LOGINكان يومًا عاديًا.
وهذا تحديدًا ما جعل ليان تحبه. استيقظت متأخرة قليلًا، ووجدت ياسين قد غادر السرير. فتحت عينيها ونظرت حولها. — ياسين؟ لم يجب. نهضت وخرجت من الغرفة. وجدته في المطبخ يحاول إعداد الإفطار. وقفت عند الباب تراقبه. كان يرتدي ملابس بسيطة، وشعره غير مرتب قليلًا، ويبدو منشغلًا جدًا أمام المقلاة. قالت: — إنت بتعمل إيه؟ التفت إليها. — إفطار. — واضح. — ليه؟ — لأن المطبخ شكله كأنه مرّ بحرب. ضحك. — ما تضحكيش. اقتربت منه. — سيبني أساعدك. — لا، أنا هعمله. — آخر مرة قلت كده حرقت البيض. — المرة دي مختلفة. — إزاي؟ — اتعلمت. نظرت إلى المقلاة. — واضح جدًا. ضحكا معًا. وبعد دقائق جلسا أمام الإفطار. قال ياسين: — رأيك؟ أخذت ليان لقمة. توقفت قليلًا. — كويس. رفع حاجبه. — بس؟ — حلو. — يعني نجحت؟ ابتسمت. — نجحت. رفع يده وكأنه يحتفل. — أخيرًا! ضحكت. — أنت محتاج تشجيع أكتر من أي طفل. قال: — عشان أنا بعمل ده عشانك. نظرت إليه. — عارفة. ثم مد يده وأخذ قطعة من طبقها. قالت بسرعة: — دي بتاعتي. — إحنا متجوزين. — يعني إيه؟ — يعني أكلنا واحد. — لا. ضحك. — طيب خلاص. ثم أعاد القطعة إلى طبقها. ابتسمت. — شاطر. نظر إليها. — عايز مكافأة. — إيه؟ — ابتسامة. ضحكت. — دي عندك طول اليوم. قال: — بس بحبها لما تكون ليا. نظرت إليه بحنان. ثم قالت: — إنت اتغيرت. — للأحسن؟ — جدًا. بعد الإفطار، قررا البقاء في المنزل. جلسا معًا يشاهدان فيلمًا قديمًا. لكن بعد نصف ساعة، كانت ليان قد نامت على الأريكة. خفض ياسين صوت التلفاز. ثم وضع بطانية عليها. وعندما استيقظت بعد قليل، وجدته جالسًا بجانبها يقرأ شيئًا في هاتفه. قالت بنعاس: — نمت؟ — إنتِ اللي نمتي. — وإنت؟ — كنت مستنيكي تصحي. ابتسمت. — ليه؟ — عشان ما تبقيش لوحدك لما تصحي. نظرت إليه للحظات. ثم قالت: — أوقات بتعمل حاجات صغيرة أوي… — زي إيه؟ — بس بتفرق معايا جدًا. أغلق هاتفه. — زي إيه؟ — إنك تغطيّني وأنا نايمة. ابتسم. — دي حاجة بسيطة. — بالنسبة لك. ثم أمسكت يده. — بالنسبة لي، دي حب. سكت. ثم قال: — عارف إيه اللي اتعلمته منك؟ — إيه؟ — إن الحب مش لازم يبقى كلام كبير. — أمال؟ — إن حد يفتكر إنك بتحبي القهوة، أو يطمن عليكي، أو يستنى لحد ما تصحي. ابتسمت. — يعني بدأت تفهم. — متأخر شوية. — بس فهمت. في المساء، خرجا إلى الشرفة. كانت ليان تحمل كوب القهوة، بينما كان ياسين يجلس بجانبها. قالت: — لو رجعنا لأول يوم في جوازنا… — هتعملي إيه؟ فكرت. — هقول لنفسي ما تخافيش. — وأنا هقول لنفسي: اتكلم معاها من الأول. ضحكت. — كان ممكن نوفر على نفسنا كتير. — جدًا. ثم قال: — لكن يمكن كل اللي حصل خلانا نوصل للحظة دي. نظرت إليه. — لحظة إيه؟ — اللحظة اللي بقينا فيها فاهمين بعض. وضعت رأسها على كتفه. — أنا مبسوطة. — وأنا. سكتت قليلًا. ثم قالت: — ياسين؟ — نعم؟ — لو في يوم اختلفنا تاني… — هنختلف. — قصدي لو اختلفنا جامد. — برضه مش هسيبك. ابتسمت. — وأنا مش هسيبك. وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب. ذهب ياسين ليفتح. كانت فريدة تقف أمام الباب. لكن ابتسامتها كانت مختلفة. قالت: — مساء الخير. — مساء النور يا أمي. دخلت. نظرت إلى ليان. — محتاجة أكلمك. جلست ليان. — في إيه؟ وضعت فريدة حقيبة صغيرة على الطاولة. — لقيت حاجة تخص والدك. نظر ياسين إليها. — إيه؟ فتحت الحقيبة. أخرجت دفترًا قديمًا. ثم قالت: — ده كان في مكتب والدك. أمسكت ليان الدفتر. فتحت الصفحة الأولى. كان هناك تاريخ قديم، وتحت التاريخ جملة واحدة: “اليوم الذي قابلت فيه ياسين… عرفت أن ابنتي ستكون بأمان.” نظرت ليان إلى ياسين. لم تتكلم. أما هو، فابتسم لها بهدوء. ثم أمسك يدها. وقالت فريدة: — واضح إن والدك كان يعرف أكثر مما كنا نتصور. أغلقت ليان الدفتر. لكنها لم تشعر بالخوف. لأنها هذه المرة كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط… أن الرجل الذي اختاره والدها لحمايتها أصبح الرجل الذي اختارته هي بقلبها.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







