مشاركة

الفصل 2

مؤلف: عنقاء السلام
بعد أن أوصلت صديقتها المقربة إلى منزلها، انطلقت علا مسرعةً إلى بيتها.

وما إن ترجلت من السيارة حتى وصلها الرد من الطرف الآخر.

(لنتقابل في مكتب الأحوال المدنية بعد سبعة أيام.)

ابتسمت ووضعت هاتفها جانبًا، ثم خطت إلى داخل الفيلا التي عاشت فيها مع أحمد لخمس سنوات.

منذ أن استعادت وعيها، كان كل شيء في هذا المكان على حاله.

ولا تزال صورة زفافهما التي اُلتقطت قبل ثماني سنوات، معلقة على الجدار.

في الصورة، كانت تبتسم ابتسامة مشرقة.

أما هو فكان مفعمًا بالحيوية، يفيض وسامة وثقة.

كان زواجها من أحمد زواجًا مُدبرًا، وكانا حبيبين منذ الطفولة.

وكان الحب موجودًا بينهما، حتى إنهما منذ يوم زفافهما أصبحا حديث الجميع في محيطهما.

كان أحمد بطبعه متمردًا وعنيدًا، لكنه كان مستعدًا لكبح طباعه من أجل علا.

كان كثير التردد على أماكن السهر واللهو، لكنه لم يزرها مرة واحدة بعد الزواج.

ورغم أن علا لم تعتد يومًا القيام بالأعمال المنزلية، فإنها كانت تدخل المطبخ بنفسها لتطهو له.

وحتى عندما كانت يداها تمتلئان بالبثور من أثر الحروق، لم تتذمر قط.

لولا ذلك الحادث الذي جعله يظن أنها لن تستيقظ أبدًا، فلجأ في النهاية إلى امرأة تشبهها ليواسي بها نفسه، لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم، أليس كذلك؟

انتزعت علا نفسها من أفكارها، وشعرت أن الوقت قد حان للتخلص من كل ما في هذا المنزل.

"عمة رحاب، أنزلي صورة الزفاف المعلقة على الحائط وتخلصي منها."

"لكن سيدتي، هذه صورتكِ المفضلة."

"لم أعد أحبها الآن." ثم أشارت إلى بقية الأغراض وقالت: "وتلك التحف أيضًا، تخلصي منها جميعًا."

"سيدتي، صحيح أن السيد أحمد لم يعد كثيرًا إلى المنزل أثناء غيبوبتكِ، لكنكِ استيقظتِ الآن، وعليكِ إنقاذ هذا الزواج."

هزّت علا رأسها قائلة: "لا داعي لذلك."

ولم تجد الخادمة خيارًا سوى تنفيذ أوامرها.

شعرت علا بالإرهاق، وبينما كانت تستعد للصعود إلى الطابق العلوي، عاد أحمد.

دخل بعاصفة من الغضب، ومن الواضح أنه لم يأتِ لخير.

وكما توقعت، أمسك بذراعها في اللحظة التالية وصاح: "علا، يا لكِ من امرأة ماكرة وخبيثة! ظننت أنكِ قد تغيرتِ بعد غيبوبتكِ لثلاث سنوات، لكنني لم أتوقع أن تكوني بهذه القسوة!"

"كنتِ تعلمين أن آسر يعاني من حساسية تجاه حبوب اللقاح، لذا وضعتِ بتلة زهرة في ذلك الظرف الأحمر، أليس كذلك؟! إنه رضيع لم يتجاوز شهرًا واحدًا، ومع ذلك أردتِ قتله! هل فقدتِ عقلك؟"

"أي حساسية؟ وأي بتلة؟ لا أفهم عمّ تتحدث!"

نزعت علا ذراعها من قبضته، وبقي صوتها هادئًا.

"أحمد، أنا لا أنكر فعلًا اقترفته يومًا. لقد رأيت ذلك الطفل لأول مرة اليوم، فكيف لي أن أعرف أنه يعاني حساسية من حبوب اللقاح؟ وحتى لو كنت أعلم، فهل سأضع بتلة زهرة داخل الظرف وأترك دليلًا يدينني؟"

"هذه هي طريقتكِ؛ تتظاهرين بالذكاء دائمًا."

بطبيعة الحال، لم يصدقها أحمد، لكن علا شعرت كما لو أن قلبها قد وخز بإبرة.

"صدق أو لا، لقد قلت إنني لم أفعلها، وهذه هي الحقيقة."

استدارت لترحل، لكن حراس أحمد أوقفوها.

تجمدت علا في مكانها وقالت: "ماذا تنوي أن تفعل؟"

جاء صوت أحمد باردًا، كأنه صادر عن شيطان خرج من الجحيم.

"أذكر أنكِ تعانين حساسية من زبدة الفول السوداني."

في تلك اللحظة، شعرت علا وكأن الدم تجمد في عروقها، وحدّقت فيه غير مصدقة.

فمنذ طفولتها، كانت تعاني حساسية شديدة من الفول السوداني؛ مجرد كمية بسيطة كانت تكفي لتسبب لها طفحًا جلديًا في جميع أنحاء جسدها وشعورًا بضيق في حلقها.

وأحيانًا، كانت تختنق حتى تفقد وعيها.

ولم يكن أحد يعلم ذلك أكثر من أحمد.

ولهذا، في كل مرة كانا يذهبان لتناول الطعام، كان يكرر على النادل مرارًا التأكد من خلو الأطباق من زبدة الفول السوداني.

"سأعاملكِ بالمثل. صحيح أن ليلى قالت إنها لا تكترث، لكنكِ ارتكبتِ خطأ، ويجب أن تتذوقي بنفسك معنى الحساسية."

وما إن أنهى كلامه حتى كان الحارسان قد أمسكا بها بقوة.

ثم رفعت الخادمة زبدة الفول السوداني وأخذت تحشوها في فمها، ملعقة تلو الأخرى.

ورغم أنها أطبقت فمها بكل ما أوتيت من قوة، فإن المعجون البارد اللزج انساب إلى حلقها.

جاء رد الفعل التحسسي سريعًا؛ ظهر طفح جلدي دقيق على زوايا فمها.

وضاق حلقها شيئًا فشيئًا، حتى أصبح التنفس نفسه بالغ الصعوبة.

انهارت على الأرض، متشبثةً بذراع أحمد بضعف: "خذني إلى المستشفى... أشعر بألمٍ شديد..."

لكنه لم يتحرك، واكتفى بالنظر إليها ببرود.

"الآن فقط عرفتِ معنى الألم الشديد؟ عندما استخدمتِ بتلة الزهرة لإيذاء آسر، هل فكرتِ كم كان سيتألم؟ اعترفي بخطئكِ، وسآخذكِ إلى المستشفى فورًا."

انكمشت علا على نفسها، تشعر بالألم واليأس معًا.

ومع ذلك قالت بعناد: "قلت لك... لم أفعلها..."

"عنادكِ لا حدود له! علا، ظننت أنكِ تغيرتِ حقًا، لكنكِ أصبحتِ أسوأ من ذي قبل!"

ثم استدار غاضبًا ليغادر، لكن الخادمة صاحت فجأة: "سيدي، السيدة فقدت وعيها!"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 18

    ظل أحمد يصرخ خارج الباب، وكأنه يظن أن صوته وحده قادر على منع علا من الزواج برجل آخر.لكن علا لم تُعر صرخاته أي اهتمام، بل نظرت إلى مقدم الحفل وقالت ببطء:"أقبل."قالتها بنبرة لا يشوبها أي تردد.في هذه اللحظة، تحطم قلب أحمد تمامًا.ثم ركع على الأرض والدموع تتدفق من عينيه."لماذا، لماذا تتزوجينه؟!""والآن يستطيع العريس تقبيل العروس."وما إن أنهى مقدم الحفل كلامه، حتى انحنى غيث وطبع قبلة رقيقة على شفتي علا.وتعالى التصفيق من جديد، بينما تعانق العروسان وسط أمنيات الجميع بالسعادة.عند رؤية هذا المشهد، أصيب أحمد بالجنون وأراد اقتحام المكان."علا!""سيد أحمد، غادر المكان، وإلا فلا تلومنا على وقاحتنا."حاول الحراس إبعاده، لكنه قاوم بكل ما أوتي من قوة.ولما عجزوا عن ذلك، اضطروا إلى استخدام القوة ضده.وبينما كانت اللكمات تنهال على أحمد، كانت علا تتشبث بذراع غيث، تستقبل تهاني الحضور بابتسامة مشرقة."علا! أريد أن أراكِ!""لا تتزوجيه! أرجوكِ!""أنا أحبكِ يا علا، لا تفعل هذا بي!"أُسقط أحمد أرضًا، ولم تمضِ سوى لحظات حتى غطت الكدمات والدماء وجهه.عندما رأى بعض الضيوف هذا المشهد، همس أحدهم قائلًا: "زو

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 17

    "لقد تزوجت السيدة علا اليوم من السيد غيث، وأصبح زواجهما حديث المدينة كلها... لا أفهم، كيف تبدلت بهذا الشكل خلال أيام قليلة فقط؟ لقد كانت تحبك بجنون...""أنا لا ألومها."ثم رفع رأسه ببطء وقال: "الخطأ كان خطئي. ما كان ينبغي لي أن أبحث عن بديلة لها وهي غارقة في الغيبوبة. في ذلك الحادث، لولا أنها اندفعت فجأة وأبعدتني، لكنت أنا من يرقد فاقد الوعي بدلًا منها. لقد أنقذت حياتي، بينما كنت أنا أخونها مع امرأة أخرى. وبعد أن استعادت وعيها، وعدتها بأن أقطع علاقتي بتلك المرأة، لكن عندما رأيتها لا تُبدي أي اهتمام، واصلت الأمر. لم أتخيل أبدًا أنها كانت قد حسمت قرارها بالرحيل عني منذ وقت طويل!""علا لم تكن يومًا ممن يقبلن بأدنى خيانة، كنت غبيًا للغاية.""لؤي، ارحل. لقد انهارت الشركة، ولم يعد هناك داعٍ لأن تبقى معي."نظر إليه المساعد بقلق: "هل ستكون بخير وحدك؟ ما رأيك أن أوصلك إلى المنزل؟""لا داعي، هناك مكان عليّ الذهاب إليه."كان المساعد يعرف إلى أين يقصد، لذلك لم يحاول منعه."فهمت. بالمناسبة، هناك أمر لم أخبرك به. لقد اتصلت الشرطة، وقالوا إن السيدة ليلى تثير الفوضى في السجن، وتصر على رؤيتك أنت وآسر!"

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 16

    ترددت علا طويلًا قبل أن تطلب من الخادمة أخيرًا استدعاء أحمد إلى المنزل.كان مبللًا من رأسه حتى قدميه، وما إن دخل حتى غمرت قطرات الماء أرضية المنزل.وبنظرة لا تخلو من الاشمئزاز، طلبت علا من الخادمة أن تمسح الأرض، ثم ناولته منشفة، لكنها لم تفكر حتى في أن تدعوه للاستحمام بماء ساخن أو تبديل ملابسه."أتذكر أن لدي بعض الملابس هنا. هل يمكنني استعارة مكان للاستحمام وتغيير ملابسي؟" قالت علا، متفاجئة من رده: "لقد تخلصت من تلك الملابس منذ زمن طويل، إضافةً إلى ذلك، سأتزوج قريبًا، وليس من اللائق أن أسمح لك بالاستحمام في منزلي!"ظل أحمد واقفًا في مكانه دون أن يتحرك.كان يتذكر أنها لم تكن هكذا في الماضي.ففي السابق، كانت ستشعر بقلق بالغ إذا تبلل ولو قليلًا.أما الآن، فلم يرَ في عينيها سوى الاشمئزاز."لا أعرف ماذا فعلت حتى أصبحتِ تكرهينني إلى هذا الحد. علا، لقد أخبرتكِ أن ما حدث لسمر كان حادثًا، فلماذا ما زلتِ قاسية هكذا؟""أحمد، وبعد كل ما حدث، ما زلت تطرح عليّ هذا السؤال؟"ضحكت علا قائلةً: "أنت متزوج، ومع ذلك أنجبت طفلًا من امرأة أخرى، ومن أجلها آذيتني مرة بعد أخرى. والآن تقول إنك لا تعرف ماذا فعلت

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 15

    "علا، لا داعي لأن تأتي لزيارتي كل يوم. لقد تحسنت كثيرًا، وأنا بخير."لم تكن سمر في مزاج جيد، وكانت تمضي أيامها مستلقية على سرير المستشفى، رافضة حتى النهوض.ولم تكن عائلة ماجد تعلم أن ذراعها فُقدت بسبب إنقاذها لعلا، ولذلك كانوا كلما رأوا علا امتدحوها قائلين إن سمر محظوظة بامتلاك صديقة مثلها.لكن كلما سمعت علا تلك الكلمات، ثم نظرت إلى كمّ سمر الفارغ، انهمرت دموعها دون أن تستطيع منعها."أنا آسفة يا سمر، لولاي..."ابتسمت سمر لها ابتسامة باهتة وقالت: "يا حمقاء، هذا ليس ذنبكِ. سمعت أن ليلى ستدخل السجن، أليس كذلك؟ هذا جيد، يمكن اعتبار ذلك انتقامًا لي ولكِ أيضًا.""خمس سنوات في السجن، هذا عقاب مخفف بالنسبة لها!"ثم لمعت عينا علا بالكراهية وأضافت: "أما أحمد، فلن أتركه وشأنه أيضًا. غيث يحاول بالفعل الاستحواذ على شركتهم. سأنتقم لكِ يا سمر، ولن أدعهم يفلتون بفعلتهم!""لا تلومي نفسكِ، هل نسيتِ؟ أنا أستخدم يدي اليمنى، ولحسن الحظ فقدت يدي اليسرى. لذلك ما زلت قادرة على الاعتناء بنفسي.""إذًا لماذا لا تنهضين من السرير وتتمشين قليلًا؟""هناك الكثير من الأطفال في المستشفى، وأخشى أن أخيفهم."وما إن سمعت ع

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 14

    بعد زيارة والدتها، توجهت علا إلى المستشفى لزيارة سمر.وعرض غيث توصيلها.وعندما وصلا إلى باب الجناح، صادفا أحمد الذي جاء لزيارة سمر.كان قد خرج للتو من مركز الشرطة، بعدما أُلقي القبض عليه الليلة الماضية، وقضى هناك ليلة كاملة قبل أن يفرج عنه بكفالة.أما ليلى، فبدا أن دخولها السجن أصبح أمرًا لا مفر منه.وفي الممر الخافت الإضاءة، وقعت عينا أحمد مباشرة على علا وهي تتشبث بذراع رجل آخر.وكان ذلك المشهد مستفزًا إلى درجة أنه اندفع نحوها فورًا، وجذبها بعيدًا عن غيث."علا، هل تدركين ما الذي تفعلينه؟ تمسكين بذراع رجل آخر في وضح النهار؟ ما معنى هذا؟""رجل آخر؟"تغيرت ملامح غيث، وسحب علا إلى حضنه."سيد أحمد، هل تتحدث عني؟ أم أنك نسيت أنك طلقت علا بالفعل؟ إنها الآن زوجتي، ومن الطبيعي جدًا أن تمسك الزوجة بذراع زوجها، أليس كذلك؟"رمقه أحمد بنفاد صبر وقال: "التزم الصمت! أنا أتحدث مع علا، وليس لك أن تتدخل."شدّ مساعده طرف سترته هامسًا: "سيد أحمد، هذا هو السيد غيث ولا يمكننا استفزازه.""وماذا إن كان السيد غيث؟ لا يهمني!"فقد أحمد رباطة جأشه المعهودة، ثم التفت إلى علا وقال بصوت عميق: "كفى عبثًا يا علا، عود

  • بعد أن مِتُّ في عالم مواز   الفصل 13

    في اليوم التالي، في منزل عائلة حسن.كانت علا تجلس على الأريكة تشاهد التلفاز، بينما ظلت والدتها تحدّق فيها طوال الوقت.ولما بدأت علا تشعر بالضيق من تلك النظرات، أغلقت التلفاز والتفتت إلى والدتها."أمي، هل هناك شيء تريدين إخباري به؟"ترددت والدتها طويلًا قبل أن تسأل أخيرًا: "سمعت أنكِ أبلغتِ الشرطة للقبض على أحمد؟ وماذا عن المنشور الذي نشرتِه؟ هل تطلقتِ من أحمد فعلًا؟ وهل ستتزوجين حقًا من غيث؟"حين رأت والدة علا ذلك المنشور، أصابها ذهول كبير.ففي النهاية، كانت علا وأحمد متزوجين منذ سنوات، ولم تتوقع أن تتفاقم الأمور بينهما إلى هذا الحد فجأة، ولم تعرف إن كان ما رأته حقيقة أم لا."نعم، أنا من أبلغ الشرطة، لكنه ذو نفوذ كبيرة، وفي النهاية لم يدخل السجن، أليس كذلك؟"ضيقت علا عينيها، ومرّ بريق بارد في أعماقهما."كوني لم أطالب بأن يدفع هو وليلى حياتهما ثمنًا لما حدث لسمر، فهذا وحده يُعد رحمة."تنهدت والدتها وقالت: "هل صحيح أن ذراع سمر بُترت بسبب عضة كلب؟ كيف استطاع أحمد أن يرتكب فعلًا أحمق كهذا؟ في النهاية، لقد رأيته يكبر أمامنا، وكنتما زوجين يومًا ما..."قاطعتها علا قائلةً: "أمي، لقد تطلقت منه

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status