LOGINدخلت ليان إلى المنزل وهي لا تزال تمسك يد ياسين.
لكنها توقفت عندما رأت أمها واقفة أمام سامح. كان الصمت بينهما غريبًا. صمت شخصين يعرف كل منهما عن الآخر أشياء كثيرة، لكنه لا يعرف من أين يبدأ الكلام. قالت ليان بهدوء: — ماما… إنتِ تعرفي سامح من زمان؟ نظرت أمها إليها، ثم إلى ياسين. — أيوه. — من إمتى؟ جلست أمها على الأريكة. — من قبل ما تتولدي. جلست ليان بجانبها. أما ياسين فجلس إلى جوارها، دون أن يتدخل. قالت الأم: — سامح كان واحد من الناس اللي ساعدوا والدك يحميكي. نظرت ليان إلى ياسين. ثم قالت: — وياسين؟ ابتسمت أمها بحزن. — ياسين دخل حياتك بعدين. قال سامح: — لكن والدك كان مخطط من البداية. سألت ليان: — مخطط لإيه؟ — إنك تفضلي بعيدة عن كل اللي حصل. تدخل ياسين بهدوء: — وده السبب اللي خلاه يطلب مني أحميها. نظرت ليان إليه. — وأنا طول الوقت كنت فاكرة إنك دخلت حياتي بالصدفة. ابتسم. — أنا كمان كنت أتمنى لو كانت صدفة. ضحكت بخفة. — وليه؟ — لأن الصدف أجمل من الخطط. نظرت إليه بحنان. — بس يمكن أجمل حاجة حصلتلي كانت إنك دخلت حياتي… حتى لو البداية كانت معقدة. مد يده وأمسك يدها. قالت أمها وهي تراقبهما: — أهم حاجة إنكم دلوقتي بتختاروا بعض بإرادتكم. ابتسمت ليان. — أيوه. ثم نظرت إلى ياسين. — أنا اخترته. قال ياسين: — وأنا اخترتها. ابتسمت الأم للمرة الأولى منذ دخولهم. لكن سامح ظل واقفًا بعيدًا. قال: — لازم أمشي. التفتت إليه ليان. — مش هتقعد؟ — مش النهارده. قالت: — ليه؟ نظر إليها للحظات. — لأن وجودي هنا ممكن يرجع حاجات والدتك مش مستعدة تواجهها. نظرت ليان إلى أمها. — ماما؟ أمسكت أمها بيدها. — أنا كويسة. ثم نظرت إلى سامح. — بس لسه في حاجات لازم تتقال. قال سامح: — لما ييجي وقتها. وغادر. أغلقت ليان الباب خلفه. ثم عادت إلى غرفة الجلوس. كان ياسين ينظر إليها. — تعبانة؟ — جدًا. — تحبي تنامي؟ هزت رأسها. — لا. — طيب؟ ابتسمت. — عايزة أقعد معاك شوية. اقترب منها. — أنا موجود. جلسا في الشرفة. كانت المدينة هادئة، والهواء لطيفًا. أسندت ليان رأسها على كتفه. — فاكر أول مرة خرجنا فيها لوحدنا؟ — أكيد. — كنت متوتر. ضحك. — جدًا. — كنت بتحاول تبان واثق. — وأنا كنت فاكر إني نجحت. ضحكت. — لأ، كنت واضح جدًا. نظر إليها. — وإنتِ؟ — كنت مبسوطة. سكت قليلًا. ثم قال: — ليان؟ — هممم؟ — لو رجع بي الزمن… رفعت رأسها. — كنت هتتجوزني؟ ابتسم. — كنت هحبك الأول. اتسعت ابتسامتها. — وبعدها؟ — وبعدها كنت هتجوزك. قالت: — يعني كنت هتختارني من غير كل الأسرار دي؟ — كنت هختارك حتى لو ما كانش في أي سر. سكتت. ثم قالت: — نفسي أصدق إن اللي جاي يكون أبسط. أجابها: — مش هقدر أوعدك إن حياتنا هتبقى بسيطة. ثم أمسك يدها. — لكن أقدر أوعدك إنك مش هتواجهيها لوحدك. نظرت إلى أصابع يده وهي تمسك يدها. — ده كفاية. ثم ابتسمت. — ياسين؟ — نعم؟ — أنا بحبك. توقف للحظة. وكأن الجملة، رغم أنه سمعها من قبل، كانت جديدة عليه. ابتسم. — قوليها تاني. ضحكت. — لأ. — ليه؟ — عشان ما تتعودش. — متأخر. اقتربت منه قليلًا، ثم أسندت رأسها على كتفه مرة أخرى. وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك بيت رقم 3. ولا رسائل ناقصة. ولا أسرار قديمة. كان هناك فقط ليان وياسين. زوجان يحاولان أن يعيدا بناء شيء كاد الماضي أن يهدمه. لكن في الغرفة الأخرى، كانت أم ليان تقف أمام صورة قديمة. صورة تجمعها مع والد ليان وسامح. وضعت يدها على الصورة وهمست: — كنت أتمنى إن الماضي يفضل مدفون. ثم قلبت الصورة. وفي ظهرها كانت هناك جملة قديمة بخط والد ليان: “إذا عادت ليان إلى البيت رقم 3، فاعلمي أن الوقت قد حان لتخبريها بكل شيء.” رفعت الأم عينيها نحو باب الشرفة. نظرت إلى ابنتها وهي تضحك مع ياسين. ثم أخفت الصورة داخل درجها. — ليس الليلة. لكنها كانت تعرف أن الوقت لم يعد طويلًا.توقفت ليان أمام والد ياسين.— كنت هناك؟أومأ.— أيوه.قال ياسين:— فين؟أجاب والده:— في المكان اللي ماتت فيه أم ليان.ساد الصمت.شعرت ليان أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.— إنت كنت موجود ليلة وفاة أمي؟— أيوه.— وشفت اللي حصل؟— شفت جزء منه.اقتربت ليان.— مين كان هناك؟نظر الرجل إلى عادل، ثم إلى مريم.— ناس كتير.قالت ليان:— أنا مش عايزة أسماء عامة. عايزة الحقيقة.تنفس بعمق.— كان والدك.تجمدت.— وأمك.رفعت ليان رأسها.— ماما؟— أيوه.ثم قال:— وكان فارس.قال ياسين:— وفارس هو الحارس؟أومأ.— كان واحدًا من الأشخاص اللي حاولوا حماية الأطفال.قالت ليان:— لكن مريم قالت إنه مات.— لأن الجميع كان يعتقد ذلك.— وإنت؟— عرفت إنه عاش.سألت ليان:— مين قتل أمي؟أخفض الرجل عينيه.— ما أقدرش أقول إن شخصًا واحدًا قتلها.— ليه؟— لأن موتها كان نتيجة سلسلة قرارات.تدخلت مريم:— قول لها الباقي.نظر إليها.— والدتك اكتشفت إن سارة كانت على قيد الحياة.شهقت ليان.— قبل الحادث؟— أيوه.— وكانت عايزة ترجعها؟— كانت عايزة تجمع كل الأطفال من جديد.قال سليم:— وده اللي خوّفهم.سألت ليان:— مين «هم»؟قا
توقفت ليان أمام الباب.كان صوت مريم يأتي من الخارج بهدوء غريب:— سليم… افتح الباب.نظر سليم إلى ليان.— ما ترديش.اقترب ياسين من الباب، ثم أشار إليهما بالابتعاد.— مريم، إحنا عارفين إنك هنا.ضحكت من الخارج.— عارفين إيه؟قال ياسين:— إنك كنتِ بتشتغلي مع الحارس.ساد الصمت.ثم جاء صوتها:— أنتم فاهمين نص الحقيقة بس.قالت ليان:— إذن قولي النص التاني.— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ أصحابها يا ليان.تجمدت ليان.— إنتِ تعرفيني؟— كنت أعرفك قبل ما تعرفي نفسك.نظر سليم إليها.— مريم، كفاية.قالت:— إنت بالذات ما لكش حق تتكلم.فتح سليم عينيه بدهشة.— ليه؟— لأنك عارف الحقيقة عن أمك.ساد الصمت.التفتت ليان إلى سليم.— أمي؟خفض سليم عينيه.— أنا ما كنتش عايز أقولك هنا.— قول.— أمنا كانت تعرف إننا هننفصل.— ليه؟— لأنها كانت عارفة إن الشخص اللي بيطارد الأطفال مش عايزك إنتِ ولا أنا.سألت ليان:— أمال عايز إيه؟أجاب سليم:— عايز الدليل.— أي دليل؟نظر إلى الملف الذي في يدها.— الملف اللي عندك.فتحت ليان الملف بسرعة.كانت الصفحات فارغة تقريبًا.إلا صفحة واحدة.في أسفلها اسم:عادل المصري.قالت:— عادل؟
الفصل ١٢٠: أخيظلت ليان تنظر إلى اسم آدم على الشاشة.«ليان… أنا عرفت مين أخوك الحقيقي.»قال ياسين:— ردي عليه.نظرت إليه.— مش خايف؟— خايف.— ومع ذلك؟— لأن الحقيقة أهم من خوفي.فتحت ليان الاتصال.— آدم؟جاء صوته متوترًا:— أخيرًا رديتي.— مين أخويا؟صمت آدم.— مش هقدر أقولك في التليفون.— آدم، كفاية.— اسمعيني بس.— أنا سمعت منك أكاذيب كفاية.تنهد.— أنا ما كنتش بكذب لما قلت لك إني الطفل الرابع.— كنت بتضللني.— أيوه.— ليه؟— لأن لو قلت لك الحقيقة من البداية، كنتِ هتدوري عليه.— وإيه المشكلة؟— لأنهم كانوا مستنيين إنك تدوري عليه.سألت:— مين «هم»؟صمت.ثم قال:— الحارس.نظرت ليان إلى ياسين.— عرفنا إنه مريم.سكت آدم طويلًا.— مريم مش الحارس.تجمدت ليان.— إيه؟— مريم كانت بتشتغل معاه.قال ياسين:— إذن مين الحارس؟جاء صوت آدم:— الشخص اللي كنتوا فاكرين إنه مات.تذكرت ليان كلام والد ياسين.— والد ياسين؟— لا.ثم قال آدم:— الشخص ده أقرب مما تتخيلي.سألته ليان:— أخويا؟— أيوه.توقفت أنفاسها.— إنت عرفت مين هو؟— عرفت مكانه.— فين؟— في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.قالت:— المستشف
الفصل ١١٩: الأقربظلت ليان تنظر إلى الرسالة.«ما تدوريش على أخوك… لأنه بالفعل وجدك.»رفعت عينيها ببطء.كان ياسين أمامها.وللحظة، لم تستطع منع الفكرة من دخول عقلها.هل يمكن أن يكون هو؟لاحظ ياسين نظرتها.— ليان؟لم تجب.اقترب خطوة.— إنتِ بتفكري في إيه؟قالت بصوت خافت:— الرسالة قالت إنه قريب مني.— أيوه.— وممكن يكون شخص عاش معايا سنين.صمت ياسين.قالت:— صح؟نظر إليها طويلًا.ثم قال:— لو كنتِ بتشكّي فيا، اسأليني مباشرة.ابتلعت ليان دموعها.— هل أنت أخويا؟ساد الصمت.اتسعت عينا ياسين.ثم هز رأسه.— لا.أغمضت ليان عينيها.لم تعرف هل شعرت بالراحة أم بالخوف.قال والد ياسين:— ابني مش أخوكي.نظرت إليه.— إنت متأكد؟— أيوه.ثم أضاف:— والدك كان يعرف إن ياسين مش من نفس دمك.تنفست ليان ببطء.لكنها لم تترك يد ياسين.قال:— كنت عارف إن السؤال ده هييجي يومًا.— ليه؟— لأن أبوكي كان يخاف من إن الحقيقة تفرق بيننا.نظرت إليه.— وأنا خفت.— عارف.— بس أنا مش عايزة أعيش وأنا شاكّة في كل شخص بحبه.قال ياسين:— إذن ما تخليش رسالة مجهولة تقرر مين تثقي فيه.ثم أخرج هاتفه.— خلينا نعرف مين بعتها.فتح ال
الفصل ١١٨: الغرفة ٣٠٩ساد الصمت بعد كلام عادل.قالت ليان:— يعني إيه الحارس مش عايز حد يدخل الغرفة؟أجاب عادل:— لأن فيها الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت مين كان مسؤول عن اختفاء سارة.قال ياسين:— وأبويا طلب مني أروح هناك.— عشان يوقعك في فخ.نظر ياسين إليه.— أو عشان يقول لي الحقيقة.قالت ليان:— هنروح.اعترض عادل:— ليان، ده خطر.نظرت إليه بثبات.— أنا قضيت سنين وأنا عايشة وسط أسرار اتعملت بحجة حمايتي. المرة دي أنا اللي هقرر.نظر ياسين إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.— وأنا معاكي.⸻بعد ساعة، وصلوا إلى المستشفى القديمة.كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مغطاة بالغبار.دخلت ليان وهي تمسك يد ياسين.كان الممر طويلًا وهادئًا.ثم ظهر الرقم على الباب:٣٠٩.توقفت ليان.شعرت بدوار مفاجئ.— أنا كنت هنا.قال ياسين:— متأكدة؟— أيوه.وضعت يدها على الباب.وعادت الذكريات.سرير صغير.امرأة تبكي.طفلة تحمل دمية.وصوت رجل يقول:— لازم تاخدوها قبل ما يكتشفوا الحقيقة.فتحت ليان عينيها فجأة.— كان فيه رجل هنا.سأل ياسين:— تعرفيه؟— لا.ثم قالت:— لكني أعرف صوته.قبل أن تكمل، سُمع صوت خطوات في آخر الممر.اقترب
الفصل ١١٧: الصورة التي غيّرت كل شيءلم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة.كانت صغيرة.تقف بجانب ياسين، الذي كان يبدو أصغر منها بسنوات قليلة.وبينهما كانت سارة.ثلاثة أطفال في مكان واحد.وفي الخلف شجرة قديمة تعرفها ليان جيدًا.قالت بصوت منخفض:— إنت كنت هناك؟نظر ياسين إلى الصورة.تغير وجهه.— أيوه.— يوم اختفاء سارة؟— أيوه.— وكنت تعرفها؟— كنت أعرفها.ابتعدت ليان خطوة.— ليه ما قلتليش؟— لأنني ما كنتش فاكر كل حاجة.— بس الصورة موجودة!— عارف.قالت ليان بحدة:— إذن إنت كنت بتكدب عليّ.هز ياسين رأسه.— لا.— أمال إيه؟اقترب منها، لكنه لم يلمسها.— أنا كنت طفل وقتها.— بس كنت فاكر!— كنت فاكر جزءًا فقط.صمتت ليان.قال ياسين:— كنت أفتكر إني شفت بنت صغيرة في مكان قديم. ما كنتش أعرف اسمها.— وبعدين؟— بعد سنين، شفت الصورة عند أبوكي.— وعرفت إنها سارة؟— أيوه.— وإنت عملت إيه؟خفض عينيه.— سألت أبوكي.— وقال لك إيه؟— قال لي أنسى الصورة.شهقت ليان.— وتسمع كلامه؟— كنت صغير ومش فاهم.ثم أضاف:— وبعدها اختفت الصورة.قالت ليان:— مين كان معاكم؟نظر ياسين إلى الصورة.— أخويا.تجمدت.— أخوك