Startseite / التشويق / الإثارة / بعد أن انطفأت الأنوار / الفصل الأول: الباب الذي لم يُغلَق

Teilen

بعد أن انطفأت الأنوار
بعد أن انطفأت الأنوار
Hani

الفصل الأول: الباب الذي لم يُغلَق

last update Veröffentlichungsdatum: 04.10.2026 14:45:29

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة حين رنّ هاتف يوسف للمرة الثالثة.

جلست سارة إلى جواره على المنصّة المزدانة بالورد الأبيض، تُطبق أصابعها على كفّه كما يُطبق المرء على شيء ثمين يخشى أن يفلت. كان فستانها ثقيلًا بالتطريز، والثريّات تسكب فوق القاعة ضوءًا ذهبيًا على وجوه المدعوّين، وفرقة العود تعزف لحنًا يحفظه الجميع. غير أنها لم تكن تسمع إلا ذلك الاهتزاز المكتوم في جيب سترته.

أجِبْ عنه، همست أخيرًا. ما دام يُلِحّ هكذا فلا بدّ أنه مهم.

رمقها يوسف بنظرة غريبة لم تفهمها حينئذٍ. كان وجهه شاحبًا تحت الأضواء، وعضلة صغيرة تنتفض قرب فكّه.

دقيقتان فقط يا سارة. لن أتأخر.

نهض وهو يعدّل سترته، ثم توقّف وانحنى فقبّل جبينها قبلة طويلة ظنّتها أثرًا من توتر العرس. وحين ابتعد، لاحظت أن أصابعه ترتجف وهو يُخرج الهاتف.

تتبّعته بعينيها وهو يعبر القاعة بين الموائد، يتفادى الأيدي الممدودة للتهنئة، حتى ابتلعه الباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة. ابتسمت لأمها التي لوّحت لها من بعيد، وأجابت ابنة عمها التي سألتها إن كانت متعبة، وانتظرت.

كان مقعد هاشم الهاشم عند المائدة الأولى خاليًا، وفنجان قهوته ما يزال نصف ممتلئ وقد برد فوق الطبق. لم تنتبه لغياب والد يوسف إلا الآن. خطر لها أنه خرج ليدخّن، ثم طردت الخاطر كما تُطرد ذبابة عن طبق حلوى.

مضت الدقيقتان، ثم عشر دقائق.

جاء المصوّر يطلب لقطة الرقصة الأولى، فاعتذرت: «العريس في الخارج، أمهلني قليلًا». ثم أقبلت ليلى، شقيقتها، بفستانها الزمرّدي وعينيها الواسعتين، وجلست إلى جوارها.

أين يوسف؟

يردّ على مكالمة.

منذ ثلث ساعة؟

لم تجب سارة. قامت، وجمعت أطراف فستانها في قبضتيها، وسارت نحو الباب الزجاجي وسط همس يلاحقها كالنمل.

كانت الحديقة خاوية. مصابيح الزينة تتأرجح بين الأشجار، ونافورة صغيرة تُردّد خريرها وحدها، وعلى حافة الحوض المرمري رقدت ربطة عنق يوسف الفضّية مطويّة بعناية، كأن صاحبها تركها هناك ليقول شيئًا لم يجرؤ على قوله.

انحنت والتقطتها. كان القماش لا يزال دافئًا.

ضمّتها إلى صدرها بيدين مرتجفتين، وشمّت فيها عطره الخشبي الذي اختارته له من بين ست زجاجات في ذلك المتجر الصغير. كان العطر أول ما أدركت أنها ستفتقده.

يوسف!

ردّ الجدار الخارجي صدى اسمه. ركضت إلى البوابة الحديدية فوجدت الحارس يتثاءب فوق كرسيّه.

هل رأيتَ العريس؟

خرج منذ نصف ساعة يا آنسة... يا سيدتي. ركب سيارة سوداء كانت تنتظره عند الناصية، وقال إنه سيعود حالًا.

سيارة مَن؟

هزّ الحارس كتفيه.

عادت إلى القاعة بخطوات لا تشبهها. كان وجه أمها أمينة أول ما وقعت عليه عيناها: متجهّمًا، شاحبًا، وقد أدركت أمها من مشيتها أن شيئًا ما انكسر.

ماذا حدث يا ابنتي؟

لا أعرف.

اتصلت بهاتفه عشرين مرة. في المحاولات الأولى امتدّ الرنين طويلًا، ثم صار صوت آلي بارد يعلن أن الهاتف مغلق. حاول عمّها عادل أن يبدو حازمًا، فجمع الرجال في الركن البعيد وراح يوزّع التعليمات بصوت خافت: «إلى شقته، إلى بيت أبيه، إلى المستشفيات القريبة». وانطلقت السيارات واحدة تلو أخرى، كموكب جنازة بلا ميت.

أما القاعة فأخذت تفرغ ببطء. المدعوّون يتناولون حقائبهم ويودّعون العائلة بوجوه مشدودة، وتتسرّب العبارات المنمّقة: «خيرًا إن شاء الله»، «لعلّه ظرف طارئ». وبين الحين والحين تلتقط أذنا سارة همسة أخرى: «مسكينة... تُرى ما الذي كان يخفيه؟»

وفي صدر القاعة ظلّ قالب الحلوى ذو الطبقات الأربع على طاولته لم يُقطع منه شيء، وعلى قمّته تمثالان صغيران من السكّر لعروس وعريس يقفان متجاورين. مدّت سارة إصبعها وأسقطت تمثال العريس عن القالب. لم تعرف أفعلت ذلك غضبًا، أم لأنها لم تحتمل أن تراه واقفًا في مكانه بينما غاب صاحبه.

جلست على درج المنصّة الجانبي ونزعت حذاءها ووضعت ربطة العنق في حجرها. حاولت أن تستحضر شيئًا، أي شيء: كلمة قالها، نظرة، اسمًا عابرًا ذُكر على مائدة الخطوبة. لكن الأسابيع الأخيرة كانت زحامًا من البروفات والبطاقات والتفصيلات، ولم يظهر يوسف فيها إلا رجلًا مبتهجًا يعدّ الساعات.

عند الثالثة فجرًا عاد عمّها عادل، وقد غارت عيناه من الإرهاق، وقال دون أن ينظر إليها:

شقته مغلقة، وأبوه لا يردّ، وأخوه يقول إنه لم يره منذ العصر.

والسيارة السوداء؟

ربما صديق قديم.

عمّي، العريس لا يترك عروسه في قاعة زفافها من أجل صديق قديم.

رفع إليها عينين لم تفهم ما فيهما، ثم قال بنبرة أقرب إلى الأمر:

اذهبي إلى البيت ونامي. غدًا تتضح الصورة.

لم تنم.

قعدت في غرفتها القديمة حتى انبثق الفجر رماديًا من وراء الستائر، وفستان الزفاف مبسوط على السرير كجسد فارغ. ثم لمحت في كفّها اليسرى ما كانت قد نسيته: الخاتم الذي ألبسها إياه يوسف بيديه قبل ساعات، وقد ترك على إصبعها أثرًا أحمر ضاغطًا.

خلعته ببطء وأدارته تحت ضوء المصباح. كان النقش الدقيق ما زال هناك: «سارة، وطني الذي اخترت».

أمسكته بين إبهامها وسبّابتها ثم أودعته الدرج وأحكمت إغلاقه بالمفتاح، وهي لا تدري أتحمي الخاتم من الضياع... أم تحمي نفسها منه.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل السابع والعشرون: جنازة

    مات هاشم الهاشم فجر الخميس، قبل أن يعرف أن القراءات المزوّرة انكشفت وأن ما قاله على السرير أصبح سندًا.جاءها الخبر من كريم، بصوت مبحوح لا يشبه أي صوت سمعته منه من قبل: أبي انتهى. ماتت ضربات قلبه نصف الليل. لم أستطع أن أتصل بيوسف. ظلّ جالسًا جنبه في الغرفة ولا يرفع رأسه.ذهبت إلى المستشفى في السادسة، ورأته حيث قال كريم: جالسًا على الكرسي المعدني، ويده ممدودة تلمس يد الجسد الممدّد، وعيناه مفتوحتان على الجدار. لم تتكلم. وقفت خلفه لحظة، ثم وضعت كفّها على كتفه برفق، فلم يتحرك.ظلّا هكذا دقائق طويلة. ثم همس بصوت ملؤه الرمل:كنتُ أريده أن يموت وأنا غاضب منه. وها هو يموت، ولا أعرف أين أضع هذا الغضب.ضعه بجانب الحزن، قالت. هما يتعايشان.جاءت الممرضة بملف الوفاة وسألت عن اسم الأقرب لتوقيع الاستلام. نهض يوسف كمن يُستدعى من قاع بئر ووقّع بخط ثابت، ثم التفت إلى سارة:أبي طلب مني أن أسألك شيئًا قبل أن يموت. لم أجرؤ حتى الآن.اسأل.طلب ألّا تغفري له بسرعة. قال إن المغفرة السريعة تشبه الإهمال، وإنه يريدك أن تنتظري الحقيقة كلها.جرت الجنازة بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد صغير بالمنتزه. امتلأ الصحن برجال في

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل السادس والعشرون: يوم المدقِّقة

    وصلت لوسي كارتر إلى الإسكندرية في صباح عاصف، بحقيبة سوداء وسترة رمادية ونظرة لا تعرف المجاملة. كانت مدقّقة من لندن، في الخمسين من عمرها، تتحدث العربية بلكنة ثقيلة لكنها دقيقة، وقد قالت لريم الجندي في المطار إنها لا تريد فنجان قهوة، بل تريد الأرقام.استقبلتها سارة عند بوابة الفنار بخوذة بيضاء وابتسامة منضبطة.أهلًا بك في الموقع.دعينا نبدأ من الأساسات، قالت لوسي.لكن قبل أن تنزل إلى الحفر طلبت أن ترى سجلّ الرواتب. جلست في الكرفان تقلّب الكشوف، ثم نادت العم حسن وسألته بعربية متعثرة عن أجره اليومي ومتى يقبضه وهل تتأخر الدفعات. أجاب العجوز بصراحة أن الرواتب تُدفع في موعدها منذ أن جاءت الآنسة سارة، وأن هذا لم يحدث في مشاريع أكبر. دوّنت لوسي الجواب بلا تعليق، ثم رفعت رأسها وقالت: والآن، الأساسات.مشوا في البهو الطويل، وعرض يوسف قراءات الحسّاسات الخاصة بالتحرك الأرضي، متتبعًا بمؤشر الليزر خطوطًا على الشاشة. هزّت لوسي رأسها بتفحّص.الهبوط في الركن الشمالي سبعة ملّيمترات شهريًا. فما الذي حدث هنا؟بعد بدء التدعيم ثبت عند مليمتر واحد.أرني السجل.أخرج يوسف الجهاز اللوحي، ثم تجمّد. كانت القراءات

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الخامس والعشرون: أقساط من ورق

    عاد الأسبوع بما يمليه عادل المنصور على الدنيا: رسالة من البنك مختومة بالأحمر.وصلتْ إلى المرسم صباح الاثنين، وتسلّمها تامر وهو يقلّبها بيدين مرتجفتين. فتحتها سارة بهدوء، وقرأت الفقرة الأولى مرتين قبل أن تتأكد أنها لم تخطئ.«استنادًا إلى البند الثاني عشر من عقد التمويل العقاري، والمتعلق بتغيّر ظروف الضمان، يُطلب سداد كامل الرصيد المستحق خلال عشرة أيام».ثمانمئة وخمسون ألف جنيه، قالت لمريم. في عشرة أيام.لماذا الآن؟ كنتِ تسدّدين الأقساط بانتظام.لأنهم أرادوا أن يخنقوني. ولأن أحدًا من هناك يعرف أنني لن أستطيع.نظرت مريم إلى الحسابات بعين محاسبة تعلم أن الأرقام لا تكذب.لدينا مئتان وثلاثون ألفًا في حساب المرسم، والباقي مجمّد في مواد الفنار. وإن سحبنا ما بيدنا فسنتوقف عن دفع الرواتب.قال تامر من الباب: أستطيع أن أبيع سيارتي. هي قديمة، لكنها تدرّ خمسين ألفًا.التفتت إليه سارة بعينين فيهما امتنان وحنق في آن واحد: لن تبيع شيئًا يا تامر. ولو لمحتُ إعلانًا عن سيارتك لخصمتُ ثمنها من راتبك مضاعفًا.وماذا أفعل؟لا أعرف.مرّ اليوم الأول في صمت. في الثاني جاء يوسف إلى المكتب في المساء، وكان قد علم ب

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الرابع والعشرون: بيت أبو إبراهيم

    لم يكن للأوراق وحدها قوة كافية، فقد تعلّمت سارة هذا الدرس في المحاكم الصغيرة التي دخلتها بسبب مشاريعها. قال لها محامي المرسم، الأستاذ حمدي، صراحةً: الوثائق تثبت أن الشهادة مزوّرة، لكنها لا تثبت من زوّرها. نحتاج إلى شاهد حيّ.أجابها يوسف حين عرضت عليه الأمر: هناك رجل. المقاول الصغير الذي كان يشرف على صبّ الأعمدة في الشاطبي. اسمه إبراهيم عطية، لكن الجميع يسمّونه أبو إبراهيم. وجدتُ عنوانه في ملف أبي.سافرا معًا صباح الجمعة في سيارة يوسف المستأجرة إلى قرية صغيرة قرب دمنهور. سارت العجلات فوق طريق ترابي بين حقول القمح الشاحبة، وجلست سارة بجانب النافذة تعضّ على إصبعها، بينما قاد يوسف بصمت. بعد نصف ساعة سأل:هل أنتِ خائفة؟من ماذا؟من أن يرفض الكلام.بل من أن يتكلّم.كان بيت أبو إبراهيم من الطين والطوب الأحمر، له حوش صغير تنقر فيه دجاجات، وعلى عتبته كرسي بلا مسند. فتحت لهما امرأة ضئيلة بوشاح أسود، وقالت إن زوجها في الغرفة الداخلية. دخلا فوجدا رجلًا في السبعين، له ساق خشبية بيضاء مستندة إلى الجدار، يجلس أمام مذياع صغير.نظر إليهما بعينين ضبابيتين، ثم إلى سارة تحديدًا.أنتِ بنت المهندس محمود. ل

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثالث والعشرون: رسالة إلى ابنتي

    لم تردّ سارة على المكالمة. تركت الهاتف يرنّ حتى انقطع، ثم أعادته إلى جيبها وهي تنظر إلى الصندوق المعدني المفتوح.كان فيه ثلاثة أشياء. لفافة كبيرة من الورق الشفاف الأزرق، ومغلف بنيّ ثخين، ومظروف أبيض صغير كتب عليه بخطّ تعرفه كما تعرف انحناءة يدها: «إلى سارة».أمسكت المظروف بين أصابعها كمن يمسك فراشة مبللة. أرادت أن تفتحه فورًا، لكنها كبحت نفسها.أولًا الورق الأزرق، قالت لمريم ويوسف.فرشوا اللفافة على طاولة الغرفة الصغيرة. كانت مخطّطات إنشائية أصلية لعمارة الشاطبي بخط محمود المنصور، وفي كل صفحة ملاحظات بالحبر الأحمر عن سُمك الأعمدة ونسبة الإسمنت، وعلى الهامش تعديلات بخط مختلف مائل، فوقها شطب غاضب وعبارة: «لا. غير مقبول. هاشم، فكّر في الناس».هذه هي المواصفات الحقيقية، همس يوسف. وهذه التعديلات من أبي. وفرق الإسمنت وحده يكفي لانهيار طابقين.مرّت سارة بإصبعها على عمود مرسوم وسألت: ولماذا لم يقدّم أبي هذه الرسومات إلى النيابة يوم الحادث؟لأنه لو فعل لأدان أخاه، أجاب يوسف. ولأن أبي كان سيجرّه معه. كان الاثنان يدوران حول بعضهما، وكل منهما يخشى أن يسحب خيطًا فيسقط البناء كله.رفعت مريم عينيها

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثاني والعشرون: خزنة لا تُفتح وحدها

    صباح الأربعاء كانت مريم تقف أمام طاولة سارة بملف أصفر وعينين متوهجتين.وجدتُ القفل، قالت.ماذا وجدتِ؟المفتاح النحاسي رقم ثلاثة وثلاثين. أرسلتُ صورته إلى صديق في البنك الأهلي القديم بشارع فؤاد. قال إنه من النوع الذي يُستعمل في خزائن الأمانات قبل عام ألفين. وقد حدّد لنا الفرع: بنك الإسكندرية، فرع المنشية.وماذا يلزم لفتحها؟لذلك أنا قلقة. الخزنة مسجّلة باسمين: محمود المنصور وهاشم الهاشم. ولا تُفتح إلا بتوقيع الاثنين أو من ينوب عنهما قانونًا. وأبوكِ توفّي، وبقي الورثة، ولكن هاشم...لا يستطيع التوقيع في حالته.ولا يحقّ للبنك تجاوز ذلك.وقفت سارة ونظرت إلى النافذة. كانت أفكارها تدور مثل سنبلة في ريح، ثم هدأت عند خيط واحد: الشخص الوحيد القادر على تمثيل هاشم قانونيًا هو ابنه يوسف، ولا يملك ذلك إلا بتوكيل رسمي.ذهبت إلى المستشفى في الثانية ظهرًا، وفي يدها هذه المرة ورقة من محامي المرسم. وجدت يوسف في الممر يتحدث إلى كريم بصوت خفيض. حين لمحها انتفض الاثنان.نحتاج إلى توكيل، قالت دون تحية. توكيل من والدكما لأحدكما، يتيح فتح خزنة في بنك المنشية.وما فيها؟ سأل كريم.لا نعرف. لكن أبي أخفى مفتاحها

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status