LOGINكان الليل قد حلّ بهدوء، والبيت غارقًا في سكون لم تعتده ليان منذ فترة طويلة.
وقفت أمام المرآة ترتب شعرها، ثم نظرت إلى انعكاسها للحظات. كانت تشعر بشيء غريب. منذ عودة أمها إلى حياتها، أصبحت الأشياء التي كانت تبدو مستحيلة بالأمس ممكنة اليوم. لكن أكثر ما أربكها لم يكن ظهور أمها. كان ياسين. ذلك الرجل الذي كان يومًا أقرب شخص إليها، ثم أصبح أكثر شخص جعلها تشك في كل شيء، وها هو الآن يحاول بصبر أن يستعيد مكانه في قلبها. طرقت أمها الباب بخفة. — ليان؟ — ادخلي يا ماما. دخلت والدتها وجلست على طرف السرير. نظرت إليها بابتسامة هادئة. — إنتِ مبسوطة؟ تفاجأت ليان بالسؤال. — ليه بتسألي؟ — عشان عينيكي بتقول غير كلامك. ضحكت ليان بخجل. — أنا… مش عارفة. — بسبب ياسين؟ سكتت. فهمت أمها الإجابة دون أن تحتاج إلى سماعها. — بتحبيه؟ خفضت ليان عينيها. — أيوه. قالتها ببساطة، وكأنها أخيرًا توقفت عن الهروب من الحقيقة. ابتسمت أمها. — طيب ليه خايفة؟ — لأني بحبه. رفعت أمها حاجبها. — ودي مشكلة؟ — لما يكون الشخص اللي بتحبيه هو نفسه الشخص اللي وجعك… آه، بتكون مشكلة. اقتربت أمها منها وأمسكت يدها. — يا ليان، الحب مش معناه إنك تنسي اللي حصل. الحب الحقيقي معناه إنك تشوفي الإنسان بكل أخطائه، وتشوفي هل هو مستعد يصلحها ولا لأ. ظلت ليان صامتة. ثم قالت: — وهو بيحاول. — وإنتِ؟ ابتسمت بخجل. — وأنا كمان. قبل أن تخرج أمها، التفتت إليها وقالت: — ما تضيعيش وقتك في الخوف من بكرة. أحيانًا الإنسان يكتشف قيمة اللي قدامه بعد ما يخسره. بعد خروجها، بقيت ليان وحدها. وبعد دقائق، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. — مين؟ — أنا. عرفت صوته فورًا. — ادخل. دخل ياسين، وكان يحمل كوبين من الشاي. — واحد ليكي. أخذته منه. — إنت حافظ إني بحب الشاي ده؟ — أنا حافظ حاجات عنك أكتر مما تتخيلي. ابتسمت. — زي إيه؟ جلس أمامها. — إنك لما تكوني متضايقة، بتقولي “أنا كويسة” كتير. ضحكت. — مش صحيح. — صحيح. — طيب حاجة تانية؟ — لما تكوني فرحانة، بتتكلمي بسرعة. — وأنا دلوقتي بتكلم بسرعة؟ — لأ. — يعني مش فرحانة؟ ابتسم. — لأ… إنتِ بتفكري. سكتت ليان للحظة. ثم قالت: — فيك حاجة اتغيرت. — للأحسن ولا للأسوأ؟ — مش عارفة. — قوليلي. نظرت إليه مباشرة. — بقيت أهدى. — يمكن لأني بطلت أخاف. — من إيه؟ اقترب قليلًا. — من إني أخسرك. سكتت. ثم قالت: — ولسه خايف؟ — جدًا. — ليه؟ نظر إلى عينيها. — لأنك أهم حاجة عندي. شعرت بقلبها يخفق. خفضت عينيها بسرعة. — إنت بتعرف تقول الكلام ده إمتى؟ — لما تكوني محتاجة تسمعيه. ابتسمت. — زمان كنت بتخبي مشاعرك. — زمان كنت غبي. ضحكت. — اعتراف رسمي؟ — رسمي جدًا. ساد بينهما صمت قصير. ثم مد يده نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها. نظر إليها وكأنه ينتظر إذنًا صامتًا. نظرت ليان إلى يده، ثم وضعت يدها فيها. أمسكها برفق. — ليان؟ — نعم؟ — أنا مش عايزك ترجعي تثقي فيا عشان بتحبيني. رفعت عينيها إليه. — أمال؟ — عايزك تثقي فيا لأني أثبتلك إني أستاهل ثقتك. شعرت بشيء يلين داخلها. — وأنا مش عايزة أرجعلك لمجرد إني مش عارفة أعيش من غيرك. — وأنا مش عايز ده. — عايزة أرجعلك عشان أنا اخترتك. ابتسم. — وده كل اللي كنت محتاج أسمعه. ظل ممسكًا بيدها. ثم قال: — فاكرة أول مرة شفتك فيها؟ ضحكت. — مستحيل تنساها. — كنتِ عاملة مشكلة. — أنا؟ — آه. — أنت اللي كنت مستفز. — وكنتِ مصممة تثبتيلي إني غلطان. — وكنت غلطان فعلًا. ضحك. — يمكن من يومها وأنا عرفت إن حياتي معاكي مش هتكون هادية. ابتسمت. — وأنا عرفت إنك هتتعبني. نظر إليها طويلًا. — بس في النهاية؟ — في النهاية إيه؟ — لسه هنا. ابتسمت ليان. — ولسه هنا. اقترب منها قليلًا، وقال بصوت منخفض: — عايز أسألك سؤال. — اسأل. — لو الزمن رجع لأول يوم اتجوزنا فيه… كنتِ هتختاريني؟ فكرت للحظات. ثم قالت: — لو كنت هعرف كل اللي حصل؟ — أيوه. نظرت في عينيه. — كنت هخاف. تغيرت ملامحه قليلًا. فأكملت: — بس كنت هختارك برضه. لم يستطع إخفاء ابتسامته. — ليه؟ قالت: — لأني مهما حاولت أبعد عنك… قلبي كان دايمًا بيرجعلك. ساد الصمت. ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت ليان أنها لا تحتاج إلى إجابة أخرى. وضعت رأسها على كتفه بهدوء. تجمد ياسين للحظة، وكأنه يخشى أن تتحرك فتبتعد. ثم قال: — وحشتيني. ابتسمت وهي ما زالت على كتفه. — وأنا جنبك. — عارف. — أمال بتقول وحشتيني ليه؟ — عشان الفترة اللي كنتِ فيها جنبي وإنتِ بعيدة عني… كانت أصعب من غيابك. رفعت رأسها ونظرت إليه. — أنا كمان كنت بعيدة. — عارف. — بس مش عايزة أبقى بعيدة تاني. ابتسم. — ولا أنا. وفي الخارج، كانت الرياح تحرك ستارة النافذة بهدوء. أما في الداخل، فكان هناك شيئان فقط يبدآن من جديد: قلب ليان… وثقة ياسين التي لم تعد تُبنى بالكلمات، بل بالأفعال. ولم تكن تعرف أن الأيام القادمة ستختبر هذا الحب مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم تعد ليان تخاف من الحب. لأنها أخيرًا اختارت أن تعيشه.الفصل ١١٢: يوم ولادتيلم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن عادل.الرجل الذي ظهر في عشرات الصور القديمة.والذي ظنت طوال حياتها أنه مجرد صديق قديم لوالدها.قالت بصوت مرتجف:— إنت والد سلمى؟أومأ عادل.— أيوه.نظرت ليان إلى سلمى.كانت واقفة في مكانها، والدموع في عينيها.— وإنتِ كنتِ عارفة؟قالت سلمى:— من سنين.— وليه ما قلتيليش؟— لأن أبوكي طلب مني ما أقولش.رفعت ليان عينيها إلى عادل.— كل الناس كانت بتسمع كلام أبويا… وأنا آخر واحدة تعرف.قال عادل:— لأنك كنتِ أهم شخص لازم يفضل بعيد عن الحقيقة.قال ياسين بهدوء:— خلينا نبدأ من البداية.أشار إلى المرأة التي تقف بجوار عادل.— مين حضرتك؟قالت:— اسمي داليا.ثم أضافت:— كنت ممرضة في المستشفى اللي اتولدتِ فيه يا ليان.تجمدت ليان.— المستشفى؟أومأت داليا.— وأنا كنت موجودة يوم ولادتك.سألت ليان:— كنتِ تعرفي عن الطفلة الثانية؟— أيوه.— والطفل الثالث؟— أيوه.ثم صمتت.قالت ليان:— والطفل الرابع؟نظرت داليا إلى عادل.ثم قالت:— عرفت عنه بعدين.اقتربت ليان خطوة.— يعني كان فيه أربع أطفال فعلًا؟أجابت:— أيوه.وضعت ليان يدها على صدرها.— طب ليه كل ال
الفصل ١١١: الرسالة الأخيرةظلت سلمى تحدق في الهاتف.رسالة عادل ما زالت أمامها:«قلتي لهم كتير يا سلمى.»ثم:«دلوقتي الدور عليكِ.»قال ياسين:— اتصلي بيه.هزت سلمى رأسها.— مش هيرد.أخذت ليان الهاتف منها.— أنا هتصل.ضغطت على الرقم.رن مرة.مرتين.ثلاثًا.ثم جاء صوت عادل.هادئًا جدًا.— ليان.تجمدت.— إنت عرفت إننا هنا؟— أنا عارف مكانكم من زمان.— ليه؟— لأن أبوكي طلب مني أراقب المكان.نظرت ليان إلى سلمى.— تراقبنا ليه؟سكت عادل لحظة.— عشان أحميكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول إنه بيحميني!قال عادل:— لأنك لسه مش عارفة مين كان عايز يؤذيك.— قول لي.— مش على التليفون.تدخل ياسين:— إذن قابلنا.صمت عادل.ثم قال:— ياسين… لسه بتعمل نفس الغلط.شد ياسين يده.— أي غلط؟— بتحاول تحمي ليان من حاجة لازم تعرفها.قال ياسين:— وأنا مش هسيبها تواجهها لوحدها.سكت عادل.ثم قال:— كنت متوقع إنك تقول كده.انتهت المكالمة.نظرت ليان إلى ياسين.— هو يعرفك كويس.— أيوه.— أكتر مما كنت فاكرة.أمسك يدها.— وأنا مش هخبي عليكِ حاجة تاني.ابتسمت بحزن.— وعد؟— وعد.⸻بعد دقائق، أخرجت سلمى ملفًا آخر.— في
الفصل ١١٠: الرجل الذي كان يعرفظل اسم عادل المصري معلقًا في عقل ليان.نظرت إلى الصورة مرة أخرى.كان يقف بجوار والدها، مبتسمًا وكأنهما لا يحملان أي سر.قالت:— عادل كان يعرف مكاننا؟أومأت سلمى.— أيوه.— من إمتى؟— من قبل ما تتولدي.تدخل ياسين:— وإيه علاقته بأبو ليان؟قالت سلمى:— كانوا شركاء في حاجات كتير… بس مش كل اللي بينهم كان قانوني.نظرت ليان إلى ياسين.— وإنت كنت تعرف ده؟— كنت أعرف إن بينهم شغل قديم.— بس مش أكتر؟— لا.قالت سلمى:— ياسين ما كانش يعرف كل حاجة.نظرت إليها ليان بدهشة.— إنتِ بتدافعي عنه؟ابتسمت سلمى.— أنا أعرف ياسين من زمان.سألت ليان:— تعرفيه إزاي؟نظرت سلمى إلى ياسين.— أبوكي كان بيجهزه يحميكي قبل ما يعرفك حتى.ساد الصمت.قال ياسين:— سلمى…— لازم تعرف.ثم نظرت إلى ليان.— أبوكي ما اختارش ياسين بالصدفة.اقتربت ليان من ياسين.— إمتى قابلت أبويا؟أجاب:— وأنا عندي عشرين سنة.— وأنا كان عندي كام؟— كنتِ صغيرة.— شافني؟تردد.— أيوه.اتسعت عيناها.— وإنت شفتني وأنا طفلة؟أومأ.— مرة واحدة.سألته:— وكنت تعرف إن فيه أطفال تانية؟— كنت أعرف إن فيه حاجة مش طبيعية ب
الفصل ١٠٩: سلمىكانت ليان تحدق في العنوان الموجود على هاتفها.لم يكن بعيدًا.مكان قديم في أطراف القاهرة، بجوار حديقة صغيرة مهجورة.قال ياسين:— هنروح سوا.هزت رأسها.— بس وعدني بحاجة.— إيه؟— مهما حصل هناك… متسيبش إيدي.نظر إليها بابتسامة هادئة.— مش هسيبها.⸻بعد حوالي نصف ساعة، وصلا إلى المكان.كانت الحديقة شبه خالية.مصباح واحد مضاء عند البوابة.دخلت ليان وهي تمسك يد ياسين.كل خطوة كانت تجعل قلبها أسرع.ثم سمعت صوتًا خلفها:— ليان؟توقفت.استدارت.كانت فتاة تقف على مسافة قريبة.شعرها طويل، وملامحها هادئة، وفي يدها قلادة صغيرة.نظرت ليان إليها.وشعرت بشيء غريب.لم تكن تعرفها…لكن قلبها عرفها.همست:— سلمى؟ابتسمت الفتاة والدموع في عينيها.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.— إنتِ…لم تستطع إكمال الجملة.قالت سلمى:— كنت مستنياكي من زمان.نظرت ليان إلى القلادة حول رقبتها.كانت تحمل علامة ل.م.— إنتِ كنتِ معايا وأنا صغيرة؟أومأت سلمى.— كل يوم تقريبًا.— وأنا كنت فاكرة إن نور ومينا بس كانوا معايا.ابتسمت سلمى بحزن.— لأنك نسيتي.— ليه؟خفضت سلمى عينيها.— لأن والدك طلب من الدكتور سامي يساعدك ت
الفصل ١٠٨: أخت آدمتجمدت ليان مكانها.— أختك؟أومأ آدم.— أيوه.نظر ياسين إليه بحدة.— وإنت كنت عارف إنها الطفلة الرابعة من البداية؟— عرفت متأخر.— وإزاي؟لم يجب آدم.جاء صوت المرأة من الخارج مرة أخرى:— آدم! اخرج من هنا!استدارت ليان نحو الباب.— مين دي؟لم يجب آدم.اقتربت منه.— أنا تعبت من الأسرار.قال آدم:— ليان، لو عرفتي اسمها قبل ما تعرفي باقي الحقيقة، ممكن تفهمي كل حاجة غلط.— أنا مش عايزة تفهمني. أنا عايزة الحقيقة.نظر إليها للحظات.ثم قال:— اسمها الحقيقي… سلمى.اتسعت عينا ليان.— سلمى؟شعرت بذكرى صغيرة تمر في عقلها.طفلة تجلس بجانبها.شعر طويل.وشريط أبيض.وصوت يضحك:— ليان، لما نكبر هنفضل أصحاب؟همست ليان:— أنا فاكرة الصوت.قال آدم:— هي كانت بتحبك جدًا.تدخل ياسين:— فين سلمى دلوقتي؟خفض آدم عينيه.— مش هنا.— فين؟— في مكان آمن.قالت ليان بغضب:— إنت مش هتقرر عني تاني.— أنا بحاول أحميها.— زي ما كل الناس حاولت تحميني؟ وكل واحد فيكم خبّى عني الحقيقة؟لم يجد آدم جوابًا.اقترب ياسين من ليان.— إحنا مش هنضغط عليه.نظرت إليه.— ليه؟— لأنه في النهاية هيتكلم.ثم نظر إلى آدم
الفصل ١٠٧: نور أخرىظلت ليان تنظر إلى الصورة.الطفلة الموجودة بجانبها كانت تبتسم.ملامحها مألوفة بطريقة غريبة.لكن نور كانت تقف أمامها وتنفي أن تكون هي.— مش أنا يا ليان.رفعت ليان عينيها إليها.— بس آدم قال إن اسمها نور.قالت نور:— فيه نور غيري.تدخل ياسين:— يعني كان فيه طفلة تانية اسمها نور؟أجابت نور بعد صمت:— يمكن الاسم ده ما كانش اسمها الحقيقي أصلًا.شعرت ليان أن رأسها امتلأ بالأسئلة.— أنا مش فاهمة حاجة.اقترب ياسين منها.— متضغطيش على نفسك.— بس أنا شفتها قبل كده.— عارف.— وحبيتها.نظر إليها بحنان.— يبقى هنفتكرها واحدة واحدة.ابتسمت رغم دموعها.— إنت دايمًا بتقولها كأن كل حاجة سهلة.— لا.هز رأسه.— بس طول ما إحنا سوا، حتى الصعب بيبقى أهون.سكتت ليان لحظة.ثم أعادت النظر إلى الصورة.في الخلف كان هناك منزل قديم.وعلى الباب رقم واضح:٧قالت فجأة:— البيت رقم سبعة.نظر رائد إليها بصدمة.— إنتِ افتكرتي؟— لأ… بس حاسة إني كنت هناك.قالت نور:— أنا أعرف المكان.التفت الجميع إليها.— فين؟— في منطقة قديمة خارج القاهرة.قالت ليان:— ليه تعرفيه؟أجابت نور:— لأن أبوكي كان بيمنعني أ







