Mag-log inبائعة الجسد
بقلم: DAMDOMA "حين تختلط العدالة بالمؤامرة... يصبح من الصعب معرفة من يحمل الشارة، ومن يحمل القناع." ظل اسم سليم المنصوري يلمع على شاشة هاتف العقيد يوسف لثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية. رأت أريام الاسم بوضوح، وشعرت بانقباض في قلبها. لماذا يتصل سليم بضابط شرطة؟ هل بينهما علاقة؟ أم أن الأمر مجرد مصادفة؟ أغلق يوسف الهاتف بسرعة، ثم رفع سلاحه نحو النافذة المحطمة. في الخارج، استمر تبادل إطلاق النار. كان رجال الشرطة يحاولون تحديد مكان القناص، لكن الطلقات كانت تأتي من أكثر من جهة، وكأن المهاجمين يعرفون تضاريس الغابة جيدًا. قال يوسف عبر جهاز اللاسلكي: "الفريق الثاني يلتف من الجهة الشرقية... لا تطلقوا النار عشوائيًا، هناك مدنيون في الداخل." نظر إليه آدم باهتمام. لم يكن تصرف رجل متواطئ مع العصابة. بل تصرف ضابط يحاول حماية الجميع. لكن الاتصال الذي رآه لا يزال يثير الشك. اقترب آدم منه وقال بصوت منخفض: "ما علاقتك بسليم المنصوري؟" رفع يوسف نظره إليه. بقي صامتًا لثوانٍ. ثم أجاب: "هذا ليس الوقت المناسب." رد آدم بحدة: "بل هو الوقت الوحيد." لكن قبل أن يكمل... انفجر إطار إحدى سيارات الشرطة في الخارج برصاصة قناص. صرخ أحد العناصر: "إنهم ينسحبون نحو التلال!" أصدر يوسف أوامره بسرعة: "لا تطاردوهم... قد يكونون يريدون استدراجكم." نظر آدم إلى هشام، وهمس: "هذا الرجل يعرف عمله." أجاب هشام: "قلت لك... يوسف لا يخون القانون." بعد نصف ساعة... ساد الهدوء أخيرًا. فر المهاجمون دون أن يتركوا أثرًا واضحًا. دخل أحد رجال الشرطة إلى الكوخ وهو يحمل شيئًا صغيرًا داخل كيس شفاف. "سيدي... وجدنا هذا قرب مكان القناص." أخذ يوسف الكيس. كان بداخله زر معدني يحمل شعارًا غريبًا. تقدم نبيل فجأة، وما إن رأى الشعار حتى شحب وجهه. همس: "مستحيل..." التفت الجميع إليه. سألته أريام: "هل تعرف هذا الرمز؟" أغمض نبيل عينيه للحظة، ثم قال: "إنه شعار جمعية قديمة كانت تموّل المصممين الشباب..." توقف. ثم أكمل بصوت أثقل: "...لكنها كانت أيضًا الواجهة التي اختبأت خلفها الشبكة." ساد الصمت. أخذ يوسف الزر وتأمله طويلًا. ثم نظر إلى أريام. وقال: "أعتقد أن القضية التي تطاردك... أكبر بكثير مما وصل إلى ملفات الشرطة." وقبل مغادرتهم الكوخ... اقترب يوسف من أريام بعيدًا عن الآخرين. خفض صوته حتى لا يسمعه أحد. "هناك سبب لاتصال سليم بي." حبست أريام أنفاسها. "ما هو؟" أجاب بهدوء: "قبل سنوات... كان هو من طلب مني إعادة فتح ملف حريق دار ألما." اتسعت عيناها بدهشة. "هو؟" أومأ يوسف. "ولم يطلب مني إغلاقه يومًا." تجمدت أريام في مكانها. إذا كان سليم هو من أعاد فتح القضية... فهل هو عدو؟ أم أنه يبحث عن الحقيقة مثلهم؟ لكن يوسف أضاف جملة أخرى زادت الأمر غموضًا: "ومع ذلك... لا أثق به." وفي اللحظة نفسها، أخرج آدم الدفتر الأسود الذي تركته ليلى. فتحه على أول صفحة. وكانت أول جملة مكتوبة بخط واضح: "إذا قرأتِ هذه الكلمات يا أريام... فاعلمي أن الشخص الذي ظننته سبب مأساتنا... لم يكن العدو الحقيقي." تسارعت أنفاس الجميع. من كانت تقصد ليلى؟ "الحقيقة لا تُقال دفعة واحدة... لأنها قد تحطم القلب قبل أن تُنقذه." ساد الصمت داخل الكوخ. لم يجرؤ أحد على مقاطعة أريام وهي تحدق في الصفحة الأولى من الدفتر الأسود. ارتجفت أصابعها وهي تقلب الورقة التالية. كان خط والدتها أنيقًا، هادئًا، وكأنها كتبت كل كلمة وهي تعلم أن ابنتها ستقرؤها بعد سنوات. بدأت تقرأ بصوت مرتجف: "ابنتي أريام... إذا وصل إليك هذا الدفتر، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك كما وعدتك. سامحيني، فقد كنت أظن أن إخفاء الحقيقة هو السبيل الوحيد لإنقاذك. ستسمعين عن خيانة، وعن أموال، وعن حريق... لكن لا تصدقي كل ما سيُقال لك. في تلك الليلة، كان الجميع ضحايا، حتى من ظننتِ أنه سبب مأساتنا." توقفت أريام عن القراءة. امتلأت عيناها بالدموع. همست: "أمي..." اقتربت أمينة، وربتت على كتفها بحنان. "كم تمنيت أن تخبرك بنفسها." أكملت أريام القراءة. "أخفيت شيئًا واحدًا فقط... لأن كشفه في ذلك الوقت كان سيحكم علينا جميعًا بالموت. إذا أردتِ معرفة الحقيقة، فلا تبحثي عن المال... ولا عن الحريق... بل ابحثي عن أول تصميم رسمته بيدي." رفع زياد رأسه بسرعة. "أول تصميم؟" نظر نبيل إلى الفراغ، ثم قال: "أتذكره..." التفت الجميع إليه. "ليلى أطلقت عليه اسم طائر العنقاء." سأله آدم: "أين هو الآن؟" تنهد نبيل. "بعد الحريق... اختفى." فتح زياد حاسوبه وبدأ يبحث في أرشيف الصور القديمة. وبعد دقائق، ظهرت صورة باهتة من معرض أزياء أقيم قبل أكثر من عشرين عامًا. كبر الصورة. كانت ليلى تقف بجوار فستان أبيض مطرز بخيوط ذهبية، وعلى صدره تطريز لطائر ينهض من اللهب. قال نبيل: "هذا هو..." ابتسمت أمينة وسط دموعها. "كانت تقول إن الإنسان يستطيع أن يولد من جديد مهما احترق." نظرت أريام إلى الصورة طويلًا. ثم همست: "هذا التصميم يشبهني..." ابتسم آدم لأول مرة منذ ساعات. وقال: "وربما لهذا السبب تركته لك." لكن فجأة... صدر إشعار من حاسوب زياد. ظهر خبر عاجل على الشاشة: "شركة المنصوري العالمية تعلن عن عرض التصميم التاريخي (طائر العنقاء) في افتتاح مسابقة الأزياء، باعتباره قطعة مجهولة المصمم." وقف الجميع في آن واحد. قالت أريام بدهشة: "ماذا؟!" اقترب نبيل من الشاشة، وعيناه تمتلئان بالغضب. "هذا مستحيل..." سأله يوسف: "لماذا؟" أجاب نبيل: "لأن هذا التصميم لم يكن مجهولًا..." ثم نظر إلى أريام. "...بل كانت ليلى هي صاحبته." ساد الصمت. إذا كان التصميم سيُعرض في افتتاح المسابقة... فقد تكون تلك هي الفرصة الوحيدة لإثبات حق ليلى، وكشف أول خيط في الحقيقة. رفع آدم نظره إلى أريام. وقال بثقة: "لن ندخل المسابقة من أجل الفوز فقط..." توقف لحظة. ثم أكمل: "سندخلها لنستعيد اسم ليلى." أما في الطرف الآخر من المدينة... كان سليم المنصوري يقف وحيدًا داخل مكتبه، ينظر إلى نسخة قديمة من صورة تجمعه بليلى. مرر أصابعه على الصورة، وقال بصوت خافت لم يسمعه أحد: "سامحيني... لقد تأخرت كثيرًا"حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"
بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ
بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر
بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت
بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم