Masukظلت ليان تمسك الدفتر بين يديها.
كانت تنظر إلى الجملة المكتوبة في الصفحة الأولى وكأنها تحاول أن تسمع صوت والدها من خلالها. “اليوم الذي قابلت فيه ياسين… عرفت أن ابنتي ستكون بأمان.” رفعت عينيها نحو ياسين. — كنت تعرف إن أبويا كان بيثق فيك للدرجة دي؟ هز رأسه. — ما كنتش أعرف. — ولا مرة قالك؟ — قال لي إنه واثق فيا… لكن ما قالش الجملة دي. قلبت ليان الصفحة. كانت هناك ملاحظات قصيرة، بعضها عن العمل، وبعضها عن العائلة. ثم وجدت صفحة تحمل اسم ياسين. قرأت بصوت منخفض: — “ياسين لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يعطي وعدًا يلتزم به.” ابتسمت دون أن تشعر. — دي فعلًا أنت. نظر إليها ياسين. — أبوكي كان بيراقبني كويس. ضحكت. — واضح. قلبت الصفحة. وجدت جملة أخرى: “أكثر ما يهمني ليس أن يحميها ياسين، بل أن يحبها دون أن يمتلكها.” توقفت ليان. ثم نظرت إلى ياسين. لم يقل شيئًا. فقط ظل ينظر إليها. قالت بصوت متأثر: — بابا كان عارف. — عارف إيه؟ — إن الحب مش امتلاك. أمسك ياسين يدها. — وأنا عارف ده دلوقتي. قالت: — ودلوقتي؟ ابتسم. — دلوقتي أنا عايزك تختاريني كل يوم. خفضت عينيها. — وأنا بختارك. كانت فريدة تراقبهما بصمت. ثم قالت: — والدك كان يحبك جدًا يا ليان. امتلأت عيناها بالدموع. — كنت أتمنى أسمع منه الكلام ده. اقتربت فريدة منها. — يمكن هو كان بيحاول يقولك بطريقته. — بس أنا ما كنتش فاهمة. — كنتِ صغيرة. وضعت ليان يدها على الدفتر. — نفسي لو كان موجود. قال ياسين بهدوء: — لو كان موجود، كان هيكون فخور بيكي. نظرت إليه. — متأكد؟ — جدًا. — منين؟ ابتسم. — لأنه اختارني عشان أحميكي. ثم أضاف: — ولو كان شايفك دلوقتي، كان هيعرف إنك ما بقيتيش محتاجة حد يحميكي بنفس الطريقة القديمة. ابتسمت وسط دموعها. — يعني بقيت قوية؟ — قوي. ثم قال: — بس مش لازم تفضلي قوية طول الوقت. — ليه؟ — لأنك معايا. لم تستطع منع ابتسامتها. فريدة نهضت. — أنا هسيبكم. قالت ليان: — هتمشي؟ — أيوه. ثم نظرت إلى ياسين. — خليك جنبها. أجاب: — دايمًا. غادرت فريدة. ساد الهدوء. وضعت ليان الدفتر على الطاولة. ثم اقتربت من ياسين. — ممكن أسألك سؤال؟ — طبعًا. — إنت لما اتجوزتني… كنت بتحبني؟ ابتسم. — مش بالطريقة اللي بتحبي تسمعيها. — يعني؟ — وقتها كنت أعرف إنك مهمة بالنسبة لي. — وبعدها؟ — بعدها بقيت أستنى صوتك. ابتسمت. — وبعدين؟ — بقيت أفتقدك حتى وإنتِ قدامي. ضحكت. — دي جملة حلوة. — لأنها حقيقية. سكت قليلًا. ثم قال: — وبعدين فهمت إني وقعت في حبك. — إمتى؟ فكر قليلًا. — يوم رجعت من سفر قصير، ولقيتك مستنياني في البيت. — وكنت لابس إيه؟ ضحك. — إنتِ فاكرة؟ — أيوه. — كنتِ لابسة بيجامة. ضحكت بصوت عالٍ. — يا نهار أبيض! — وكنتِ شعرك منكوش. — كفاية! ضحك معها. ثم قال: — بس كنتِ أجمل حاجة شفتها. هدأت ضحكتها. — حتى وأنا بالشكل ده؟ — خصوصًا وإنتِ كده. نظرت إليه طويلًا. — عارفة؟ — إيه؟ — أنا كمان عرفت إني بحبك في يوم عادي جدًا. — إمتى؟ — يوم كنت تعبان، ومع ذلك عملتلي شاي عشان أنا كنت تعبانة. ابتسم. — وأنا حتى مش فاكر. — أنا فاكرة. ثم قالت: — يمكن دي المشكلة. — إيه؟ — إحنا بنفتكر التفاصيل الصغيرة… وننسى قد إيه كانت مهمة. اقترب منها. — من النهارده مش هننسى. أمسكت يده. — وعد؟ — وعد. وفي وقت متأخر من الليل، دخلت ليان غرفتها. وضعت الدفتر في الدرج بجانب الصورة القديمة. وقبل أن تغلقه، لاحظت ورقة صغيرة عالقة بين الصفحات. سحبتها. كانت مكتوبة بخط والدها: “هناك شيء واحد لم أخبر ياسين به…” توقفت. نظرت نحو الباب. كان ياسين يقف هناك. — لقيتي حاجة؟ أخفت الورقة للحظة، ثم نظرت إليه. وتذكرت وعدهما. لا أسرار. مدت يدها بالورقة. — أيوه. أخذها وقرأها. ثم نظر إليها. — مش عارف دي بتتكلم عن إيه. ابتسمت. — خلاص. — خلاص إيه؟ — نعرف سوا. اقترب منها. وأمسك يدها. — سوا. وفي تلك اللحظة، لم تكن ليان خائفة من الجملة الناقصة. لأنها للمرة الأولى لم تكن مضطرة لمواجهة الماضي وحدها. كان ياسين بجانبها. وكان هذا وحده كافيًا لتشعر أن أي حقيقة، مهما كانت، يمكن أن تُحتمل.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







