LOGINلم تنم ليان تلك الليلة.
كانت جملة والدتها تتكرر في رأسها: «بكرة هحكيلك كل حاجة.» جلست بجانب النافذة، والقلادة القديمة في يدها. دخل ياسين الغرفة بهدوء. — لسه صاحيّة؟ هزت رأسها. — مش قادرة أنام. جلس بجانبها. — أفكار كتير؟ — جدًا. ثم نظرت إليه. — أنت لو مكان أمي… كنت هتقدر تخبي سر عشرين سنة؟ فكر قليلًا. — لو كنت فاكر إن السر هيحمي شخص بحبه، يمكن. — حتى لو الشخص ده اتوجع بسبب إنك خبيت؟ نظر إليها. — لا. ثم أضاف: — عشان كده أنا مش هخبي عنك حاجة بعد كده. ابتسمت بحزن. — حتى لو الحقيقة صعبة؟ — حتى لو. وضعت رأسها على كتفه. — أنا محظوظة بيك. — وأنا المحظوظ. — ليه؟ — عشان رغم كل اللي حصل، لسه بتختاريني. رفعت رأسها. — أنا مش بس باختارك. — أمال؟ — أنا بختار حياتي معاك. ابتسم. ثم أمسك يدها. — يبقى خلينا نسيب بكرة لبكرة. ضحكت بخفة. — أنت دايمًا عايز تأجل القلق. — لأنه مش من حقه ياخد وقتنا. ⸻ في صباح اليوم التالي، كانت ليان ووالدتها تجلسان وحدهما. أما ياسين فبقي في الخارج، كما طلبت الأم. نظرت الأم إلى ابنتها طويلًا. — قبل ما أبدأ… لازم تعرفي حاجة. — إيه؟ — كل اللي هقوله لكِ النهاردة حصل وأنا كنت بحاول أحميكِ. — ونونو؟ أغمضت الأم عينيها للحظة. — نونو كانت جزءًا من الحماية. توقفت ليان. — يعني هي مش أختي؟ لم تجب الأم فورًا. ثم قالت: — ما سألتينيش السؤال الصح. — إيه السؤال الصح؟ — اسألي: ليه كنتِ محتاجة حد يحميكِ أصلًا؟ سكتت ليان. ثم قالت: — ليه؟ تنفست أمها ببطء. — لأن يوم ولادتك لم يكن يومًا عاديًا. شعرت ليان بقلبها ينقبض. — رجعنا لنفس الموضوع؟ — لازم. ثم أمسكت يدها. — في يوم 27 أبريل 2000، لم أولد أنتِ وحدكِ. تجمدت ليان. — أمي… — كان هناك طفل آخر. خفضت ليان عينيها. — بنت؟ أومأت أمها. — بنت. سكتت ليان طويلًا. ثم سألت: — نونو؟ هزت الأم رأسها. — لا. رفعت ليان عينيها بدهشة. — مش نونو؟ — نونو ظهرت في حياتك بعد ذلك بسنوات. شعرت ليان بأن جزءًا من اللغز انفتح، لكنه لم يكتمل. — إذن مين كانت البنت الثانية؟ قالت الأم: — هذا هو الجزء الذي لم أستطع أن أخبركِ به. — ليه؟ — لأن والدكِ طلب مني ألا أخبركِ حتى تصبحين مستعدة. — مستعدة لإيه؟ نظرت إليها أمها بعينين دامعتين. — لمعرفة أن حياتكِ منذ طفولتك لم تكن كما ظننتِ. ⸻ فتحت ليان فمها لتسأل، لكن أمها أوقفتها. — مش كل حاجة النهاردة. — ليه؟ — لأنني أريدك أن تسمعي القصة كاملة، وليس أجزاءً تجعلِك تفسرينها وحدك. سكتت ليان. ثم قالت: — طيب نونو؟ ابتسمت الأم بحزن. — نونو كانت أقرب شخص إليكِ في فترة مهمة جدًا من طفولتك. — وكانت تعرف الحقيقة؟ — كانت تعرف جزءًا منها. — وهل ما زالت قريبة؟ ترددت الأم. ثم قالت: — نعم. ارتجف صوت ليان. — فين؟ — لا أعرف مكانها الآن. ثم أضافت: — لكنني أعرف شخصًا يعرف. رفعت ليان عينيها. — مين؟ وقبل أن تجيب، سُمع طرق خفيف على الباب. التفتت الأم. دخل ياسين. — آسف، ما كنتش عايز أقاطعكم. قالت الأم: — لا، تعال. جلس ياسين بجانب ليان. أمسكت ليان يده فورًا. لاحظت الأم ذلك، فابتسمت. — كنت عارفة إن أبوكِ لما اختار ياسين… كان اختياره صح. نظر ياسين إليها. — هو كان يعرف كل ده؟ — مش كل شيء. ثم نظرت إلى ليان. — لكن كان يعرف شيئًا واحدًا. — إيه؟ قالت الأم: — إنك في يوم من الأيام هتحتاجي شخصًا لا يخاف من الحقيقة معكِ. نظرت ليان إلى ياسين. ثم ابتسمت. — ولقاه. أمسك ياسين يدها. — ولقيت أنا كمان الإنسانة اللي عايز أكمل معاها. ⸻ بعد ساعات، كانت ليان تقف أمام المرآة. أخرجت القلادتين. وضعت واحدة في يدها. والأخرى بجانبها. تأملت الحرفين: ل.م ثم تذكرت كلمات أمها. طفلتان. 27 أبريل 2000. نونو. البيت القديم. والقلادتان. لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا الآن. لم تعد ليان تريد أن تهرب من الحقيقة. كانت تريد أن تعرفها. وعندما دخل ياسين، وجدها تبتسم. — إيه؟ قالت: — قررت حاجة. — إيه؟ — مهما كانت الحقيقة… تقدمت نحوه. — مش هسيبها تخوفني. ابتسم. — وأنا مش هسيبك تواجهها لوحدك. وضعت يدها في يده. وفي تلك اللحظة، وصل إلى هاتف ليان إشعار جديد. رسالة من رقم مجهول: «لو عايزة تعرفي مين كانت الطفلة الثانية… اسألي أمك عن اسم المستشفى.» نظرت ليان إلى ياسين. ثم أغلقت الهاتف. — أظن إن عندنا مكان نروحه. سألها: — المستشفى؟ هزت رأسها. — أيوه. ثم ابتسمت. — بس المرة دي… هنروح وإحنا ماسكين إيد بعض. ابتسم ياسين. — زي دايمًا. ومعًا، خرجا من الغرفة. أما القلادتان، فبقيتا فوق الطاولة… متجاورتين للمرة الأولى منذ عشرين عامًا.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







