تبرر جريمتها بمنطقية مرعبة؟ شعر بأنفاسها الساخنة تقترب منه، فرفع عينيه العسليتين لتصطدم بنظراتها الرمادية، وسمع صوتها الرنان يخاطبه:تالا: صدقني، لن تتحملني. ربما وقعت في إعجاب تالا، تلك الفتاة اللطيفة والجميلة، لكن كل شيء سيتغير؛ لأنني سأكون أنا المسيطرة في أغلب الأوقات. لا تبنِ أحلاماً كثيرة، لأنك المتضرر الوحيد في النهاية.(مررت يدها على لحيته ببطء وأكملت): أنت لطيف للغاية، وتستحق امرأة أفضل منا.. أعني نفسي وتالا معاً. ستصبح حياتك فوضى عارمة إن دخلتها، فلن تعرف متى تكون تالا هي المحكمة في هذا الجسد، ومتى أكون أنا.​ابتعدت عنه والتفتت لتغادر، لكنها شعرت بيده تقبض على معصمها وتجذبها نحوه بقوة حتى انحنت قربه، وغطى شعرها الأشقر وجهها. سمعت صوته الرجولي الهامس الذي جعلها تغمض عينيها، بينما كان يبعد خصلات شعرها ليتبين ملامح وجهها الفاتن:أمير: سأنقذها من هذا كله.. منكِ، ومن أي شخص ينوي أذيتها.رسمت ابتسامة استهزاء على شفتيها وفتحت عينيها لتنظر إليه:تال

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [12_13]

    ​تالا: تعال بجانبي..​نظرت إليه وهي ترفع طرف الغطاء وتدعوه بعينيها الرماديتين. ابتلع ريقه بتوتر؛ ففكرة مشاركتها الغطاء ذاته شتتت تفكيره، لكنه اقترب وجلس بجوارها دون وعي منه. وضع الحاسوب المحمول على قدميه وبدأ يبحث عن فيلم ما، بينما كان يشعر بأنفاسها تداعب خده، حتى وضعت يدها بخفة فوق يده لتوقفه حين جذبها أحد الأفلام.تالا: هذا يبدو جميلاً..​نظر إلى الشاشة وعقد حاجبيه؛ كان فيلماً يجسد قصة "الجميلة والوحش" بشخصيات واقعية. شغل الفيلم بهدوء، وراقبها وهي تتابعه بتركيز شديد. طوال ساعة ونصف، كانت قد أسندت رأسها إلى كتفه واستغرقت في المشاهدة، غافلة عن عينيه اللتين لم تتوقفا عن تأملها. فجأة، دلت شفتيها بطفولية وقالت بصوت رقيق: هذا مجرد كذب.أمير: لماذا تقولين ذلك؟ القصة تريد إيصال معنى أن من يحبك حقاً، سيحبك كما أنت.تالا وهي ترفع رأسها لتنظر إليه: لو كان هذا صحيحاً، لما عاد الوحش أميراً في نهاية القصة، بل لبقي وحشاً وعاشا معاً.. لا أحد يحب الجانب المظلم والقبيح فيك.أمير وهو يضع يده على شعرها بهدوء: أحياناً يكون من الجيد ألا ندقق في حقيقة الأشياء يا تالا.​نظر إليها مطولاً، وكأنه يخشى الكلمات

  • انثى تغري الهلاك    الفصل الحادي عشر

    ​وضعت هي الأخرى يدها على جانب فمها مستغربة من حركته، حتى رأته يتحدث معها بلطف.أمير: كانت هناك القليل من الكريمة على جانب فمكِ.تالا بلطف: آااه.. شكراً.أمير: إذن، ما رأيكِ في الدروس التي تتلقينها؟تالا: أنا جيدة في اللغات، ولكنني أكره اللغة الفرنسية، إنها معقدة جدا. هل من الضروري أن أتعلمها؟أمير: فقط حاولي أن يطلق لسانكِ بها، لا تعلمين متى قد تحتاجين إليها.تالا: هل حقاً انخفض ضغطي؟ آخر شيء أتذكره هو أن جلال أدخلني إلى ممر طويل حتى وصلنا لقاعة ضخمة، هذا كل ما أتذكره.​ظهرت علامات الاستغراب على وجهه؛ فهو حين خرج من القصر كان قد سمع صوت إطلاق نار من المكان المخصص للتدريب على القنص، وحين اقترب رآها خارجة من الممر وجلال يسير بعيداً عنها.أمير: ألا تتذكرين أي صوت، كصوت الرصاص مثلاً؟هزت رأسها نفياً بطفولية، وتحدثت بنبرتها الساحرة: لا، أنا لا أتذكر أي صوت.نظر إليها أمير وهي تبادله النظرات فابتسم لها وأشار نحو الصحن: كُلي جيداً لكي لا ينخفض ضغطكِ مرة أخرى.قال كلمته وهمّ بالنهوض من بجانبها، حتى شعر بيديها الناعمتين على ذراعه. التفت ونظر في عينيها الرماديتين اللتين يستحيل ألا يغرق المرء في

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status