ログインاستمرت السيارة الفاخرة بالتقدم في أزقة المدينة الهادئة، والجو داخل المقاطعة المغلقة يزداد ثقلًا ورصانة مع كل متر يقطعونه. كانت سارة تجلس في المقعد الخلفي، تحاول كسر هذا الصمت الرهيب الذي يفرضه وجود والدها خلف المقود، فالتفتت نحو لارا بابتسامة خفيفة تلمع في عينيها قائلة: "يا أبي... لو رأيت كيف لارا سحبت شعرها! لقد كان ذلك مضحكاً للغاية، تحركت قبضتها بسرعة خاطفة... لقد استحقت تلك المرأة ما حدث لها بالكامل!" لم تكتمل ضحكتها الطفولية حتى جاءها صوت مراد الرخيم ملطخاً ب غضب مكتوم، ليقطع فرحتها ب صرامة قاطعة: "منذ متى وأنتِ تشجعين مثل هذه التصرفات والأساليب يا سارة؟" سكتت سارة على الفور، وانكمشت في مقعدها ب خجل وارتباك، بينما التفتت لارا ونظرت إلى ملامح مراد الحادة عبر المرآة العاكسة، وقالت ب تهكم وسخرية لاذعة: "يبدو أن قبضتي لم تتحرك وفق الأصول والبروتوكولات الرفيعة لعائلة آل مهران...ولن اعتذر عن اسلوبي لقك لقنها درسًا جيدًا!" ضغط مراد على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصِله، وقال بصوت خفيض يحمل تهديدًا صريحًا : "يكفي يا لارا! ألا يجدر بكما التحدث معي وإبلاغي قبل إحداث مشاكل لا
عندما رأت المرأة مراد يترجل بقامته الشاهقة وسارة تركض نحوه وهي تنادي بحشرجة: "أبي!"، صعقت تمامًا وتسمرت حواسها في مكانها. سقط الهاتف النقاد من كفها المرتجفة ليرتطم بالأرض، وكانت الصدمة حادة وواضحة على ملامحها الشاحبة؛ إذ أدركت في لحظة خاطفة حجم الكارثة التي أوقعت نفسها وابنتها فيها. خطى مراد بخطوات ثقيلة واثقة نحو التجمع، ونظر إلى لارا بعينين تشعان غضبًا مكتومًا وشرارًا حادًا، ثم نطق بلهجة تحذير قاطعة لا تحتمل النقاش: "دعيها يا لارا" رغم الجرأة التي أبدتها لارا طوال المشاجرة، إلا أن خوفًا فطريًا تسلل إلى صدرها حين شهدت ذاك الغضب العاصف في عيني مراد؛ فملامحه الحازمة وهيبته الطاغية كانتا كفيلتين بإشعار أي شخص بالرهبة. ومع ذلك، وبسبب كبريائها وعنادها الجامح، لم تستطع ترك شعر المرأة فورًا لمجرد أمره، وظلت متمسكة بموقفها للتظاهر بالثبات. ولم تفلت قبضتها إلا عندما ركضت سارة نحوها بخوف ولهفة، وأمسكت بساعدها وسحبت يدها ببطء وهي تتوسل إليها بعينيها أن تنهي هذا الموقف. التفت مراد بنظراته الثقيلة نحو المرأة التي كانت ترتجف بذعر، وتفحص وجهها بنبرة سردية صارمة ثم قال: "ألستِ زوجة ماهر ال
رنت سارة على أبيها مراد، وفي تلك الأثناء كان مراد في سيارته راجعًا من سفره الخاطف متوجهًا نحو البيت، وقبل أن يمر موعد خروج سارة من المدرسة بساعة كاملة، رن هاتفه بنغمتها الخاصة. أجاب مراد وهو يقود ب رصانة: "نعم يا ابنتي؟" ردت سارة ب صوت مضطرب يحاول كتم الخوف: "أبي... كيف حالك؟" قال مراد وعيناه على الطريق: "بخير... هل حدث شيء؟ ما زال هناك ساعة كاملة على انتهاء دوامكِ المدرسي" بلعت سارة ريقها وقالت ب ارتباك: "آه... أبي بخصوص المدرسة ولارا... لقد حضرت اجتماع أولياء الأمور اليوم!" عقد مراد حاجبيه ب استغراب وتساءل: "منذ متى كان هناك اجتماع؟" أجابت سارة ب سرعة: "أبي... لقد كنتَ مسافرًا ولارا أتت عندما علمت بالأمر، لا أعلم من أخبرها بالظبط، ربما إدارة المدرسة اتصلت بها" قال مراد ب هدوء حذر: "حسنًا.. وماذا هناك؟" قالت سارة ب هلع لم تستطع إخفاءه: "أبي، بصراحة... حتى إن كنتَ ما زلت مسافرًا فعليك تصرف وتولي الأمر فورًا! لارا وقعت في مشكلة كبيرة!" اعتدل مراد في مقعده وشُدت ملامحه: "ماذا؟ ما الذي حدث؟" قالت سارة وهي تلتفت نحو الشارع: "عليك أن تسرع! أخبر أحدًا من رجالك أو محاميك أ
وقبل أن تجيب سارة، ألمحت صديقاتها قادمات من بعيد، فتجاهلت لارا وسارت باتجاههن مسرعة لتتهرب من نظراتها المتفحصة. وقفت لارا على مسافة قريبة تكفي لسماع أصواتهن، حيث قالت إحداهن بغضب: "سارة، تلك الحقيرة... ماذا قالت لكِ مجدداً؟" ردت الأخرى بنبرة حادة: "إنها تتباهى علينا فقط! وماذا يعني إن كان والدها رئيس مجلس إدارة؟ أكره تلك الطبقة المخملية، جميعهم متكبرون!" ثم ربتت على كتف سارة وأردفت: "لا تحزني يا سارة... ستتلقى عقابها حتمًا" في تلك اللحظة، استدارت لارا بخطوات حاسمة ولحقت بالفتاة المتنمرة، فوجدتها واقفة مع والدتها في الفناء الخارجي بالقرب من البوابة. وعندما رأت سارة لارا تخرج خلف الفتاة، شعرت بالذعر ولحقت بها مسرعة؛ كانت سارة تخشى طوال الوقت أن يُكشف سر عائلتها وأن يعرف الجميع أنها ابنة صاحب شركة "غولباك" الشهيرة. ففي وسائل الإعلام، يُعرف مراد دائماً بـ "مراد غولباك" وليس "مهران"، وهو ما استغلته سارة بذكاء لإخفاء انتمائها لطبقة شديدة الثراء فهي لا تريد أن تخسر صديقاتها . شاهدت سارة لارا وهي تتقدم بثبات وثقة نحو الفتاة وأمها، لتفاجأ بلارا تقف أمامهما وتقول بنبرة هادئة وساخرة:
اندفعت سارة نحو الحديق بخطوات سريعة وملامح مشتعلة غضبًا كانت تشهد حزن ليلى ودموعها، وبحسب ظنونها ورأسها المعبأ بالشكوك، لم تكن ترى في لارا إلا دخيلة مجهزة بالشرور، تستغل غياب مراد لتضغط على ليلى وتكسر خاطرها وقفت سارة أمامهما متكتفة الذراعين، ونظرت إلى لارا بنبرة طفولية حادة تحمل الكثير من التحدي: "ما الذي تفعلينه هنا يا لارا؟ ولماذا تجعلين الآنسة ليلى تبكي؟ هل تظنين أن غياب أبي يمنحكِ السيطرة لتفعلي ما تشائين؟" فوجئت ليلى باقتحام سارة، ومسحت حافة عينها بسرعة لتدارك الموقف. ابتسمت ليلى بسخاء وقالت بهدوء تحاول من خلاله حماية السر وطمأنة الصغيرة: "سارة يا حبيبتي... لارا لم تفعل شيئاً يغضبني! أنا من جئتُ لأزورها، ولست أبكي... جئتُ أشكرها لأنها ساعدتني في إرجاع بيانات مهمة للعمل" نظرت سارة بين وجه ليلى الشاحب وملامح لارا الثابتة والهادئة، ولم تصدق التبرير تمامًا أن رقي ليلى في الدفاع عن لارا جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف بارتياب. نظرت إلى لارا بريبة أخيرة ثم قالت بصوت منخفض: "أنا فقط... أردتُ التأكد من أن كل شيء بخير" استدارت سارة وعادت نحو القصر بخطوات أبطأ، بينما تنهدت ليلى ب
وقفت لارا متسمرة في مكانها وهي تستمع لنبرة الصوت الناعمة والرسمية الآتية عبر السماعة: "مرحبًا... نحن إدارة مدارس الرائد النموذجية، هل أنتِ ولي أمر الطالبة سارة؟" ترددت لارا لوهلة، ثم أجابت بنبرة متزنة: "نعم... تفضلي، أسمعكِ" تابعت المتحدثة ب رصانة: "نود إعلامكم بعقد اجتماع أولياء الأمور الدوري نهاية هذا الأسبوع، ونتشرف بحضوركم لمتابعة المستوى الأكاديمي والتربوي لسارة" أنهت لارا المكالمة بعد أن أكدت استلامها للموعد وردت ب مجاملة لطيفة، ثم وضعت السماعة ب بطء وهي تغرق في تفكير عميق. كانت "مدارس الرائد" مدرسة خاصة ذات صيت جيد وسمعة طيبة، لكنها لم تكن أبدًا من المدارس المرموقة للغاية أو العريقة التي ترتادها بنات الطبقة المخملية وأبناء رجال الأعمال من طراز مراد مهران. أعادت لارا السماعة إلى صوفيا التي كانت تقف بالقرب منها، وسألتها ب فضول واستغراب لم تستطع كتمانه: "صوفيا... غريب جدًا، لماذا سارة مسجلة في هذه المدرسة تحديداً؟ ظننتُ أن ابنة مراد ستكون في إحدى المدارس الدولية الشهيرة!" تنهدت صوفيا ب ابتسامة خفيفة، وأجابت ب صدق: "في الحقيقة يا سيدتي، كان هذا طلب الآنسة سارة بنفسها؛ لق
داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجي
انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا
تتنفس المدينة الصعداء مع خيوط الفجر الأولى، وتتحرك الأزقة ببطء كأنها تستيقظ من حلم طويل. في زاوية ذلك الحي، تفوح رائحة الخبز الطازج ممتزجة بعبق الهيل المنبعث من الدكان الجديد الأنيق الذي افتتحه "أبو لارا" مؤخرًا مجهزًا إياه بواجهة زجاجية حديثة ورفوف خشبية مصممة بعناية تعكس ذوقه المنظم.تجلس لارا،
لم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان







