Startseite / التشويق / الإثارة / بعد أن انطفأت الأنوار / الفصل الرابع: غرفة على السطح

Teilen

الفصل الرابع: غرفة على السطح

last update Veröffentlichungsdatum: 04.10.2026 14:53:31

كانت الغرفة تقع في الطابق الخامس من بناية قديمة في حيّ كامب شيزار، بلا مصعد، وتُفضي إليها سلّم حديدي ضيّق ينتهي بعتبة مكسورة. فتحت لها أم سعد الباب بعد أن أعلنت أن الإيجار مقدّم لشهرين.

وهل أنتِ وحدك يا ابنتي؟

وحدي.

مطلّقة؟

نظرت سارة إلى المرأة العجوز بنظرة ثابتة.

لا. تركني إنسان... لا أكثر.

حكّت أم سعد خدّها بإصبع معقوفة وقالت:

هذه أصعب.

كانت الغرفة تتّسع بالكاد لسرير وطاولة ورفّ، لكنّ نافذتها الوحيدة تُطلّ على البحر من بين أسطح البيوت، وتُدخل ضوءًا شديد الزرقة في الصباح. وضعت سارة حقيبتها على الأرض، ثم جلست على طرف السرير وأحصت ما في جيبها: ألفان وثلاثمئة جنيه.

في الليلة الأولى انقطع التيار الكهربائي عند التاسعة. أشعلت شمعة وجدتها في الدرج، وجلست إلى الطاولة ترسم على ظهر فاتورة قديمة أضلاعًا لا معنى لها. ومن الطابق الأسفل ارتفعت موسيقى عرس: زغاريد ودفوف وأغنية يعرفها الجميع. أغلقت النافذة بقوة فاهتزّ الزجاج. ثم، بعد دقيقة، فتحتها من جديد وأطفأت الشمعة بأصابعها، وبقيت في العتمة تستمع حتى انتهت الأغنية.

وحين صمت الدفّ طرقت أم سعد الباب ومعها مصباح غازي.

لعلّك لا تحبين الظلام يا ابنتي.

أحبّه الليلة.

في اليوم التالي حملت علبة المصوغات الذهبية التي أهداها إياها والد يوسف في الخطوبة، ودخلت صائغًا في سوق العطارين. قلّب الرجل القطع بكفّه، ووزنها، وقال بلهجة تاجر ملّ المساومة:

أربعون ألفًا.

بل ثمانية وستون. ثمن الذهب اليوم معروف.

ثمن الذهب شيء، وثمن الذهب المستعمل شيء آخر.

إنه جديد، لم يُلبَس إلا ساعة واحدة.

رفع الصائغ حاجبه.

ساعة؟

ساعة واحدة. فاحسب جيدًا.

بيعت القطع أخيرًا بستين ألفًا. خرجت إلى الشمس ويدها في جيبها تقبض على الظرف. لم تبكِ؛ ورأت في نفسها عندها غرابة من لا يبكي حين يستحق ذلك.

في طريق العودة دفعت لأم سعد إيجار ستة أشهر مقدّمًا، وطلبت من نجّار عجوز في الزقاق المجاور أن يصنع لها طاولة رسم طويلة من ألواح مستعملة. سأل عن المقاس، فمدّت ذراعيها إلى أقصى ما تستطيع. ابتسم الرجل وقال إنها تحتاج إلى طاولة أطول من الغرفة.

إذن فلنجعلها قابلة للطيّ.

أنتِ تفكّرين كمهندسة.

أنا مهندسة.

بعد أسبوع أتتها مريم عبد الهادي، صديقتها الأقدم، تحمل أريكة قابلة للطيّ مربوطة على سيارة ربّ عملها السابق، وتلهث على الدرجات:

خمسة طوابق! هل تعيشين على قمّة جبل؟

جئتِ مبكرة.

بل جئتُ حين انتهى دوامي. اسمعي، تركتِ فؤاد؟

قدّمت استقالتي أمس.

لماذا؟ هذا أفضل مكتب في المدينة!

وكل من فيه يرى وجهي فيتذكّر حفلة لم تُختَم.

جلست مريم على الأريكة الجديدة وفتحت علبة الحلوى التي أتت بها.

ماذا ستفعلين؟

أعمل بمفردي.

مفردك؟ بمن تقابلين عملاءك، بأم سعد؟

سأبدأ من الصغير.

وقبل أن ترحل تركت مريم مظروفًا على الطاولة، بداخله ثلاثة آلاف جنيه.

هذا ليس إحسانًا. سلفة، وبفائدة.

كم؟

قهوة كل صباح تجلبينها إلى مكتبي حين تنجحين.

رفعت سارة المظروف إلى الضوء، ثم دسّته في جيب سترتها دون كلمة؛ فهي لم تعد تملك ترف الكبرياء.

لكن الصغير لم يكن في انتظارها. طرقت سارة أبواب ثلاثة مكاتب خلال أسبوعين؛ في الأول قال المدير إن العمل «لا يناسب ظروفك»، وفي الثاني أطال النظر إلى سيرتها الذاتية ثم سأل عن حالتها الاجتماعية، وفي الثالث قدّم لها قهوة وعرض راتبًا هزيلًا مع ساعات مضاعفة. عادت إلى غرفتها كل مساء، فتغسل وجهها، وتفتح المخطّطات على طاولة صغيرة، وترسم حتى الفجر، كأن اليد التي تخطّ الأضلاع تعوّضها عن اليد التي ترتجف.

وكان هاتفها يضيء كل مساء باسم «ماما». تحدّق فيه حتى ينقطع الرنين، فيعود بعد دقيقة. في الليلة التاسعة دسّته تحت الوسادة وفتحت صنبور الماء ليغطي الصوت، ثم اكتشفت أنها تضحك وتبكي معًا، فأغلقت الصنبور فورًا كمن ضُبط يرتكب خطأ.

وفي ليلة أحسّت بأن الجدران تضيق، فتحت الدرج وأخرجت الخاتم. وضعته على الطاولة بجانب الكأس. نظرت إليه طويلًا، ثم دسّته في علبة بسكويت قديمة وأغلقتها بالشريط اللاصق وأعادتها إلى أسفل الخزانة. لا لأنها تخلّصت منه، بل لأنها قررت ألّا تنظر إليه عشرين مرة في اليوم.

وفي صباح اليوم التالي وقفت أمام مرآة صغيرة معلّقة على الباب وقصّت شعرها حتى الكتفين بمقصّ المطبخ. تساقطت الخصلات الطويلة على الأرض كحبال مقطوعة، فكنستها بنفسها وألقتها من النافذة. حين رأت أم سعد التسريحة الجديدة هزّت رأسها وقالت: «من يقصّ شعره هكذا يريد أن يبدأ». أجابتها سارة: «بل أريد ألّا يذكّرني أحد بالعروس».

في الأسبوع السادس رنّ هاتفها في الصباح الباكر.

آنسة سارة المنصور؟ أنا الحاج منصور السيد، أملك المخبز القديم في شارع النبي دانيال. حفيدتي تقول إنك تصمّمين. هل تقبلين أن تصمّمي لي واجهة المحل الجديد؟

ما ميزانيتك؟

خمسة عشر ألفًا، وأعرف أنه مبلغ حقير.

أغمضت سارة عينيها ثم فتحتهما على النافذة الزرقاء.

قل لي متى أستطيع زيارة المخبز.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل السابع والعشرون: جنازة

    مات هاشم الهاشم فجر الخميس، قبل أن يعرف أن القراءات المزوّرة انكشفت وأن ما قاله على السرير أصبح سندًا.جاءها الخبر من كريم، بصوت مبحوح لا يشبه أي صوت سمعته منه من قبل: أبي انتهى. ماتت ضربات قلبه نصف الليل. لم أستطع أن أتصل بيوسف. ظلّ جالسًا جنبه في الغرفة ولا يرفع رأسه.ذهبت إلى المستشفى في السادسة، ورأته حيث قال كريم: جالسًا على الكرسي المعدني، ويده ممدودة تلمس يد الجسد الممدّد، وعيناه مفتوحتان على الجدار. لم تتكلم. وقفت خلفه لحظة، ثم وضعت كفّها على كتفه برفق، فلم يتحرك.ظلّا هكذا دقائق طويلة. ثم همس بصوت ملؤه الرمل:كنتُ أريده أن يموت وأنا غاضب منه. وها هو يموت، ولا أعرف أين أضع هذا الغضب.ضعه بجانب الحزن، قالت. هما يتعايشان.جاءت الممرضة بملف الوفاة وسألت عن اسم الأقرب لتوقيع الاستلام. نهض يوسف كمن يُستدعى من قاع بئر ووقّع بخط ثابت، ثم التفت إلى سارة:أبي طلب مني أن أسألك شيئًا قبل أن يموت. لم أجرؤ حتى الآن.اسأل.طلب ألّا تغفري له بسرعة. قال إن المغفرة السريعة تشبه الإهمال، وإنه يريدك أن تنتظري الحقيقة كلها.جرت الجنازة بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد صغير بالمنتزه. امتلأ الصحن برجال في

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل السادس والعشرون: يوم المدقِّقة

    وصلت لوسي كارتر إلى الإسكندرية في صباح عاصف، بحقيبة سوداء وسترة رمادية ونظرة لا تعرف المجاملة. كانت مدقّقة من لندن، في الخمسين من عمرها، تتحدث العربية بلكنة ثقيلة لكنها دقيقة، وقد قالت لريم الجندي في المطار إنها لا تريد فنجان قهوة، بل تريد الأرقام.استقبلتها سارة عند بوابة الفنار بخوذة بيضاء وابتسامة منضبطة.أهلًا بك في الموقع.دعينا نبدأ من الأساسات، قالت لوسي.لكن قبل أن تنزل إلى الحفر طلبت أن ترى سجلّ الرواتب. جلست في الكرفان تقلّب الكشوف، ثم نادت العم حسن وسألته بعربية متعثرة عن أجره اليومي ومتى يقبضه وهل تتأخر الدفعات. أجاب العجوز بصراحة أن الرواتب تُدفع في موعدها منذ أن جاءت الآنسة سارة، وأن هذا لم يحدث في مشاريع أكبر. دوّنت لوسي الجواب بلا تعليق، ثم رفعت رأسها وقالت: والآن، الأساسات.مشوا في البهو الطويل، وعرض يوسف قراءات الحسّاسات الخاصة بالتحرك الأرضي، متتبعًا بمؤشر الليزر خطوطًا على الشاشة. هزّت لوسي رأسها بتفحّص.الهبوط في الركن الشمالي سبعة ملّيمترات شهريًا. فما الذي حدث هنا؟بعد بدء التدعيم ثبت عند مليمتر واحد.أرني السجل.أخرج يوسف الجهاز اللوحي، ثم تجمّد. كانت القراءات

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الخامس والعشرون: أقساط من ورق

    عاد الأسبوع بما يمليه عادل المنصور على الدنيا: رسالة من البنك مختومة بالأحمر.وصلتْ إلى المرسم صباح الاثنين، وتسلّمها تامر وهو يقلّبها بيدين مرتجفتين. فتحتها سارة بهدوء، وقرأت الفقرة الأولى مرتين قبل أن تتأكد أنها لم تخطئ.«استنادًا إلى البند الثاني عشر من عقد التمويل العقاري، والمتعلق بتغيّر ظروف الضمان، يُطلب سداد كامل الرصيد المستحق خلال عشرة أيام».ثمانمئة وخمسون ألف جنيه، قالت لمريم. في عشرة أيام.لماذا الآن؟ كنتِ تسدّدين الأقساط بانتظام.لأنهم أرادوا أن يخنقوني. ولأن أحدًا من هناك يعرف أنني لن أستطيع.نظرت مريم إلى الحسابات بعين محاسبة تعلم أن الأرقام لا تكذب.لدينا مئتان وثلاثون ألفًا في حساب المرسم، والباقي مجمّد في مواد الفنار. وإن سحبنا ما بيدنا فسنتوقف عن دفع الرواتب.قال تامر من الباب: أستطيع أن أبيع سيارتي. هي قديمة، لكنها تدرّ خمسين ألفًا.التفتت إليه سارة بعينين فيهما امتنان وحنق في آن واحد: لن تبيع شيئًا يا تامر. ولو لمحتُ إعلانًا عن سيارتك لخصمتُ ثمنها من راتبك مضاعفًا.وماذا أفعل؟لا أعرف.مرّ اليوم الأول في صمت. في الثاني جاء يوسف إلى المكتب في المساء، وكان قد علم ب

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الرابع والعشرون: بيت أبو إبراهيم

    لم يكن للأوراق وحدها قوة كافية، فقد تعلّمت سارة هذا الدرس في المحاكم الصغيرة التي دخلتها بسبب مشاريعها. قال لها محامي المرسم، الأستاذ حمدي، صراحةً: الوثائق تثبت أن الشهادة مزوّرة، لكنها لا تثبت من زوّرها. نحتاج إلى شاهد حيّ.أجابها يوسف حين عرضت عليه الأمر: هناك رجل. المقاول الصغير الذي كان يشرف على صبّ الأعمدة في الشاطبي. اسمه إبراهيم عطية، لكن الجميع يسمّونه أبو إبراهيم. وجدتُ عنوانه في ملف أبي.سافرا معًا صباح الجمعة في سيارة يوسف المستأجرة إلى قرية صغيرة قرب دمنهور. سارت العجلات فوق طريق ترابي بين حقول القمح الشاحبة، وجلست سارة بجانب النافذة تعضّ على إصبعها، بينما قاد يوسف بصمت. بعد نصف ساعة سأل:هل أنتِ خائفة؟من ماذا؟من أن يرفض الكلام.بل من أن يتكلّم.كان بيت أبو إبراهيم من الطين والطوب الأحمر، له حوش صغير تنقر فيه دجاجات، وعلى عتبته كرسي بلا مسند. فتحت لهما امرأة ضئيلة بوشاح أسود، وقالت إن زوجها في الغرفة الداخلية. دخلا فوجدا رجلًا في السبعين، له ساق خشبية بيضاء مستندة إلى الجدار، يجلس أمام مذياع صغير.نظر إليهما بعينين ضبابيتين، ثم إلى سارة تحديدًا.أنتِ بنت المهندس محمود. ل

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثالث والعشرون: رسالة إلى ابنتي

    لم تردّ سارة على المكالمة. تركت الهاتف يرنّ حتى انقطع، ثم أعادته إلى جيبها وهي تنظر إلى الصندوق المعدني المفتوح.كان فيه ثلاثة أشياء. لفافة كبيرة من الورق الشفاف الأزرق، ومغلف بنيّ ثخين، ومظروف أبيض صغير كتب عليه بخطّ تعرفه كما تعرف انحناءة يدها: «إلى سارة».أمسكت المظروف بين أصابعها كمن يمسك فراشة مبللة. أرادت أن تفتحه فورًا، لكنها كبحت نفسها.أولًا الورق الأزرق، قالت لمريم ويوسف.فرشوا اللفافة على طاولة الغرفة الصغيرة. كانت مخطّطات إنشائية أصلية لعمارة الشاطبي بخط محمود المنصور، وفي كل صفحة ملاحظات بالحبر الأحمر عن سُمك الأعمدة ونسبة الإسمنت، وعلى الهامش تعديلات بخط مختلف مائل، فوقها شطب غاضب وعبارة: «لا. غير مقبول. هاشم، فكّر في الناس».هذه هي المواصفات الحقيقية، همس يوسف. وهذه التعديلات من أبي. وفرق الإسمنت وحده يكفي لانهيار طابقين.مرّت سارة بإصبعها على عمود مرسوم وسألت: ولماذا لم يقدّم أبي هذه الرسومات إلى النيابة يوم الحادث؟لأنه لو فعل لأدان أخاه، أجاب يوسف. ولأن أبي كان سيجرّه معه. كان الاثنان يدوران حول بعضهما، وكل منهما يخشى أن يسحب خيطًا فيسقط البناء كله.رفعت مريم عينيها

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثاني والعشرون: خزنة لا تُفتح وحدها

    صباح الأربعاء كانت مريم تقف أمام طاولة سارة بملف أصفر وعينين متوهجتين.وجدتُ القفل، قالت.ماذا وجدتِ؟المفتاح النحاسي رقم ثلاثة وثلاثين. أرسلتُ صورته إلى صديق في البنك الأهلي القديم بشارع فؤاد. قال إنه من النوع الذي يُستعمل في خزائن الأمانات قبل عام ألفين. وقد حدّد لنا الفرع: بنك الإسكندرية، فرع المنشية.وماذا يلزم لفتحها؟لذلك أنا قلقة. الخزنة مسجّلة باسمين: محمود المنصور وهاشم الهاشم. ولا تُفتح إلا بتوقيع الاثنين أو من ينوب عنهما قانونًا. وأبوكِ توفّي، وبقي الورثة، ولكن هاشم...لا يستطيع التوقيع في حالته.ولا يحقّ للبنك تجاوز ذلك.وقفت سارة ونظرت إلى النافذة. كانت أفكارها تدور مثل سنبلة في ريح، ثم هدأت عند خيط واحد: الشخص الوحيد القادر على تمثيل هاشم قانونيًا هو ابنه يوسف، ولا يملك ذلك إلا بتوكيل رسمي.ذهبت إلى المستشفى في الثانية ظهرًا، وفي يدها هذه المرة ورقة من محامي المرسم. وجدت يوسف في الممر يتحدث إلى كريم بصوت خفيض. حين لمحها انتفض الاثنان.نحتاج إلى توكيل، قالت دون تحية. توكيل من والدكما لأحدكما، يتيح فتح خزنة في بنك المنشية.وما فيها؟ سأل كريم.لا نعرف. لكن أبي أخفى مفتاحها

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status