Partager

الفصل السادس: مرسم سارة

Auteur: Hani
last update Date de publication: 2026-10-04 14:57:37

بعد ثلاث سنوات من ليلة الزفاف، لم يبقَ من الغرفة على السطح سوى طاولتها القديمة التي رفضت سارة التخلّي عنها. انتقل المكتب إلى بيت مستقلّ من طابقين في الأزاريطة، وعلى بابه لوحة نحاسية نحيلة: «مرسم».

كانت مريم تدير الحسابات بصرامة جنرال، وتامر النجّار، المهندس الشاب الذي وظّفته سارة بعد أن لمحت في نظراته شغفًا بالخرائط، ينتقل بين الغرف حاملًا لفائف الورق كحامل أعلام. وفي الغرفة الخلفية، كان ثلاثة متدرّبين يتبارون في رسم مخطّط للمتحف الجديد.

دوّى في تلك اللحظة صوت أوراق تتناثر. كان تامر قد أسقط لفافة كبيرة، وبدت عليها بقعة قهوة تتّسع فوق مقطع الواجهة الغربية. تسمّر في مكانه وقد احمرّت أذناه.

سأعيد رسمه الليلة، قال بسرعة. سأبقى حتى الفجر.

فحصت سارة اللوحة بصمت، ثم أمسكت قلمًا وحوّلت البقعة إلى ظلّ سحابة صغيرة.

لا حاجة. أحيانًا يصنع الخطأ أجمل ما في الرسم. لكن إن سكبتَ القهوة على ملف عميل مرة أخرى، فستشربها كلها.

الجمعة اجتماع الشركاء، ذكّرتها مريم صباحًا وهي تضع كوب القهوة على مكتبها. وبالمناسبة، عمّك على الهاتف.

عمّي عادل؟

يقول إنه أرسل سائقه.

لم أطلب سائقًا.

إذن ليس هو من يتحدّث. أقصد: هو يتحدث. لكنه يتحدث على كل حال.

رفعت سارة سماعة الهاتف.

أهلًا يا عمّي.

سارة! كيف حالك يا ابنتي؟ لم تزوري أمك منذ ثلاثة أسابيع.

كنت مشغولة.

حسنًا، حسنًا. اسمعي، أمك مريضة قليلًا، ولا بدّ أن نجتمع. هذا مهم. بيت أبيك... هناك أمور تحتاج إلى توقيعك.

أيّ أمور؟

نتحدث حين تأتين.

بعد ساعة وصلت ليلى بلا موعد، وقد التفّت بوشاح أزرق وراحت تتلفّت كمن يخشى أن يتبعه أحد.

لن أطيل. عمّي عادل يتلقى اتصالات من البنك كل يوم، وأمي لا تعرف. سمعته أمس يصرخ في الهاتف: «سأدبّر المبلغ، أمهلوني أسبوعًا».

منذ متى؟

منذ أشهر. وأنا خائفة يا سارة، ولا أحد غيرك يستطيع...

قاطعتها سارة بعناق قصير، ثم رفعت ذقنها.

سأذهب الجمعة. وأنتِ لا تقولي له إنك جئتِ.

ذهبت مساء الجمعة وفي صدرها ضيق. كان بيت العائلة في الشاطبي أصغر مما تذكّره، وأقدم. استقبلتها أمها على العتبة وعانقتها طويلًا، وقد شحبت وجنتاها وانحنى كتفاها. وفي الصالة جلس عادل ومعه رجل نحيل بحقيبة سوداء.

هذا الأستاذ ماهر، محامي البنك، قال عادل.

البنك؟

رتّبنا قرضًا صغيرًا على البيت قبل عامين. لسدّ بعض الديون في الشركة. وتأخرت الأقساط...

ما قيمة القرض؟

سكت عادل، ثم أجاب المحامي بدلًا منه:

مليون ومئتا ألف جنيه، والأقساط متأخرة ستة أشهر. وهناك إنذار بالحجز.

مرّ في ذهن سارة شريط سريع: وكالة عامة، وتوقيع أمها، وبيت أبيها ينزلق من بين الأصابع. نهضت ووقفت أمام عمّها بقامة هادئة.

الشركة التي قلتَ إنك تدينها... هل هي «عادل للمقاولات»؟

ليس من شأنك.

إنها من شأني الآن. فإن كنتَ رهنتَ بيتنا لتنقذ شركتك...

أنقذتها لأجلكم! لأجل اسم أبيك!

اسم أبي لم يكن ليحتاج إلى إنقاذ لو لم تُغرقه بنفسك.

صرخ عادل وارتجف صوته، لكن سارة لم تتراجع. سحبت دفتر الشيكات من حقيبتها.

كم أحتاج لإيقاف الحجز اليوم؟

نظر المحامي إلى عادل ثم إليها، وأجاب بتردّد:

ثلاثمئة وخمسون ألفًا الآن، والباقي بجدول.

كتبت الشيك. كان نصف ما تملكه المرسم، لكنها قدّمته بلا تردّد. قالت وهي تمدّه:

سأفتح حسابًا باسم أمي، وسأدفع الأقساط منه. وأريد الوكالة العامة ملغاة قبل نهاية الأسبوع، وأريد أن تكفّ يدك عن بيت أبي.

وإذا رفضتُ؟

أذهب إلى النيابة بملفّ التزوير. تاريخ التوقيع بعد الزفاف بثلاثة أيام، وأمي لم تكن في وعيها ذلك الأسبوع. 

توقفت أنفاس أمينة. أما عادل فتهدّل كتفاه كأن أحدًا سحب الهواء من صدره.

عادت سارة ليلتها إلى مكتبها خالية اليدين من المال، وممتلئة بشيء آخر. في الصباح التالي، قلّبت مريم الأوراق وقالت:

أنتِ مجنونة. ما بقي في الحساب لا يكفي رواتب الشهر.

سنؤجّل مشروع المتحف.

وهل سنأكل من المخطّطات؟

ضحكت سارة لأول مرة منذ أيام.

ثم أخذت قلمًا وكتبت على السبّورة البيضاء في غرفة الاجتماعات: «الأولوية الأولى: مشروع المتحف، سنعود إليه». وتحتها بخط أصغر: «والأقساط». رمقتها مريم وقالت إنها أول مرة ترى فيها مديرة تضع القسط بعد الحلم، ثم محت كلمة «بعد» ببصمة إبهامها وكتبت «مع».

وفي مساء ذلك اليوم، وهي تقلّب مجلة هندسية على مكتبها، توقّفت عند صفحة في المنتصف: صورة جماعية لفريق دولي في مشروع جسر بالنرويج. في الصف الثاني، رجل بنظّارة سوداء وقبّعة واقية، لا تظهر عيناه، لكن انحناءة كتفيه ووقفته جعلتا يدها تتجمّد.

قرأت الاسم تحت الصورة: «م. يوسف الهاشم، مستشار الإنشاءات».

وضعت كوب الشاي على الطاولة بحذر، ثم انقلب بين أصابعها. تناثر السائل الحارّ على الصفحة، ومحا بالتدريج وجهه.

نهضت ومسحت الصفحة بمنديل، ثم قصّتها من المجلة بالمقصّ بعناية، وطوتها أربع طيّات، ووضعتها في علبة البسكويت بجوار الخاتم. لم تعرف لماذا فعلت. قالت لنفسها إنها تحتفظ بدليل.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الخامس والثلاثون: وجهًا لوجه

    في الجلسة التالية كان عادل المنصور جالسًا في غرفة التحقيق وحده، بلا محاميه، وقد غارت عيناه وتهدّل كتفاه. دخلت سارة وخلفها أبو إبراهيم يتكئ على ساقه الخشبية وعلى ذراع زوجته، وأم هبة بعباءتها السوداء، وكريم، ويوسف.وفي الممر المؤدي إلى الغرفة توقفت أم هبة فجأة وأمسكت بذراع سارة.هل تحتملين أن ترينه؟لا أدري. وأنتِ؟لقد انتظرتُ ثلاثين عامًا هذا الوجه. سأحتمله.وفي عينيها ضوء بارد لا يشبه ضوء الغضب ولا ضوء الحزن، بل ضوء من يقترب من آخر الحساب.وضع الوكيل أمام عادل ثلاثة أشياء: دفتر اليوميات المحترق الأطراف، ورسائل وائل المسجلة، وتقرير الأدلة الجنائية. لم يقل كلمة.مدّ عادل يده نحو دفتر اليوميات، لكنه تراجع قبل أن يلمسه كما يتراجع من خاف من نار. ثم تأمّل الخط المائل الذي حفظه من أخيه منذ كان صغيرًا.هذه كتابة محمود. حتى حين كان غاضبًا كان خطّه مرتبًا.ثم رفع نظره إلى الوكيل: ماذا تريدون مني؟الحقيقة بلا زخرفة.ابتسم عادل ابتسامة متعبة: الحقيقة لا زخرفة فيها. هي أبشع من أن تُزخرف.نظرت سارة إلى يديه المرتجفتين، ثم إلى يوسف الذي جلس مطرقًا. أدركت أنها لا تسمع في هذه الغرفة اعترافًا فحسب، بل

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الرابع والثلاثون: صفقة الاعتراف

    في صباح اليوم التالي كانت الصحف جميعها تحمل صورة الفنار وسحب الدخان فوق قبّته. وعلى الصفحة الأولى لجريدة المساء عنوان بالأحمر: «حريق متعمّد في قبو الفنار: القبض على مقاولين متهمين بإشعاله».وصلت ريم الجندي إلى الموقع في الثامنة بوجه لا يشبه الصخر الذي عرفته سارة. وقفت أمام المبنى المتفحّم من الداخل، وأخذت تحدق في النوافذ المسودّة كمن يحدّق في قريب أصابه مرض.كان عليّ أن أصدّقكما منذ البداية، قالت دون مقدمات.لم تكن لديك أدلة.وأنتِ لم تكوني بحاجة إلى تصديقي. أنتِ كنتِ بحاجة إلى حليف.ثم قالت ريم بنبرة جافة: دعوتُ مجلس الإدارة إلى جلسة طارئة بعد الظهر، وسأضع التقرير أمامه كاملًا. وإن لم يوافق على استئناف الأعمال، فسأستقيل.ليس من أجلي، قالت سارة بدهشة.لا. من أجل المبنى. عشتُ عمري أدير الأموال والمشاريع، وأعرف الفارق بين مبنى يُرمَّم لأنه مربح ومبنى يُرمَّم لأنه يستحق. هذا من الثاني.جاءها وكيل النيابة نفسه في ذلك اليوم، وفي يده تقرير الأدلة الجنائية: التوقيع على شهادة التسليم مزوّر بنسبة تسعة وثمانين بالمئة، والرسالة التي بخط محمود المنصور أصلية، والشيك مسحوب فعلًا على حساب هاشم الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثالث والثلاثون: النار

    اشتعل الأمر قبل أن يتخذوا قرارًا. سمعوا خلخلة جالون معدني وهو يُسحب على الأرض، ثم صوت سائل يُسكب. ركض أحدهم هابطًا الدرج، وشخير ضاحك يتردد في الرواق.ابقي هنا، همس يوسف.لن أبقى.سارة...تامر، اخرج من الباب الخلفي واتصل بالإطفاء والشرطة. الآن!انطلق الشاب بين العلب الكرتونية، وانسلّ من فتحة جانبية. أما سارة ويوسف فتسلّلا حتى طرف الممر، فرأيا رجلين يرتديان قفازات ويحملان جالونين، وفي يد أحدهما قداحة تضيء لحظة ثم تنطفئ. كان الثاني فهمي، لكن بلا ذلك الذعر الذي رأته عليه في الموقع؛ بدا ثملًا بالجرأة.وفي الخارج ركض تامر على الرصيف حافيًا لأنه نسي حذاءه الثقيل، يصرخ بعنوان الفنار في الهاتف حتى بحّ صوته، ومرّ بجانبه صبي يبيع الجرائد فتوقف يحدّق في الشاب المذعور.قفز يوسف أولًا. صوّب مصباحه الثقيل على وجه الأول فأعماه، ثم لكمه في كتفه فسقط الجالون وانسكب البنزين على أرضية القبو. تراجع فهمي مذعورًا ورفع القداحة.تدحرج الجالون على الأرض مصدرًا رنينًا معدنيًا قاسيًا، وانتشرت رائحة البنزين حادّة تلسع العينين والحلق.لا! صاحت سارة.اشتعلت الشرارة. وفي ثانية واحدة قفزت نار زرقاء على الأرض الرطبة،

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثاني والثلاثون: من يقف خلف الستار

    لم تمنع الأيام التالية شيئًا من المتاعب. صدر قرار الاستدعاء، وتكلّمت الصحف، وأرسلت المؤسسة كتابًا مقتضبًا تقول فيه إن التجميد باقٍ حتى يصدر قرار قضائي. وبقي العمال يعملون سرًّا تحت الأرض، ينزلون في السادسة صباحًا من باب خلفي ويخرجون عند الظهر قبل أن تبدأ حركة الشارع.وكانت سارة تنزل معهم كل صباح، تضع الخوذة وتمسك المطرقة، فتسمع في الظلمة أصواتًا تعرفها: صرير البكرات، وضحكة العم حسن، وصوت يوسف وهو يقرأ الأرقام بهدوء من جهاز القياس. وأحيانًا، حين تنتهي من فحص عمود، تجد على الطاولة الصغيرة كوبًا من الشاي الساخن لا أحد يعترف بأنه وضعه.في الليلة السابعة جاءها تامر ومعه سامح، الفتى المفصول، الذي ما زال يتصل بفهمي بأمر من سارة. وقف الاثنان أمام مكتبها، وقال سامح بصوت خافت:آنسة سارة، فهمي طلب مني اليوم أن أُحضر نسخة مفتاح الغرفة الخلفية في الفنار. قال إن الأمر عاجل.لماذا؟قال إن السيد وائل يريد «تنظيف» القبو قبل أن يصل أحد.رفعت سارة رأسها ببطء.تنظيف؟هذه كلمته. وسمعتُه يتحدث في الهاتف عن «ليلة الخميس» و«الغاز». لم أفهم.قال تامر: وأنا رأيتُه أمس يشتري ثلاثة جالونات من محطة الوقود قرب الك

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الحادي والثلاثون: أمام وكيل النيابة

    كانت غرفة التحقيق في نيابة المنشية أصغر مما تخيّلت سارة، بجدران خضراء باهتة، ومروحة سقف تدور ببطء كأنها تحصي الأنفاس. جلس وكيل النيابة، الأستاذ مجدي رضوان، خلف مكتب عريض يغطيه الورق، وهو رجل في الأربعين بنظارة رفيعة وعينين لا تعرفان الاستعجال. وإلى جواره جلس كاتب الجلسة يرتّب أقلامه كجندي يتهيأ لمعركة.كانا قد جلسا قبل دقائق في الممر الطويل المكتظ بالمتقاضين، على مقعد خشبي واحد وبينهما فراغ ذراع. مرّت امرأة تجرّ طفلًا يبكي، ورجل يلوّح بأوراق مجعّدة، وحارس يصيح بأسماء لا تنتهي. قال يوسف بصوت خافت: هل تريدين شيئًا؟ ماء؟أريد أن أنسى أنني أعرف عمّي.لا أستطيع أن أعطيك ذلك.ثم مدّ إليها زجاجة ماء، فتناولتها وشربت نصفها.على الجانب الآخر كان عادل المنصور قد وصل قبلها بعشر دقائق، في بدلة داكنة أنيقة وإلى جواره محاميه ذو البدلة الرمادية، وعلى وجهه قناع رجل مظلوم أتقن تدريبه أمام المرآة. لم يرفع عينيه إليها حين دخلت. أخذت مقعدها بين يوسف والأستاذ حمدي، ووضعت كفّيها على ركبتيها كي لا يلاحظ أحد ارتجافهما.بدأ الوكيل بصوت منخفض: سنستمع أولًا إلى أقوال الآنسة سارة المنصور، ثم إلى السيد يوسف الهاش

  • بعد أن انطفأت الأنوار   الفصل الثلاثون: سطح الفنار

    صعدت سارة إلى سطح الفنار بعد منتصف الليل، وحدها، تحمل قنينة ماء ومصباحًا. كانت الدرجات الحديدية تئنّ تحت قدميها، وفي أعلى السلّم انفتح أمامها فضاء رمادي، فيه قبّة زجاجية مكسورة ونجوم شحيحة وبحر أسود يتنفس بعيدًا.كان الفنار في الليل مختلفًا عن النهار: لا ضجيج خلاطات ولا صراخ عمّال، بل أنين رياح تخترق الشقوق كأن المبنى نفسه يتنفس. تحسّست الحجر تحت كفّها فشعرت ببرودة طيبة تشبه ظهر حيوان كبير نائم.جلست عند الحافة، وتركت قدميها تتدلّيان. خلت الدنيا إلا من صوت الأمواج.لم تدرِ كم مرّ من الوقت حين سمعت خطوات على السلّم. لم تلتفت. كان وقع القدمين مألوفًا، ثقيلًا وحذرًا في الوقت ذاته.هل أزعجك؟ سأل يوسف من الخلف.المكان للجميع.جلس على بعد ذراعين، ثم سكت. تركا السكون يقوم بين أنفاسهما. وبعد فترة، قالت وهي تنظر إلى الأفق:أتريد أن تعرف كيف كانت السنة الأولى؟التفت إليها بسرعة. لم يتكلم.في الشهر الثالث، ذهبتُ إلى مستشفى حكومي لأعالج التهاب حلقي. وفي الاستقبال سألتني الممرضة عن اسم الزوج. قلتُ إنني لستُ متزوجة. نظرت إلى خاتمي، ثم إلى أصبعي العاري، ثم إلى وجهي، وقالت بلهجة طيبة: لا بأس يا حبيبت

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status