Share

الفصل 04

Author: سعادة خفيفة
قطع وصول حازم حديث والدة شروق الذي كانت تهمّ بقوله. كان كعادته مهذبًا ولطيفًا، لكن نبرة التعالي المتأصلة فيه لم تغب وهو يقول: "أبي، أمي، أعتذر منكما، جعلتُكما تنتظران طويلًا."

تنفستُ الصعداء بهدوء، لحسن الحظ أنه لم يُبدِ أي تصرف فظ تجاه والداي، ولم يُحرجهما.

أجابت والدتي: "لا، لا بأس. وصلنا للتو، وكنا نتحدث مع شروق قليلًا، لم ننتظر طويلًا!"

وأضاف والدي: "إذا لم تنهِ عملك بعد، يمكنك العودة لمتابعته، سنبقى نحن هنا للحديث."

خفضتُ رأسي وقلت: "هيا بنا يا أمي، لنذهب لتناول الطعام أولًا."

على مائدة الطعام، جلس حازم في مقعد الصدارة، بينما جلستُ أنا ووالداي في المقاعد الأدنى منه.

بدا والدي وكأنه يريد قول شيء ما لكنه متردد، وكان يختلس النظر إلى تعبيرات وجه حازم بحذر شديد.

"حازم... يا بني، هناك أمر أريد أن أطلب منك المساعدة فيه..."

كان موقف والدي متواضعًا لدرجة تقترب من التذلل.

قال حازم بنبرة هادئة: "أعلم أن شركة الشريف تمر ببعض الصعوبات مؤخرًا.

لا تقلق بشأن مسألة السيولة، هل أحضرت العقد معك؟"

أجاب والدي مسرعًا: "نعم، نعم، أحضرته."

تابع حازم: "سأوقعه في وقت لاحق الليلة، وسأجعل شروق ترسله إليك غدًا.

ستُحول الأموال إلى حساب الشركة في موعد أقصاه يوم الجمعة."

كانت كلماته تلك كفيلة بأن تجعل والديّ يتنفسان الصعداء، وارتسمت على وجهيهما علامات الراحة والامتنان، وأخذا يشكرانه المرة تلو الأخرى.

قال حازم: "شروق زوجتي، ومن واجبي أن أمد يد العون لعائلة الشريف حينما تضيق بها السبل."

بددت كلماته هذه شكوك والدتي تمامًا.

وبما أن والدتي تمتلك شخصية صريحة لا تعرف المواربة، قالت بابتسامة عريضة: "رؤيتكما هكذا معًا تجعلني أشعر بالاطمئنان! حين رأيتُ أخبارًا بالأمس عن الممول السري لمايا، ظننتُ للحظة أنه أنت! جعلني القلق لا أذوق طعم النوم طوال الليل!"

بمجرد أن أنهت كلامها، تجمّدت تعابير وجهي ووجه حازم، وسرعان ما غيّرنا مجرى الحديث.

بعد رحيلهما، وضعتُ اتفاقية الطلاق التي أعددتها بين طيات الصفحة الأخيرة من العقد، وحملتها إلى غرفة المكتب.

...

في المكتب، كان حازم يجلس أمام الحاسوب يتابع رسائل العمل.

رسم ضوء المصباح الأصفر الدافئ تفاصيل ملامحه الباردة بوضوح. في الماضي، كنتُ أعشق هيئته الجادة هذه وهو غارق في التركيز.

تنهدتُ تنهيدة خفيفة، ثم حملتُ العقد إليه وقلت: "هذا هو العقد الذي طلب مني والدي أن أسلمك إياه لتوقيعه، من فضلك، وقعه."

ألقى نظرة عليّ، وعندما رأى أنني لم أعد أفتعل المشاكل معه، ابتسم وقال: "يبدو أنكِ تعلمين أيضًا متى يجب أن تتوقفي عند حدّكِ."

أجبتُه وأنا أكتم الحزن في قلبي: "نعم، شكرًا لك على ما فعلته لمساعدة عائلتي قبل قليل."

قبل أن يوقع العقد قال لي: "بالمناسبة، هناك أمر عليّ إخباركِ به. في الآونة الأخيرة كثرت وسائل الإعلام التي تراقبنا، لذا قررتُ إحضار مايا ودينا للعيش هنا في المنزل. مجمع الأمل السكني، هو أكثر المجمعات السكنية خصوصية في مدينة الفيروز، وسيكون بقاؤهما هنا أكثر أمانًا."

شعرتُ بغصة في قلبي.

كيف نسيت؟

حازم رجل أعمال بارع!

كل عطاء يقدمه، لا بد أن يُدفع ثمنه بمقابل معادل.

مساعدته لعائلتي لم تكن بلا ثمن!

نطقتُ بكلمة واحدة: "حسنًا."

تابع قائلًا: "أريد أن تقيم دينا ومايا في الغرفة الرئيسية. ففي النهاية، نريد أن نهيئ لدينا جوًا..."

قاطعتُه قبل أن يكمل كلامه: "كفى، لا داعي للشرح، أنا أفهم! سأنتقل أنا إلى غرفة الضيوف، وأترك الغرفة الرئيسية لكم."

إذا كان الرجل نفسه لم يعد ملكي، فهل سأهتم بغرفة نوم؟

بعد أن وافقتُ على شروط حازم، أخرجتُ العقد وقلت: "هل يمكنك التوقيع الآن؟ والدي بحاجة ماسة إليه."

لم يقل حازم شيئًا، وبدأ بالتوقيع.

وكلما اقترب من الصفحات الأخيرة، ازداد توتري.

لأن الصفحة الأخيرة، كانت هي اتفاقية الطلاق التي أعددتها مسبقًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0325

    وما إن أنهى كلامه، حتى تجمدت فريال في مكانها، وحدقت فيه بذهول وعدم تصديق: "أنت... أنت تريد أن تقطع علاقتك بأمك؟"كانت نظرات حازم باردة إلى حد مخيف، وقال: "دينا هي أهم شخص في حياتي، ولا أسمح لأحد بإيذائها، سواء كان ذلك عن عمد أم بغير قصد. لذلك، من الأفضل لكِ أن تدعي ألا يصيبها مكروه."وأخيرًا، كفت فريال عن إثارة الضجة، وسارت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى المقعد أمام غرفة العمليات، ثم جلست عليه منهارة.أما أنا وحازم، فقد نال الإرهاق منا، ولم ينطق أي منا بكلمة، بل توجهنا صامتين وجلسنا أمام باب غرفة العمليات بانتظار انتهاء العملية.وبعد ساعات، انتهت عملية دينا أخيرًا، وخرج الطبيب من غرفة العمليات.حينها انتبهت إلى أن الطبيب الذي أجرى عملية دينا هو فؤاد.خلع كمامته الطبية، وبدت على وجهه الدهشة: "دينا هي ابنتكِ؟"أومأت برأسي، وسألته بتوتر: "أيها الطبيب فؤاد، كيف حالها؟ هل تجاوزت مرحلة الخطر؟"تقدم حازم وفريال أيضًا على الفور، وكانت ملامح الجميع شديدة الجدية وهم يحدقون في فؤاد.قال الطبيب: "اطمئنوا، لقد نجحت العملية.""ولحسن الحظ أنها وصلت في الوقت المناسب، كما أن نقل الدم تم في وقته أيضًا، لذلك

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0324

    تجنب حازم النظر إلى عينيّ، ولم يجبني فورًا، بل اتجه ببطء نحو درج الطوارئ، فلحقتُ به.رأيت بوضوح الصراع في عينيه، وكأنه لا يزال يحاول كتمان الحقيقة، مترددًا بين البوح بها والصمت.قلت بصوت متعب: "مهما سلمت دينا إلى أي شخص ليربيها، فلن يحبها أحد أكثر من أمها الحقيقية! وما حدث اليوم خير دليل. لو كنتُ أنا، لما انشغلتُ بالحديث ونسيتُ ابنتي. حازم، لا أحد في هذا العالم يستطيع أن يحل محل الأم."كانت تلك الكلمات أشبه بمفتاح فتح حصونه.كان صوت حازم يرتجف، وبدا كل حرف ينطقه كأنه مثقل بالرصاص: "أنتِ محقة، دينا هي ابنتكِ فعلًا. لقد أخذتها منكِ منذ لحظة ولادتها وخدعتكِ."في تلك اللحظة، بدا وكأن الزمن قد توقف، وشعرت بأن الدم يغلي في عروقي.وفي اللحظة التالية، رفعت يدي فجأة، فدوى صوت الصفعة الحادة في الممر الخالي."حازم!"كان صوتي حادًا كأنه ممزق، وانهمرت دموعي بغزارة كالسد المنفجر: "أخبرني لماذا؟ لقد حملتها تسعة أشهر، وانتظرتُ قدومها طوال هذه المدة! كيف استطعت... كيف استطعت أن تكون بهذه القسوة؟"كانت كل كلمة أنطقها ممزوجة بالدموع والألم.مال رأس حازم إلى الجانب من شدة الصفعة، وارتسمت آثار أصابعي بوضوح

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0323

    رغم أن قلقي لم يكن أقل من قلق حازم، فإن هذه كانت الفرصة الوحيدة أمامي لمعرفة الحقيقة.أغمض حازم عينيه، وكأنه يغرق في التفكير والتردد.وعندما فتحهما من جديد، لم يبقَ في عينيه سوى التوسل: "اذهبي أولًا وتبرعي بالدم لتنقذي دينا. وبعد أن نعود... بعد أن نعود سأشرح لكِ كل شيء، وسأخبركِ بالحقيقة كاملة."نظرت إلى ملامحه الصارمة، وتذكرت تلك الطفلة التي كانت تعاملني دائمًا بعدائية، لكنها في النهاية ابنتي التي حملتها تسعة أشهر، ولان قلبي في النهاية. ...وفي الطريق، عرفت سبب الحادث الذي تعرضت له دينا.ذهبت فريال إلى منتجع صحي، واصطحبت دينا معها، ولأنها انشغلت بالحديث مع سيدات أخريات، لم تنتبه لدينا إطلاقًا.فخرجت دينا بمفردها لتلعب، وأثناء وجودها في موقف السيارات، صدمتها سيارة كانت تغادر الموقف.انقبضت يدي بقوة حتى ابتل كفي بالعرق البارد.وعندما وصلنا إلى المستشفى، ما إن رأتني فريال حتى عقدت حاجبيها وسألت حازم: "لماذا أتت هذه؟"لم يلتفت حازم إلى سؤال والدته، بل ظل ممسكًا بمعصمي وسحبني مباشرة نحو قسم نقل الدم.لكن فريال لم تكف عن ملاحقته بالأسئلة، وقالت: "لماذا أحضرتها؟ إنها نذير شؤم! منذ أن دخلت ح

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0322

    كتمت غضبي، ودفعته بعيدًا عني بقوة، ثم نهضت وقلت: "بما أنك لا تريد أن تتحاور بهدوء، فلا داعي لأن نواصل الحديث، فلنلجأ إلى دعوى الطلاق إذًا!"لكن ما إن خطوت خطوتين، حتى أمسك بمعصمي من جديد.كانت قبضته هذه المرة أشد من السابقة، فاختل توازني وسقطت بقوة على الأريكة.وقبل أن أستوعب ما حدث، كان جسده الطويل قد انحنى فوقي، محاصرًا إياي بينه وبين الأريكة، وحرارة جسده تنفذ عبر الملابس.خفض رأسه وحدق فيّ، وكانت النيران تكاد تشتعل في عينيه، وقال بنبرة تحمل تهديدًا: "من أين لكِ هذه الجرأة لتتطاولي عليّ هكذا؟""أهو تميم؟"لم أعد أحتمل، فرفعت يدي لأصفعه، لكنه أمسك بمعصمي بسهولة، وقال ببرود: "شروق، هذه المرة أنتِ من ألقيتِ بنفسكِ بين يدي."وما إن أنهى كلامه، حتى انحنى فجأة ليقبلني.قاومت بكل ما أوتيت من قوة، وأسندت كتفي إلى صدره محاولةً دفعه بعيدًا، لكن ثقله كان كقطعة حديد تضغط على جسدي.وفي خضم هذا الاضطراب، رفعت قدمي لأركل ركبته، لكنه ثبت كاحلي بساقه بإحكام شديد جعلني عاجزة حتى عن التحرك.قال بصوت منخفض: "لا ترهقي نفسكِ."ثم أمسك حازم بعنقي من الخلف، وقال بنبرة قاتمة:"كلما قاومتِ أكثر، ازددت رغبة في

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0321

    دخلت في صلب الموضوع مباشرة: "سمعت أن مجموعة الرشيد وظفت مؤخرًا باحثين متورطين في فساد أكاديمي بمرتبات عالية. سيد حازم، ما رأيك في هذا الأمر؟"ابتسم حازم، ثم أغلق جهاز التسجيل الخاص بي مباشرة، وقال: "ما تستهدفينه في الحقيقة هو عائلة الجندي، فلماذا لا تقولين ذلك بصراحة؟ لماذا تصرين دائمًا على معاداة عائلة الجندي يا شروق؟"قلت بهدوء: "أنا لا أعادي أحدًا، أنا فقط أؤدي عملي. بالطبع، يراودني الفضول لمعرفة كيف تحولت مجموعة الرشيد إلى مكب نفايات؟"اسود وجه حازم قليلًا، لكنه لم يغضب، وقال بنبرة بدت وكأنها أمر بديهي: "لا يمكن الاستهانة بمكانة عادل في مجال تطوير المعدات الحيوية، وقسم البحث والتطوير في مجموعة الرشيد بحاجة إلى الكوادر في الوقت الحالي. كان الشرط الوحيد لموافقة عادل على العمل لدى مجموعة الرشيد هو توظيف ابنه معه أيضًا، وكأننا اشترينا واحدًا وحصلنا على الآخر مجانًا. صحيح أن الهدية لا تساوي شيئًا، لكن من أجل السلعة الأصلية، فأنا مستعد لدفع هذا الثمن."سخرت وقلت: "نعم، هذا يتوافق تمامًا مع أسلوبك في العمل، فمن أجل تحقيق أهدافك، لا تعترف بأي حدود، ولا تتورع عن أي وسيلة."ظهر الغضب على وجه

  • بعد أن طلبتُ الطلاق، خرق زوجي البارد قواعده   الفصل 0320

    "حسنًا، سأذهب الآن."حملتُ نص المقابلة ومعدات التصوير، ثم قدتُ سيارتي متجهةً إلى مقر مجموعة الرشيد....وصلت إلى مبنى مجموعة الرشيد، وقدمتُ بطاقتي الصحفية وذكرتُ اسم المؤسسة التي أعمل بها لموظفة الاستقبال.وبما أن شركتنا كانت قد حجزت موعدًا مسبقًا للتنسيق مع الشركة، لم تُبلغ موظفة الاستقبال أحدًا، بل اصطحبتني مباشرةً إلى مكتب الرئيس التنفيذي.وفكرت في نفسي، لو لم آتِ بصفتي صحفية، ولو علم حازم أنني جئتُ لأجله، فربما ما كان ليوافق على مقابلتي أصلًا.وما إن أدخلتني موظفة الاستقبال إلى مكتب الرئيس التنفيذي، حتى عقد حازم حاجبيه وقال بلهجة توبيخ:"جميع الزوار يجب أن يحجزوا موعدًا مسبقًا، ألا تعرفين ذلك؟"بدت موظفة الاستقبال الصغيرة شديدة الحرج، وقالت بصوت خافت: "سيد حازم، هذه صحفية من مجلة البيان الأسبوعية، وقد حجزت موعدًا منذ ثلاثة أيام."عجز حازم عن الرد، فأشار للموظفة بالانصراف.غادرت موظفة الاستقبال وكأن عفوًا قد صدر بحقها، وأغلقت الباب خلفها من الخارج.ظل حازم يحدق في الملفات التي بين يديه، ولم يرفع عينيه إليّ حتى.كان واضحًا أنه لا يرغب في الحديث معي إطلاقًا.قلت: "لماذا أخلفت موعدك مع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status