Share

5

last update Tanggal publikasi: 2026-07-24 21:11:50

لأول مرة منذ سنوات...

لم يبدأ الصباح بصوت صفارات الإنذار.

بل بزقزقة عصافير.

وقف إلياس على قمة تلٍ يطل على وادٍ أخضر لم يظهر على أي خريطة قديمة. كانت الأشجار تتمايل مع النسيم، وتجري المياه الصافية بين الصخور، حتى بدا المكان وكأنه نجا من الحرب بمعجزة.

ابتسم دون أن يشعر.

نسي للحظة أنه يعيش في عالمٍ يحتضر.

في الطرف الآخر من الوادي، كان هناك مخيم صغير يسكنه عدد من الرحالة.

ولم يكونوا متشابهين أبدًا.

أول من اقترب منه شاب طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل على ظهره حقيبة تكاد تكون أكبر منه.

ابتسم وقال بثقة:

"أنا ريان... وإذا ضللتم الطريق، فأنا من يعيده لكم."

كان ريان لا يتوقف عن الحديث، يروي القصص ويضحك حتى في أصعب المواقف. يعرف اتجاهات النجوم، ويستطيع قراءة آثار الأقدام على الأرض كما لو كانت كتابًا مفتوحًا. وجوده يجعل الرحلة أخف، حتى عندما تكون مليئة بالمخاطر.

ومن خلفه خرجت فتاة ذات شعر قصير مجعد، كانت تمسك بمفك براغٍ أكثر مما تمسك بالسلاح.

قالت وهي تنظر إلى جهاز إلياس المعطل:

"أعطني خمس دقائق... وإن لم أصلحه، فلك أن تعتبرني أسوأ مهندسة في العالم."

كانت ميرا تعشق تفكيك كل شيء وإعادة تركيبه. فضولها لا ينتهي، ولسانها السريع يوقعها في مواقف مضحكة، لكنها كانت أول من يجد الحل حين يعجز الجميع.

ثم جاء صوت هادئ:

"دعوه يتنفس أولًا."

كان المتحدث شابًا يرتدي نظارة دائرية ويحمل كتابًا قديمًا تحت ذراعه.

اسمه سامر.

يحفظ خرائط العالم القديم، ويجمع الحكايات والأساطير من أفواه الناجين. لا يرفع صوته، لكنه حين يتحدث، ينصت الجميع.

كان يؤمن أن كل أسطورة تخفي حقيقة.

أما آخر من ظهر...

فكانت فتاة تجلس فوق صخرة مرتفعة، ترسم الوادي بقلم فحم.

لم تلتفت إليهم إلا بعد دقائق.

قالت بابتسامة هادئة:

"أنا ليلى... أرسم الأماكن قبل أن تختفي."

لم تكن مقاتلة، ولا مهندسة، ولا مستكشفة.

لكنها كانت ترى التفاصيل التي يغفل عنها الجميع.

كانت تقول دائمًا:

"من يتعلم الملاحظة... يسبق الخطر بخطوة."

مع غروب الشمس، اجتمع الجميع حول نار صغيرة.

بدأ ريان يحاول إعداد العشاء.

وبعد دقائق...

تصاعد دخان أسود كثيف.

سعلت ميرا وهي تضحك:

"تهانينا... لقد أحرقت الحساء والمقلاة معًا!"

رد ريان وهو يرفع الملعقة بفخر:

"هذا ليس احتراقًا... هذه وصفة جديدة."

انفجر الجميع بالضحك.

حتى إلياس...

الذي نسي متى كانت آخر مرة ضحك فيها.

جلس يراقب ألسنة النار وهي تتراقص.

ورغم دفء المكان...

ظل يشعر بأن شيئًا يراقبهم من بعيد.

رفعت ليلى رأسها فجأة.

حدقت في ظلام الأشجار.

ثم همست:

"لسنا وحدنا."

ساد الصمت.

اختفى صوت الضحكات.

حتى النسيم توقف.

وفي أعماق الغابة...

ظهر ضوء أزرق صغير...

ثم آخر...

ثم عشرات الأضواء.

لم تتحرك نحوهم.

بل بقيت ثابتة بين الأشجار.

وكأن أصحابها...

ينتظرون أن يخطو أحدهم الخطوة الأولى.

مرّت ثلاثة أيام منذ غادر إلياس ورفاقه الوادي الأخضر.

كان الطريق يزداد قسوة كلما تقدموا جنوبًا؛ مبانٍ نصفها غارق في الأرض، وجسور معلقة على حافة الانهيار، وأشجار نمت داخل القطارات المتوقفة منذ عشرين عامًا.

لكن شيئًا واحدًا كان يشغل عقل إلياس...

الخريطة.

كلما اقتربوا من النقطة التي رسمت عليها دائرة زرقاء، كان المفتاح المعدني الذي وجده في المختبر يضيء للحظات قصيرة، ثم يخفت من جديد.

قال سامر وهو يقلب الخريطة القديمة:

"لا توجد مدينة هنا في سجلات ما قبل الحرب."

ابتسمت ميرا وهي تنفض الغبار عن جهاز صغير صنعته بنفسها.

"لكن جهازي يلتقط مصدر طاقة ضخم تحت أقدامنا."

رفع ريان حاجبيه وقال مازحًا:

"أتمنى أن يكون مطعمًا... لقد تعبت من الطعام المعلب."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • بعد عشرين عامًا    استراحة محارب

    بدأ التسجيل عند الساعة الرابعة وسبع عشرة دقيقة عصرًا.كان نيكو يجلس على كرسي خشبي، يميل إلى الأمام، ويحدّق في الصحفي بعينين جاحظتين. وضع أمامه كوب ماء، لكنه لم يشرب منه. بدلًا من ذلك، أخذ يراقب الفقاعات الصغيرة العالقة على حافته.دخل الصحفي، جلس، وفتح دفتره.الصحفي: هل تعرف لماذا طلبت مقابلتك؟نيكو: لأنك تشعر بالملل.الصحفي: عفوًا؟نيكو: الناس الذين يملكون عملًا حقيقيًا لا يأتون إلى هنا ليسألوا الغرباء عن حياتهم. أنت إما تشعر بالملل، أو أنك مدين لأحدهم، أو أن زوجتك طردتك من المنزل.الصحفي: أنا غير متزوج.نيكو: إذن الاحتمال الثالث مستبعد. جيد، لقد وفّرنا خمس دقائق.حاول الصحفي ألّا يضحك، ثم كتب شيئًا في دفتره.الصحفي: يصفك بعض الناس بأنك أحمق.نيكو: وبعضهم يصفني بأنني عبقري.الصحفي: وأنت ماذا تصف نفسك؟نيكو: رجلًا محاطًا بالأغبياء، لكنه لا يستطيع العيش من دونهم.الصحفي: أليست هذه مشكلة؟نيكو: بالطبع. تخيّل أن تكون الشخص الوحيد الذي يعرف كيف يصلح مولّد الكهرباء، بينما الجميع مقتنعون بأن ضربه بمطرقة سيجعله يعمل. والأسوأ أن أحدهم سيضربك بالمطرقة إن منعته!ضحك الصحفي هذه المرة، لكن نيكو لم

  • بعد عشرين عامًا    38

    كان الغروب ينسحب بلون الصدأ فوق المدينة الميتة.على الطريق للمنطقة الصناعية، اعترضت الطريق ثلاث حاويات شحن محترقة. لم تكن هناك قبل أسبوع.نزل فكتور وأغلق باب الشاحنة بهدوء. خلفه ترجل أربعة من رجاله، أيديهم قريبة من السلاح دون أن يرفعوه.تقدم رجلان من خلف الحاجز. الأول ضخم، معطف عسكري فقد لونه، وندبة عريضة على حاجبه. الثاني يحمل بندقية قديمة موجهة للصدور.قال الضخم:فكتور.قال فكتور:توقعت أن ترسل أحدًا أقل قبحًا لاستقبالي، يا قاسم.لم يضحك أحد. قاسم زعيم السلاسل. لا يملك أكبر عصابة، لكنه يملك ما هو أخطر: طرق سرية، ومخازن مخفية، ورجال يبيعون المعلومة لمن يدفع.أشار قاسم لرجل معه. تقدم الرجل ووضع قطعة معدنية فوق صندوق خشبي.شارة قديمة برمز ذئب، إحدى زواياها مثنية.تغير وجه فكتور قليلًا.تعرفها؟شارة أحد رجالي.كان أحد رجالك. وُجدت قرب مستودع القمح الذي هاجمتموه قبل ثلاثة أيام. قُتل اثنان من حراسي.ساد الصمت.لم يأمر فكتور بأي هجوم على قاسم. لكنه يعرف أن بعض رجاله يتصرفون وحدهم إذا شموا وقودًا أو طعامًا.قال فكتور:لم أصدر هذا الأمر.وهل أصفق لأنك لا تعرف ما يفعله رجالك؟لا. تمنحني فرصة

  • بعد عشرين عامًا    37

    حين يصبح كل ما بنوه مهددًا بالضياعمن فوق سطح المبنى الرئيسي، لم تعد إلياس تبدو كأنقاض.ألواح شمسية قديمة فوق السطح، بعضها أصلحه سامر بقطع انتزعها من مبانٍ بعيدة. تحتها تمتد أسلاك منظمة بعناية، بعد أسبوع كامل قضاه سامر يصرخ في كل من يمر بحذاء مبلل.وفوق صندوق الكهرباء، لافتة كتبها ريان:«ممنوع العبث. حتى لو كنت إلياس.»مر إلياس وقرأها، فأضاف تحتها بقلم فحم:«ويُمنع ريان من لمس الأسلاك أيضًا.»ومنذ ذلك اليوم، كلما انطفأ مصباح، تبادل الاثنان الاتهامات.في الأسفل، كانت الحياة قد عادت تصدر ضجيجها: رائحة خبز قرب المطبخ، طرق مطرقة في الورشة، وميرا تشتم جهاز الاتصال لأنه لا يلتقط.وليلى فتحت فصلها الصغير مجددًا. كانت تقول إن الأطفال الذين لا يعرفون إلا أسماء الأسلحة، يحتاجون أن يتعلموا أسماء أخرى.إلياس لم يكن يحب كلمة قائد. كان يقول:أنا فقط من يسمع الشكاوى.لكنه كان يسمعها كلها. ولهذا كان يخاف من الأيام الهادئة. تعلم أن الهدوء لا يعني أن الخطر ابتعد. أحيانًا يعني أنه يقترب بصمت.---كان سامر مستلقيًا تحت شاحنة قديمة.قال دون أن يرفع رأسه:المفتاح الطويل، بجانب قدمك.نظر ريان إلى ثلاث مفاتي

  • بعد عشرين عامًا    36

    كان المطر يضرب سقف الورشة المعدني منذ الصباح.جلس نيكو منكفئًا على جهاز إرسال قديم. ساقه التي تعافت تؤلمه إذا طال جلوسه، فيعرج قليلًا. لم يعد يهتم. رفع قطعة نحاس صغيرة أمام عينيه.هيا يا عزيزتي، لا تفعلي هذا بي. أنا رجل مسالم وأنتِ مجرد قطعة نحاس. دعينا نحافظ على علاقة مهنية.سقط المسمار تحت الطاولة.حدق في الأرض.رائع. حتى أنتِ.في تلك اللحظة، طُرق الباب. ثلاث طرقات متباعدة.صوت رجل من الخارج:هل يمكنني الدخول؟تجمدت يد نيكو فوق الجهاز.يعرف هذا الصوت.رفع رأسه ببطء.الباب مفتوح.انفتح الباب، ودخل فكتور.---لم يتغير كثيرًا. نفس المعطف الداكن، وحذاؤه مليء بطين الطريق. فقط تعب جديد حول عينيه، وانحناءة خفيفة في كتفيه لم تكن هناك من قبل.وقف عند المدخل ولم يتقدم.ظل نيكو ممسكًا بقطعة النحاس. لم يرمش.قال ببرود متعمد:إذا كنت تبحث عن قطع غيار، فالمخزن في الجهة الأخرى.لم يجب فكتور.وإذا كنت تبحث عن طعام، فنحن لا نقدم وجبات مجانية. إلا للعجائز والأطفال ومن هم على وشك الموت. وفي حالتك أحتاج تقريرًا طبيًا.نظر إليه فكتور وقال:ما زلت تتكلم كثيرًا.توقفت يد نيكو لثانية واحدة فقط.ثم عاد لجها

  • بعد عشرين عامًا    35

    كانت الليلة هادئة على نحو غريب.في الأسفل، كان الشباب يحركون المؤن قرب المبنى القديم الذي صار مقرًا. وصوت الحارس في الخارج يأتي متقطعًا مع الريح.في الطابق العلوي، كانت ليان تنظف بندقيتها.لا كرمز. كأداة عمل تنتهي وتعود.دخلت سلمى. حقيبة الإسعاف في يدها، والتعب في كل شيء آخر.وضعت الحقيبة على الطاولة وجلست. لم تقل شيئًا.قالت ليان دون أن ترفع عينيها:"يوم طويل؟"ضحكت سلمى ضحكة قصيرة."كلها طويلة."رفعت ليان رأسها ونظرت إليها."لكنهم لا يرون."قالت سلمى:"لا."صمت.قالت سلمى بعد قليل:"يعرفون أننا نحمل السلاح، ونخيط الجرح، ونخرج في المهمات. لكن لا أحد يسأل إذا كنا خائفات."ابتسمت ليان."لأن الخوف لا يليق بامرأة تحمل بندقية."ونظرت إلى يديها:"أول مرة أطلقتُ فيها النار، بقيت أرتجف حتى الفجر."نظرت سلمى إليها:"لم تقولي.""لو قلت، سيقولون: أنتِ القناصة. يجب أن تكوني أقوى. وكأن القوي لا يتألم."أطرقت سلمى. كانت الجملة تمسّها هي أيضًا."وأنا تعبت من كلمة الطبيبة.""أنتِ؟""نعم. إذا جُرح أحد نادوني. وإذا مات أحد نظر إليّ الجميع كأنني أنا من قتله. وإذا بكت فتاة دفعوها إليّ وقالوا: أنتِ تفهمي

  • بعد عشرين عامًا    34

    هارون.. الرجل الذي تغيّرلم يكن اسم هارون يمرّ في مجلسٍ إلا وترك بعده صمتاً من الاحترام.قبل كل شيء، كان أستاذاً. باحثاً أفنى عمره بين رائحة المختبرات وغبار الكتب الجامعية، يؤمن بإيمانٍ بسيط وعنيد: أن العلم الذي لا ينحني ليخدم الإنسان، لا قيمة له.ثم جاءت الحرب.والحرب لا تغيّر الجميع بنفس الطريقة.هناك من فقد بيته، فصار بلا جدران.وهناك من فقد عائلته، فصار بلا قلب.وهناك من فقد عقله، فصار يهذي وسط الخراب.أما هارون، فقد فقد شيئاً آخر.فقد ثقته بالبشر.بعد أن سكتت المدافع، بدأ اسمه يتلاشى.في البداية كان يظهر كطيفٍ بين الناجين. يمرّ، يصلح مولداً كهربائياً متوقفاً، يعلّم امرأة كيف تنقي الماء الموحل بقطعة قماش ونار، ثم يختفي لأيام.ثم صارت أيام اختفائه أسابيع.ثم صارت أسابيع اختفائه شهوراً.حتى توقف الناس عن السؤال عنه.قال بعضهم: مات تحت الأنقاض.وقال آخرون: عبر إلى الشمال حيث لا تصل الحرب.وقال قلة: هو يعيش في بطن الأرض، داخل إحدى المنشآت القديمة التي لم يعد أحد يجرؤ على دخولها.ولا أحد كان يملك دليلاً واحداً.هارون الجديدالرجل الذي عرفه إلياس قبل الحرب كان هادئاً، دافئ الصوت، يحب أن

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status