Accueil / التشويق / الإثارة / بعد أن انطفأت الأنوار / الفصل الثاني: صباح بلا عريس

Partager

الفصل الثاني: صباح بلا عريس

Auteur: Hani
last update Date de publication: 2026-10-04 14:46:28

في التاسعة صباحًا كانت سارة واقفة أمام عمارة يوسف في حيّ سموحة، ما تزال تحتفظ بتسريحة الأمس، وقد ارتدت فوق ثيابها معطفًا رماديًا استعارته من خزانة أبيها الراحل. إلى جانبها وقفت ليلى تقضم أظافرها.

اقترب منهما بوّاب العمارة، عجوز يلفّ رأسه بشال صوفي، وراح ينقل بصره بين الفتاتين كمن يزن شيئًا ثقيلًا.

يا ست سارة، ما كنتُ أريد أن أتكلم، لكن يوم الثلاثاء الماضي صعد إلى الأستاذ يوسف رجل في الستين، طويل القامة، ووقف على بابه ساعة كاملة. سمعتُ صوت الأستاذ يرتفع مرة، ثم لم أسمع شيئًا.

وهل عرفتَ اسمه؟

لم يترك اسمًا. لكنه حين نزل كان وجهه وجه رجل انتصر... وهو حزين.

البوّاب يقول إنه لم يعد منذ أمس العصر، قالت ليلى. دعينا نذهب يا سارة، عمّي أوصى...

عمّي أوصى بكثير من الأشياء.

صعدت الدرج راكضة، ولم تنتظر المصعد. كان معها مفتاح الشقة الذي أعطاه لها يوسف قبل شهر ليبدآ تأثيثها معًا. أدارته في القفل فانفتح الباب بلا مقاومة.

كانت الشقة مرتّبة على نحوٍ مريب. الأريكة التي اختاراها بعد جدال طويل، والستائر الكتانية التي أصرّ عليها، وصورة صغيرة لهما على الشاطئ ما زالت في إطارها فوق المكتبة. أما مكتبه فكان فارغًا: لا حاسوب، ولا مخطوطات هندسية، ولا حقيبة الجلد التي لا تفارقه. وفي أحد الأدراج المفتوحة بقيت علبة أقلام الرصاص وحدها، أقلامًا مبرّاة بعناية.

لقد حزم أغراضه، قالت ليلى هامسة. قبل الزفاف!

لم تجبها سارة. فتحت خزانة ثيابه فوجدتها شبه خالية، وتحسّست آخر الرفّ فعثرت على قميص أبيض نسيه، رفعته إلى وجهها ثم أبعدته فورًا، كمن اكتشف أنه يعانق جثّة.

وعلى الرفّ الأخير، تحت كومة مناشف، وجدت دفتر ملاحظات صغيرًا بغلاف أزرق. قلّبته بسرعة: صفحات من الأرقام والقياسات، وفي آخره ثلاث صفحات مقصوصة بشفرة. مررت إصبعها على الحافة الحادة وعضّت شفتها حتى لا تصرخ.

هيّا بنا إلى بيت أبيه.

كان قصر آل الهاشم في المنتزه يتربّع خلف أسوار عالية. فتح لهما الخادم بوجه متحرّج، وقال إن السيد هاشم ليس موجودًا. غير أن سيارته السوداء الفخمة كانت رابضة في المرآب، ونافذة مكتبه في الطابق العلوي تسطع بالنور.

قل له إن سارة المنصور تنتظره في الحديقة. وسأنتظر ما شئت.

انتظرت أربعين دقيقة تحت شجرة جميز عتيقة. أتى أولًا كريم، شقيق يوسف الأصغر، بشعر مبعثر وعينين محمرّتين، وخرجت الكلمات من فمه متعثرة:

سارة... أنا آسف. لا أعرف شيئًا. أقسم.

وجهك لا يقسم معك.

أشاح بوجهه نحو العشب.

كريم، أين هو؟

ليتني أعرف.

لا. أنت تعرف أن أباك يعرف.

انسحب كريم إلى الداخل كمن يُطارد، وبعد دقائق ظهر هاشم الهاشم على الشرفة. كان رجلًا في الخامسة والستين، فارع القامة، ينظر إلى الناس من علٍ، وفي يده سبحة من العنبر لا يحرّك منها حبّة.

تفضّلي يا ابنتي، لا يليق بك الوقوف في الشمس.

أريد أن أعرف أين ابنك.

ابني بخير.

هذا لا يجيب عن سؤالي.

لن أجيب عن سؤالك. وأنصحك بألّا تكرّريه.

اقتربت منه خطوتين حتى صار بينهما ذراع واحدة.

يا عمّ هاشم، أنت جلست الليلة الماضية على المائدة الأولى. صافحت أمي. بكيتَ حين قرأ الشيخ الفاتحة. هل كنت تعلم أنه سيهرب؟

لمعت في عينيه شرارة سريعة وانطفأت.

لم يهرب. فعل ما كان عليه أن يفعله.

وما هو؟

انسي يا سارة. الأفضل لك ولنا جميعًا. ابني لن يعود.

ارتجفت ليلى إلى جانبها، وأمسكت بذراعها. أما سارة فشعرت بشيء بارد يتسلّل إلى معدتها ويتمدّد: كان الرجل يتكلم بيقين من يعرف بالضبط ما يقول.

لا أنسى ما لم أفهمه.

إذن ستعيشين طويلًا مع هذا الذي لا تفهمينه.

أدار ظهره ودخل. أغلق الخادم الباب الحديدي بهدوء، وبقيت هي أمام قضبانه المذهّبة كما يقف الغريب أمام متحف مغلق.

هيّا يا سارة، همست ليلى وهي تجرّها من مرفقها. لقد قال كلمته.

قالها لأنه يخاف. الرجل الواثق لا يكرّر النصيحة بهذه السرعة.

نظرت ليلى إلى أختها بدهشة، ولم تجد ما تردّ به. ورأتها سارة تُخرج منديلًا من حقيبتها وتمسح كفّها المتعرّقة، ثم تفتحها أمام عينيها لتتأكد أنها لا ترتعش.

في ظهيرة ذلك اليوم قدّمت بلاغًا في قسم الشرطة. جلس الضابط المتعب خلف مكتب مثقل بالملفات، يقلّب الأوراق وهو يرتشف الشاي.

مختفٍ، تقولين؟ بالغ؟ سافر بإرادته؟

لا نعرف.

هل وُجدت آثار اعتداء؟ طلب فدية؟ أي تهديد؟

لا.

يا سيدتي، ما دام رجلًا راشدًا غادر طوعًا فلا جريمة هنا. سنسجّل الأمر، ولعلّه يتصل بكم.

خرجت إلى الشارع المزدحم بالحافلات، وقد ثقلت قدماها كأنهما مغمورتان في الإسمنت. وفي تلك اللحظة اهتزّ هاتفها في جيب المعطف.

رقم غريب. رسالة قصيرة:

«سامحيني. لا تبحثي عني.»

حدّقت في الشاشة حتى جفّت عيناها، ثم طلبت الرقم فورًا. جاءها الصوت الآلي ذاته: «الرقم المطلوب غير متاح».

أعادت المحاولة سبع مرات.

ثم، وسط ضجيج السيارات وأبواقها، ضغطت زرّ الحذف على الرسالة الوحيدة التي تلقّتها منه... ولم تحذفها. أقفلت الشاشة، وعادت تمشي.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الخامس والثلاثون: وجهًا لوجه

    في الجلسة التالية كان عادل المنصور جالسًا في غرفة التحقيق وحده، بلا محاميه، وقد غارت عيناه وتهدّل كتفاه. دخلت سارة وخلفها أبو إبراهيم يتكئ على ساقه الخشبية وعلى ذراع زوجته، وأم هبة بعباءتها السوداء، وكريم، ويوسف.وفي الممر المؤدي إلى الغرفة توقفت أم هبة فجأة وأمسكت بذراع سارة.هل تحتملين أن ترينه؟لا أدري. وأنتِ؟لقد انتظرتُ ثلاثين عامًا هذا الوجه. سأحتمله.وفي عينيها ضوء بارد لا يشبه ضوء الغضب ولا ضوء الحزن، بل ضوء من يقترب من آخر الحساب.وضع الوكيل أمام عادل ثلاثة أشياء: دفتر اليوميات المحترق الأطراف، ورسائل وائل المسجلة، وتقرير الأدلة الجنائية. لم يقل كلمة.مدّ عادل يده نحو دفتر اليوميات، لكنه تراجع قبل أن يلمسه كما يتراجع من خاف من نار. ثم تأمّل الخط المائل الذي حفظه من أخيه منذ كان صغيرًا.هذه كتابة محمود. حتى حين كان غاضبًا كان خطّه مرتبًا.ثم رفع نظره إلى الوكيل: ماذا تريدون مني؟الحقيقة بلا زخرفة.ابتسم عادل ابتسامة متعبة: الحقيقة لا زخرفة فيها. هي أبشع من أن تُزخرف.نظرت سارة إلى يديه المرتجفتين، ثم إلى يوسف الذي جلس مطرقًا. أدركت أنها لا تسمع في هذه الغرفة اعترافًا فحسب، بل

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الرابع والثلاثون: صفقة الاعتراف

    في صباح اليوم التالي كانت الصحف جميعها تحمل صورة الفنار وسحب الدخان فوق قبّته. وعلى الصفحة الأولى لجريدة المساء عنوان بالأحمر: «حريق متعمّد في قبو الفنار: القبض على مقاولين متهمين بإشعاله».وصلت ريم الجندي إلى الموقع في الثامنة بوجه لا يشبه الصخر الذي عرفته سارة. وقفت أمام المبنى المتفحّم من الداخل، وأخذت تحدق في النوافذ المسودّة كمن يحدّق في قريب أصابه مرض.كان عليّ أن أصدّقكما منذ البداية، قالت دون مقدمات.لم تكن لديك أدلة.وأنتِ لم تكوني بحاجة إلى تصديقي. أنتِ كنتِ بحاجة إلى حليف.ثم قالت ريم بنبرة جافة: دعوتُ مجلس الإدارة إلى جلسة طارئة بعد الظهر، وسأضع التقرير أمامه كاملًا. وإن لم يوافق على استئناف الأعمال، فسأستقيل.ليس من أجلي، قالت سارة بدهشة.لا. من أجل المبنى. عشتُ عمري أدير الأموال والمشاريع، وأعرف الفارق بين مبنى يُرمَّم لأنه مربح ومبنى يُرمَّم لأنه يستحق. هذا من الثاني.جاءها وكيل النيابة نفسه في ذلك اليوم، وفي يده تقرير الأدلة الجنائية: التوقيع على شهادة التسليم مزوّر بنسبة تسعة وثمانين بالمئة، والرسالة التي بخط محمود المنصور أصلية، والشيك مسحوب فعلًا على حساب هاشم الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثالث والثلاثون: النار

    اشتعل الأمر قبل أن يتخذوا قرارًا. سمعوا خلخلة جالون معدني وهو يُسحب على الأرض، ثم صوت سائل يُسكب. ركض أحدهم هابطًا الدرج، وشخير ضاحك يتردد في الرواق.ابقي هنا، همس يوسف.لن أبقى.سارة...تامر، اخرج من الباب الخلفي واتصل بالإطفاء والشرطة. الآن!انطلق الشاب بين العلب الكرتونية، وانسلّ من فتحة جانبية. أما سارة ويوسف فتسلّلا حتى طرف الممر، فرأيا رجلين يرتديان قفازات ويحملان جالونين، وفي يد أحدهما قداحة تضيء لحظة ثم تنطفئ. كان الثاني فهمي، لكن بلا ذلك الذعر الذي رأته عليه في الموقع؛ بدا ثملًا بالجرأة.وفي الخارج ركض تامر على الرصيف حافيًا لأنه نسي حذاءه الثقيل، يصرخ بعنوان الفنار في الهاتف حتى بحّ صوته، ومرّ بجانبه صبي يبيع الجرائد فتوقف يحدّق في الشاب المذعور.قفز يوسف أولًا. صوّب مصباحه الثقيل على وجه الأول فأعماه، ثم لكمه في كتفه فسقط الجالون وانسكب البنزين على أرضية القبو. تراجع فهمي مذعورًا ورفع القداحة.تدحرج الجالون على الأرض مصدرًا رنينًا معدنيًا قاسيًا، وانتشرت رائحة البنزين حادّة تلسع العينين والحلق.لا! صاحت سارة.اشتعلت الشرارة. وفي ثانية واحدة قفزت نار زرقاء على الأرض الرطبة،

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثاني والثلاثون: من يقف خلف الستار

    لم تمنع الأيام التالية شيئًا من المتاعب. صدر قرار الاستدعاء، وتكلّمت الصحف، وأرسلت المؤسسة كتابًا مقتضبًا تقول فيه إن التجميد باقٍ حتى يصدر قرار قضائي. وبقي العمال يعملون سرًّا تحت الأرض، ينزلون في السادسة صباحًا من باب خلفي ويخرجون عند الظهر قبل أن تبدأ حركة الشارع.وكانت سارة تنزل معهم كل صباح، تضع الخوذة وتمسك المطرقة، فتسمع في الظلمة أصواتًا تعرفها: صرير البكرات، وضحكة العم حسن، وصوت يوسف وهو يقرأ الأرقام بهدوء من جهاز القياس. وأحيانًا، حين تنتهي من فحص عمود، تجد على الطاولة الصغيرة كوبًا من الشاي الساخن لا أحد يعترف بأنه وضعه.في الليلة السابعة جاءها تامر ومعه سامح، الفتى المفصول، الذي ما زال يتصل بفهمي بأمر من سارة. وقف الاثنان أمام مكتبها، وقال سامح بصوت خافت:آنسة سارة، فهمي طلب مني اليوم أن أُحضر نسخة مفتاح الغرفة الخلفية في الفنار. قال إن الأمر عاجل.لماذا؟قال إن السيد وائل يريد «تنظيف» القبو قبل أن يصل أحد.رفعت سارة رأسها ببطء.تنظيف؟هذه كلمته. وسمعتُه يتحدث في الهاتف عن «ليلة الخميس» و«الغاز». لم أفهم.قال تامر: وأنا رأيتُه أمس يشتري ثلاثة جالونات من محطة الوقود قرب الك

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الحادي والثلاثون: أمام وكيل النيابة

    كانت غرفة التحقيق في نيابة المنشية أصغر مما تخيّلت سارة، بجدران خضراء باهتة، ومروحة سقف تدور ببطء كأنها تحصي الأنفاس. جلس وكيل النيابة، الأستاذ مجدي رضوان، خلف مكتب عريض يغطيه الورق، وهو رجل في الأربعين بنظارة رفيعة وعينين لا تعرفان الاستعجال. وإلى جواره جلس كاتب الجلسة يرتّب أقلامه كجندي يتهيأ لمعركة.كانا قد جلسا قبل دقائق في الممر الطويل المكتظ بالمتقاضين، على مقعد خشبي واحد وبينهما فراغ ذراع. مرّت امرأة تجرّ طفلًا يبكي، ورجل يلوّح بأوراق مجعّدة، وحارس يصيح بأسماء لا تنتهي. قال يوسف بصوت خافت: هل تريدين شيئًا؟ ماء؟أريد أن أنسى أنني أعرف عمّي.لا أستطيع أن أعطيك ذلك.ثم مدّ إليها زجاجة ماء، فتناولتها وشربت نصفها.على الجانب الآخر كان عادل المنصور قد وصل قبلها بعشر دقائق، في بدلة داكنة أنيقة وإلى جواره محاميه ذو البدلة الرمادية، وعلى وجهه قناع رجل مظلوم أتقن تدريبه أمام المرآة. لم يرفع عينيه إليها حين دخلت. أخذت مقعدها بين يوسف والأستاذ حمدي، ووضعت كفّيها على ركبتيها كي لا يلاحظ أحد ارتجافهما.بدأ الوكيل بصوت منخفض: سنستمع أولًا إلى أقوال الآنسة سارة المنصور، ثم إلى السيد يوسف الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثلاثون: سطح الفنار

    صعدت سارة إلى سطح الفنار بعد منتصف الليل، وحدها، تحمل قنينة ماء ومصباحًا. كانت الدرجات الحديدية تئنّ تحت قدميها، وفي أعلى السلّم انفتح أمامها فضاء رمادي، فيه قبّة زجاجية مكسورة ونجوم شحيحة وبحر أسود يتنفس بعيدًا.كان الفنار في الليل مختلفًا عن النهار: لا ضجيج خلاطات ولا صراخ عمّال، بل أنين رياح تخترق الشقوق كأن المبنى نفسه يتنفس. تحسّست الحجر تحت كفّها فشعرت ببرودة طيبة تشبه ظهر حيوان كبير نائم.جلست عند الحافة، وتركت قدميها تتدلّيان. خلت الدنيا إلا من صوت الأمواج.لم تدرِ كم مرّ من الوقت حين سمعت خطوات على السلّم. لم تلتفت. كان وقع القدمين مألوفًا، ثقيلًا وحذرًا في الوقت ذاته.هل أزعجك؟ سأل يوسف من الخلف.المكان للجميع.جلس على بعد ذراعين، ثم سكت. تركا السكون يقوم بين أنفاسهما. وبعد فترة، قالت وهي تنظر إلى الأفق:أتريد أن تعرف كيف كانت السنة الأولى؟التفت إليها بسرعة. لم يتكلم.في الشهر الثالث، ذهبتُ إلى مستشفى حكومي لأعالج التهاب حلقي. وفي الاستقبال سألتني الممرضة عن اسم الزوج. قلتُ إنني لستُ متزوجة. نظرت إلى خاتمي، ثم إلى أصبعي العاري، ثم إلى وجهي، وقالت بلهجة طيبة: لا بأس يا حبيبت

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status