Partager

الفصل الثالث: ثمن الصمت

Auteur: Hani
last update Date de publication: 2026-10-04 14:49:31

بعد عشرة أيام عادت سارة إلى مكتب المهندس فؤاد حسيب للاستشارات الهندسية، حيث تعمل منذ تخرّجها. لم تعتذر عن غيابها، ولم تلتمس أحدًا لتبرير ما جرى.

لكن الممرّ الطويل المؤدي إلى مكتبها بدا لها أطول من العادة. كل باب يُنفتح مواربًا، وكل رأس يلتفت ثم ينشغل فجأة بشاشة أو ملف. وعند آلة القهوة توقّفت زميلتان عن الحديث لحظة دخلت، ثم سألتا بابتسامة مصطنعة:

كيف حالك يا سارة؟ نحن... كنا قلقتين عليك.

بخير. ماذا في جدول اليوم؟

وضعت هالة، المهندسة المساعدة التي تجلس في المكتب المجاور، فنجان شاي على حافة مكتبها دون أن تُصدر صوتًا.

إن احتجتِ أن تبكي، فباب الحمّام آخر الممرّ ويُقفَل من الداخل.

شكرًا، ولكن عندي مخطّط يجب تسليمه قبل الخامسة.

ابتعدت هالة على أطراف قدميها. نظرت سارة إلى الكوب الذي ما تزال تعلوه الأبخرة، ثم إلى قبضتها: كانت قد كسرت ثلاثة أقلام رصاص خلال الصباح دون أن تنتبه، ورصّتها في الكأس الفارغ بجوار الحاسوب كجنود صغار قُتلوا في معركة لا تعرفها.

وصل المشروع إلى مكتبها قبل أن تستقرّ في مقعدها: عمارة سكنية في العجمي، تصاميم الواجهة وتقرير المواد. وضعت سمّاعاتها وغاصت في الخطوط، حتى طرق فؤاد الباب في الظهيرة. رجل ستّيني، أبيض الشعر، ينظر من خلف نظّارتين سميكتين بوجه يميل إلى الحنان.

يمكنك أن تأخذي إجازة شهر، يا ابنتي.

لا أريد إجازة.

غدًا يزورنا السيد نبيل، صاحب المشروع. وهو، كما تعلمين، سليط اللسان.

سأقابله.

وقابلته. جلس نبيل متربّعًا في قاعة الاجتماعات، سمينًا ضاحك العينين، وما كاد يرى سارة حتى صاح بصوت مسموع:

آه، العروس! ما أخبار عريسنا؟ هل عاد من السفر؟

ساد الصمت. تجمّد فنجان في يد أحد المهندسين. شعرت سارة بوجهها يسخن، وكان بوسعها أن تنسحب بكل لياقة. لكنها وضعت القلم على الطاولة بلطف شديد، وقالت:

سيد نبيل، أخبار عريسي ليست من بنود عقدك. أما العجلة الثانية في الواجهة الشرقية فتنقصها دعامة، وإن لم نعدّل التصميم ستدفع ضعف الكلفة لاحقًا. اختر: أن تتحدث في أمري... أو أن توفّر ثلاثمئة ألف جنيه.

ابتلع نبيل ضحكته ببطء، وتنحنح، وانحنى على الأوراق.

أرني هذه الدعامة.

عند انصراف الاجتماع ربّت فؤاد على كتفها دون كلام. لكن سارة لم تشعر بانتصار؛ كان صدرها كأنه ارتفع بطبقة من الحجارة.

في المصعد وقف فؤاد إلى جوارها صامتًا، ثم قال دون أن يلتفت:

حين تزوّجتُ أنا، كانت عروسي تقول إنني لا أعرف الإصغاء. لا أدري إن كان هذا ينفع الآن، لكن بابي مفتوح إن احتجتِ رجلًا يصغي.

شكرًا، لكنني أحتاج مشروعًا لا رجلًا.

ابتسم العجوز بحزن وضغط زرّ الطابق الأرضي.

إذن سأمنحك أصعب مشروع في المكتب.

في المساء، وحين عادت إلى بيت العائلة، وجدت عمّها عادل جالسًا في الصالة مع أمها. على الطاولة أوراق مرتبة ومكتوبة بخطّ منمّق.

اجلسي يا سارة. لدينا ما نتحدث فيه.

هل وصلت أخبار؟

أخبار وحلول. اتصلت بمحامٍ يرتّب لنا أمر الفسخ. ورقة بسيطة، وينتهي كل شيء بهدوء. ثم إن عندي صديقًا لديه ابن أخ...

عمّي.

...مهندس زراعي، أرمل، رجل كريم...

عمّي! 

قالتها بصوت لم تعرفه في نفسها، فارتدّ عادل في مقعده.

لقد مضت عشرة أيام. أتريدني أن أقف على باب حياة أخرى؟

أريد أن أحميك. وأبوك رحمه الله ترك لي أمانة.

أبي ترك لي بيتًا وشركة صغيرة. ومن هذه الأوراق... لحظة.

تناولت إحدى الصفحات. كانت وكالة عامة باسمه تخوّله إدارة أملاك والدها، بتاريخ قريب جدًا، وعليها توقيع أمها.

ماما، متى وقّعتِ هذه؟

أخفضت أمينة بصرها.

عادل قال إنها إجراء... روتيني. حتى تهدأ الأمور.

تهدأ على حساب من؟

لا تسيئي الظن بعمّك!

لا أسيء الظن. أقرأ التاريخ: بعد الزفاف بثلاثة أيام. أي يوم كنتِ فيه تبكين وتقولين إنه لا يعنيك المال؟

وقف عادل بقامته العريضة.

أنت ما زلت تحت وصايتي حتى تتزوجي وتستقرّي.

انتهى هذا الكلام.

ساد صمت ثقيل. دمعت أمها، وارتجفت يد عادل على حافة الطاولة.

إلى أين ستذهبين؟

إلى أي مكان لا أحتاج فيه إلى ورقة لأتنفس.

نهضت أمها فجأة وأمسكت بكفّيها الباردتين.

لا تذهبي في هذا الليل يا سارة. لا أحتمل أن أفقدك كما فقدت أباك.

وإن بقيتُ يا ماما فسأفقد نفسي. سأصير ما يريده عمّي: ابنة تُدار بتوقيع.

عمّك يخطئ، لكنه يحبّنا.

ربما يحبّنا. لكنه يحبّ إمساك الأوراق أكثر.

رفعت أمينة كفّها إلى فمها لتكتم شهقة. انحنت سارة وقبّلت جبينها طويلًا، ثم حرّرت أصابعها واحدًا واحدًا، كمن يفكّ عقدة لا يريد قطع خيطها.

صعدت إلى غرفتها وسحبت الحقيبة الكبيرة من فوق الخزانة. وضعت ثيابها فيها دون ترتيب. ثم فتحت الدرج الأعلى بالمفتاح: الخاتم، وربطة العنق، والهاتف القديم الذي ما زالت فيه رسالة واحدة مؤرّخة بذلك اليوم.

وأخذتها جميعًا.

ثم أطفأت المصباح وانتظرت حتى خفت صوت التلفاز في الصالة، وتسلّلت على أطراف قدميها تحمل الحقيبة بيد ومفاتيح البيت بالأخرى. وضعت المفاتيح على طاولة المدخل دون ضجة، وحين أغلقت الباب خلفها سمعت من الداخل شهقة أمها الخافتة. تجمّدت لحظة على العتبة، ثم نزلت الدرج دون أن تلتفت.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الخامس والثلاثون: وجهًا لوجه

    في الجلسة التالية كان عادل المنصور جالسًا في غرفة التحقيق وحده، بلا محاميه، وقد غارت عيناه وتهدّل كتفاه. دخلت سارة وخلفها أبو إبراهيم يتكئ على ساقه الخشبية وعلى ذراع زوجته، وأم هبة بعباءتها السوداء، وكريم، ويوسف.وفي الممر المؤدي إلى الغرفة توقفت أم هبة فجأة وأمسكت بذراع سارة.هل تحتملين أن ترينه؟لا أدري. وأنتِ؟لقد انتظرتُ ثلاثين عامًا هذا الوجه. سأحتمله.وفي عينيها ضوء بارد لا يشبه ضوء الغضب ولا ضوء الحزن، بل ضوء من يقترب من آخر الحساب.وضع الوكيل أمام عادل ثلاثة أشياء: دفتر اليوميات المحترق الأطراف، ورسائل وائل المسجلة، وتقرير الأدلة الجنائية. لم يقل كلمة.مدّ عادل يده نحو دفتر اليوميات، لكنه تراجع قبل أن يلمسه كما يتراجع من خاف من نار. ثم تأمّل الخط المائل الذي حفظه من أخيه منذ كان صغيرًا.هذه كتابة محمود. حتى حين كان غاضبًا كان خطّه مرتبًا.ثم رفع نظره إلى الوكيل: ماذا تريدون مني؟الحقيقة بلا زخرفة.ابتسم عادل ابتسامة متعبة: الحقيقة لا زخرفة فيها. هي أبشع من أن تُزخرف.نظرت سارة إلى يديه المرتجفتين، ثم إلى يوسف الذي جلس مطرقًا. أدركت أنها لا تسمع في هذه الغرفة اعترافًا فحسب، بل

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الرابع والثلاثون: صفقة الاعتراف

    في صباح اليوم التالي كانت الصحف جميعها تحمل صورة الفنار وسحب الدخان فوق قبّته. وعلى الصفحة الأولى لجريدة المساء عنوان بالأحمر: «حريق متعمّد في قبو الفنار: القبض على مقاولين متهمين بإشعاله».وصلت ريم الجندي إلى الموقع في الثامنة بوجه لا يشبه الصخر الذي عرفته سارة. وقفت أمام المبنى المتفحّم من الداخل، وأخذت تحدق في النوافذ المسودّة كمن يحدّق في قريب أصابه مرض.كان عليّ أن أصدّقكما منذ البداية، قالت دون مقدمات.لم تكن لديك أدلة.وأنتِ لم تكوني بحاجة إلى تصديقي. أنتِ كنتِ بحاجة إلى حليف.ثم قالت ريم بنبرة جافة: دعوتُ مجلس الإدارة إلى جلسة طارئة بعد الظهر، وسأضع التقرير أمامه كاملًا. وإن لم يوافق على استئناف الأعمال، فسأستقيل.ليس من أجلي، قالت سارة بدهشة.لا. من أجل المبنى. عشتُ عمري أدير الأموال والمشاريع، وأعرف الفارق بين مبنى يُرمَّم لأنه مربح ومبنى يُرمَّم لأنه يستحق. هذا من الثاني.جاءها وكيل النيابة نفسه في ذلك اليوم، وفي يده تقرير الأدلة الجنائية: التوقيع على شهادة التسليم مزوّر بنسبة تسعة وثمانين بالمئة، والرسالة التي بخط محمود المنصور أصلية، والشيك مسحوب فعلًا على حساب هاشم الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثالث والثلاثون: النار

    اشتعل الأمر قبل أن يتخذوا قرارًا. سمعوا خلخلة جالون معدني وهو يُسحب على الأرض، ثم صوت سائل يُسكب. ركض أحدهم هابطًا الدرج، وشخير ضاحك يتردد في الرواق.ابقي هنا، همس يوسف.لن أبقى.سارة...تامر، اخرج من الباب الخلفي واتصل بالإطفاء والشرطة. الآن!انطلق الشاب بين العلب الكرتونية، وانسلّ من فتحة جانبية. أما سارة ويوسف فتسلّلا حتى طرف الممر، فرأيا رجلين يرتديان قفازات ويحملان جالونين، وفي يد أحدهما قداحة تضيء لحظة ثم تنطفئ. كان الثاني فهمي، لكن بلا ذلك الذعر الذي رأته عليه في الموقع؛ بدا ثملًا بالجرأة.وفي الخارج ركض تامر على الرصيف حافيًا لأنه نسي حذاءه الثقيل، يصرخ بعنوان الفنار في الهاتف حتى بحّ صوته، ومرّ بجانبه صبي يبيع الجرائد فتوقف يحدّق في الشاب المذعور.قفز يوسف أولًا. صوّب مصباحه الثقيل على وجه الأول فأعماه، ثم لكمه في كتفه فسقط الجالون وانسكب البنزين على أرضية القبو. تراجع فهمي مذعورًا ورفع القداحة.تدحرج الجالون على الأرض مصدرًا رنينًا معدنيًا قاسيًا، وانتشرت رائحة البنزين حادّة تلسع العينين والحلق.لا! صاحت سارة.اشتعلت الشرارة. وفي ثانية واحدة قفزت نار زرقاء على الأرض الرطبة،

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثاني والثلاثون: من يقف خلف الستار

    لم تمنع الأيام التالية شيئًا من المتاعب. صدر قرار الاستدعاء، وتكلّمت الصحف، وأرسلت المؤسسة كتابًا مقتضبًا تقول فيه إن التجميد باقٍ حتى يصدر قرار قضائي. وبقي العمال يعملون سرًّا تحت الأرض، ينزلون في السادسة صباحًا من باب خلفي ويخرجون عند الظهر قبل أن تبدأ حركة الشارع.وكانت سارة تنزل معهم كل صباح، تضع الخوذة وتمسك المطرقة، فتسمع في الظلمة أصواتًا تعرفها: صرير البكرات، وضحكة العم حسن، وصوت يوسف وهو يقرأ الأرقام بهدوء من جهاز القياس. وأحيانًا، حين تنتهي من فحص عمود، تجد على الطاولة الصغيرة كوبًا من الشاي الساخن لا أحد يعترف بأنه وضعه.في الليلة السابعة جاءها تامر ومعه سامح، الفتى المفصول، الذي ما زال يتصل بفهمي بأمر من سارة. وقف الاثنان أمام مكتبها، وقال سامح بصوت خافت:آنسة سارة، فهمي طلب مني اليوم أن أُحضر نسخة مفتاح الغرفة الخلفية في الفنار. قال إن الأمر عاجل.لماذا؟قال إن السيد وائل يريد «تنظيف» القبو قبل أن يصل أحد.رفعت سارة رأسها ببطء.تنظيف؟هذه كلمته. وسمعتُه يتحدث في الهاتف عن «ليلة الخميس» و«الغاز». لم أفهم.قال تامر: وأنا رأيتُه أمس يشتري ثلاثة جالونات من محطة الوقود قرب الك

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الحادي والثلاثون: أمام وكيل النيابة

    كانت غرفة التحقيق في نيابة المنشية أصغر مما تخيّلت سارة، بجدران خضراء باهتة، ومروحة سقف تدور ببطء كأنها تحصي الأنفاس. جلس وكيل النيابة، الأستاذ مجدي رضوان، خلف مكتب عريض يغطيه الورق، وهو رجل في الأربعين بنظارة رفيعة وعينين لا تعرفان الاستعجال. وإلى جواره جلس كاتب الجلسة يرتّب أقلامه كجندي يتهيأ لمعركة.كانا قد جلسا قبل دقائق في الممر الطويل المكتظ بالمتقاضين، على مقعد خشبي واحد وبينهما فراغ ذراع. مرّت امرأة تجرّ طفلًا يبكي، ورجل يلوّح بأوراق مجعّدة، وحارس يصيح بأسماء لا تنتهي. قال يوسف بصوت خافت: هل تريدين شيئًا؟ ماء؟أريد أن أنسى أنني أعرف عمّي.لا أستطيع أن أعطيك ذلك.ثم مدّ إليها زجاجة ماء، فتناولتها وشربت نصفها.على الجانب الآخر كان عادل المنصور قد وصل قبلها بعشر دقائق، في بدلة داكنة أنيقة وإلى جواره محاميه ذو البدلة الرمادية، وعلى وجهه قناع رجل مظلوم أتقن تدريبه أمام المرآة. لم يرفع عينيه إليها حين دخلت. أخذت مقعدها بين يوسف والأستاذ حمدي، ووضعت كفّيها على ركبتيها كي لا يلاحظ أحد ارتجافهما.بدأ الوكيل بصوت منخفض: سنستمع أولًا إلى أقوال الآنسة سارة المنصور، ثم إلى السيد يوسف الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثلاثون: سطح الفنار

    صعدت سارة إلى سطح الفنار بعد منتصف الليل، وحدها، تحمل قنينة ماء ومصباحًا. كانت الدرجات الحديدية تئنّ تحت قدميها، وفي أعلى السلّم انفتح أمامها فضاء رمادي، فيه قبّة زجاجية مكسورة ونجوم شحيحة وبحر أسود يتنفس بعيدًا.كان الفنار في الليل مختلفًا عن النهار: لا ضجيج خلاطات ولا صراخ عمّال، بل أنين رياح تخترق الشقوق كأن المبنى نفسه يتنفس. تحسّست الحجر تحت كفّها فشعرت ببرودة طيبة تشبه ظهر حيوان كبير نائم.جلست عند الحافة، وتركت قدميها تتدلّيان. خلت الدنيا إلا من صوت الأمواج.لم تدرِ كم مرّ من الوقت حين سمعت خطوات على السلّم. لم تلتفت. كان وقع القدمين مألوفًا، ثقيلًا وحذرًا في الوقت ذاته.هل أزعجك؟ سأل يوسف من الخلف.المكان للجميع.جلس على بعد ذراعين، ثم سكت. تركا السكون يقوم بين أنفاسهما. وبعد فترة، قالت وهي تنظر إلى الأفق:أتريد أن تعرف كيف كانت السنة الأولى؟التفت إليها بسرعة. لم يتكلم.في الشهر الثالث، ذهبتُ إلى مستشفى حكومي لأعالج التهاب حلقي. وفي الاستقبال سألتني الممرضة عن اسم الزوج. قلتُ إنني لستُ متزوجة. نظرت إلى خاتمي، ثم إلى أصبعي العاري، ثم إلى وجهي، وقالت بلهجة طيبة: لا بأس يا حبيبت

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status