Share

بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية
بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية
Author: قنديل الأغصان

الفصل 1

Author: قنديل الأغصان
لا أذكر كيف غادرت المستشفى وعدت إلى المنزل.

حين عاد جاسر، كان المنزل قد تحول إلى فوضى عارمة.

كنت قد حطمت صور زفافنا على الأرض، فتناثرت شظايا الزجاج في كل مكان.

ومزقت كل زينة الزفاف التقليدية المعلقة على الجدران، بل وحطمت سرير الزوجية أيضا.

وقف جاسر عند المدخل، وظل يدخن سيجارته بصمت حتى فرغ منها.

ثم اقترب مني ليتفحص يدي، وسأل: "هل أصبت بأذى؟"

نزعت يدي من يده بعنف، ولم أعد قادرة على كبح الغضب المحتدم في صدري.

وسألته بحدة، وعيناي محمرتان: "لماذا؟"

رفع جاسر حاجبه.

"أتسألين لماذا تزوجتك؟"

بدا وكأنه فكر في السؤال بجدية، ثم ابتسم فجأة وقال:

"أنت دقيقة في كل ما تفعلين، وهادئة الطباع، وقد تخليت عن مسيرتك الفنية من أجلي واعتزلت الفن لتبقي في المنزل. تصلحين لأن تكوني زوجة."

"أما ريام، فهي ابنة مدللة لا تبالي بشيء، ولا يرجى منها أن تقوم بأي عمل منزلي."

كلما ازداد صراحة، ازداد الألم في قلبي.

وحين رأى الدموع في عيني، تقدم وضمني إلى صدره.

"حسنا، ألم أخبرك من قبل؟ لا مستقبل بيني وبينها."

"وفي المستقبل، لن تتجاوز علاقتنا كوننا شريكين في تربية الطفل."

انتزعت نفسي من بين ذراعيه بعنف، وصرخت:

"لماذا تعاملني بهذه الطريقة؟ لماذا تزوجتني بعد أن أصبح لديكما طفل؟!"

كان أحدهما الرجل الذي أحببته لسنوات، وكانت الأخرى أعز صديقاتي.

ومع ذلك، تلاعبا بي وخدعاني طوال هذا الوقت.

وضعت يدي على صدري، وكأن الحقيقة الجاثمة فوقه تمنعني من التنفس.

وأخذت ألهث بقوة.

لم يجبني جاسر، بل نظر إليّ كما لو أنني فقدت عقلي.

وبعد وقت طويل، قال بنفاد صبر: "كفي عن هذا. ريام ما زالت تنتظر أن أعد لها حساء الدجاج."

بقيت واقفة في مكاني بلا حراك، أراقبه وهو ينشغل في المطبخ.

راقبته وهو يشعل الموقد ويقطع الخضار وينزع الرغوة عن سطح الحساء بحركات ماهرة.

خلال سنواتنا الثلاث معا، لم يطبخ لي ولو مرة واحدة. وكنت أظن أنه لا يعرف كيف يطهو.

لكن اتضح أن الرجل الذي لم يكن يقترب من المطبخ قط، يجيد الطبخ.

وتذكرت، رغما عني، ما قالته ريام النوفلي ذات مرة.

قالت إن حبيبها السابق أراد أن يخلصها من انتقائيتها في الطعام.

كان شابا مدللا من عائلة ثرية لا يدخل المطبخ أبدا، لكنه صار من أجلها يقضي كل يوم فيه، يجرب وصفات مختلفة.

حتى إنه تسبب ذات مرة في انفجار مطبخ منزله.

سبق أن تخيلت مشهدا كهذا.

وبدأت تفاصيل المشهد أمامي تتطابق، من دون أن أشعر، مع كل ما روته ريام من قبل.

وتدفقت إلى ذهني دفعة واحدة كل اللحظات التي كنت أتعمد تجاهلها.

حين كان جاسر يقود السيارة، كانت ريام تسبقني دائما إلى مناولته نظارته الشمسية.

وعندما كنا نتناول الطعام معا، كانت ريام تقول دون تفكير: "إنه لا يأكل البصل الأخضر."

وكلما سقطت ريام، كان رد فعل جاسر يسبق رد فعلي دائما.

وحين مرضت ريام، ترك غرفة اجتماعات كاملة بمن فيها وهرع إلى المستشفى.

...

لم أدر متى غامت رؤيتي بالدموع.

ناديت بصوت مبحوح: "جاسر."

ثم قلت: "أريد الطلاق."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 10

    "والفضل في ذلك يعود إلى بول، فقد ظهر وأوسعني ضربا.""أما سبب عدم مجيئي للبحث عنك فورا، فهو..."رفع ساق بنطاله قليلا، فكشف عن سوار مراقبة إلكتروني مثبت حول كاحله.وقال بنبرة عاجزة: "استعنت بأشهر محام، وخضت معركة قضائية طويلة.""ولم أحصل إلا بعد ذلك على تأجيل تنفيذ الحكم لمدة عام.""وهكذا سنحت لي فرصة المجيء لرؤيتك.""أعلم أنك لن تسامحيني على الأرجح، مهما قلت أو فعلت.""لكنني مع ذلك أردت أن آتي لأراك.""لأطمئن إلى أنك بخير.""أنا آسف. كل ما حدث كان خطئي.""أنا أحبك يا رواء. كان يجب أن أدرك حقيقة مشاعري في وقت أبكر.""أنت من أحب. وحين سمعت نبأ موتك، كنت حينها...""سيندي، أسرعي وتعالي!"نادتني إحدى رفيقات الرحلة من الأمام.لم يكمل جاسر كلامه.ولم يقل شيئا آخر.ظل ينظر إليّ وعلى شفتيه ابتسامة، وكأنه يريد أن يحفر ملامح وجهي في ذاكرته.قطبت حاجبي قليلا."هل انتهيت؟ يجب أن أذهب."أومأ جاسر على مضض، ثم تنحى عن طريقي.غادرت من دون تردد.لكنه ناداني من خلفي:"رواء."توقفت للحظة، لكنني لم ألتفت إليه.ارتجف صوته، وكاد يتحول إلى توسّل:"إن أمكن... هل يمكنك أن تعودي لزيارتي من حين إلى آخر؟"لم أجبه.

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 9

    بعد عامين، كنت أجلس في مقهى بأمريكا وأستمع إلى نشرة إخبارية من الوطن.]أفادت الأنباء بأن النيابة العامة وجهت إلى جاسر العلواني، الرئيس السابق لمجموعة العلواني، تهمتي التحريض على الاغتصاب والقتل العمد. وبعد محاكمة استمرت عامين، حكم عليه أخيرا بالسجن المؤبد، على أن يؤجل بدء تنفيذ العقوبة لمدة عام، مع حرمانه من حقوقه السياسية مدى الحياة.[ارتجفت القهوة في يدي حين سمعت ذلك، ثم ما لبثت أن عادت إلى هدوئها.سمعت وقع خطوات بول المسرعة خلفي."أختي رواء، لقد نسيت أغراضك مرة أخرى."قال ذلك وهو يناولني حقيبتي."هل أنت متأكدة أنك لا تحتاجين إلى مرافقتي؟"ابتسمت وهززت رأسي."جميع المشاركات في مجموعة المشي لمسافات طويلة فتيات. أترغب حقا في مرافقتنا؟"سارع بول إلى هز رأسه.فهو لا يطيق الفتيات وكثرة ثرثرتهن، إذ يراهن مزعجات للغاية.كان يحب الفتيات اللواتي يشبهن رواء، رقيقات وهادئات.صوتها يريحه، والنظر إليها يسره أيضا.لكنه ظل قلقا، فأوصاني قائلا:"إن تعبت أو حدث لك أي شيء، فاتصلي بي حتما. سأذهب لأخذك فورا."ثم أضاف، وقد ظل غير مطمئن:"ما رأيك أن أقود خلفكن لأحميك؟"قلت بلهجة مستسلمة:"لن يحدث شيء حقا.

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 8

    "أخرجوني من هنا! دعوني أخرج! لا أريد البقاء في هذا المكان!"أُغلق الباب بإحكام.ودخل جاسر غرفة أخرى.ثم ركل رامز بقوة بين ساقيه.وألقى نظرة على تقرير فحص الحمض النووي الذي أُعد على وجه السرعة، وأطلق ضحكة باردة أخرى."تجرأتما على التواطؤ لخداعي!"تألم رامز من الركلة، لكنه رسم ابتسامة على شفتيه."يا سيد جاسر، صدقني أو لا، فقد خدعتني هي أيضا."لم يرد جاسر.وحين استدار ليغادر، قال ببطء، كلمة كلمة:"خذ طفلك وانقلع."سأله رامز:"وماذا عنها؟"توقفت خطوات جاسر للحظة، ثم قال بصوت بارد:"عليها أن تلحق برواء وتكفر عن ذنبها أمامها."جلس جاسر خارج الغرفة.وكانت شتائم ريام وصراخها يترددان من الداخل."لا تلمسوني! آه! ابتعدوا عني!""جاسر، لقد أخطأت! أرجوك ارحمني ودعني وشأني!""أنقذني! أرجوك!"ظل الرجل جالسا على الكرسي بلا حراك.وكان يحتضن جرة الرماد بين ذراعيه، ويمرر يده عليها مرة تلو الأخرى."رواء، لقد ثأرت لك. هل تسمعينني؟""اتضح أن الطفل الذي أنجبته ريام ليس ابني."ثم أطلق ضحكة خافتة."لقد قتلت طفلنا بيدي، من أجلها ومن أجل ابن غير شرعي لا يمت إلي بصلة.""رواء، لقد أخطأت خطأ فادحا إلى حد لا يصدق.""

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 7

    لم يعرها جاسر أي اهتمام، بل وضع أمامها رسالة البريد الإلكتروني الظاهرة على هاتفه.كان صوته هادئا ومتزنا، لكن برودته كانت تنفذ إلى العظام."أنت من أرسلت هذه الرسالة، أليس كذلك؟"اتسعت عينا ريام تلقائيا، وتمتمت:"لقد حذفتها بالفعل، فكيف..."لم يتمالك جاسر نفسه فضحك.لكن عينيه كانتا قد احمرتا.لم يستطع تقبل أنه، بسبب حيلة ساذجة كهذه، دفع زوجته بيديه إلى حتفها.وفجأة، مد يده وأطبق على عنق ريام."لماذا فعلت هذا؟ كانت أعز صديقاتك، فلماذا دفعتها إلى الموت؟!""رواء لم ترتكب أي خطأ! نحن من خناها وغدرنا بها، نحن المخطئان!""أنت تستحقين الموت! سأقتلك تكفيرا عما فعلته برواء!"احمر وجه ريام من شدة الاختناق، وكادت تعجز عن التنفس.اندفع رامز وانتزع جاسر عنها بقوة، ثم وقف أمام ريام يحميها بجسده.لم يتوقع أن يفقد جاسر صوابه إلى هذه الدرجة، فدب الخوف في نفسه."يا سيد جاسر، القتل جريمة يعاقب عليها القانون."وبعد أن استعاد جاسر رشده، اختلجت زاوية فمه فجأة."أنت محق.""كيف أسمح لكما بالموت بهذه السهولة؟ ستذوقان كل ما ذاقته رواء من عذاب، دون أن ينقص منه شيء."حدقت ريام في جاسر غير مصدقة، ثم صرخت من دون أن ت

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 6

    عندها فقط أدرك أن تلك الإنسانة التي كانت بالأمس حية ترزق، لم يبق منها اليوم سوى جرة رماد صغيرة.وفجأة، اختنق صوت جاسر بالبكاء حتى كاد يعجز عن الكلام."أنا آسف، أنا آسف حقا!"لكن لم يعد هناك من يجيبه.ولن تأتيه بعد اليوم امرأة تطرف بعينين تلمعان كالنجوم، حاملة إليه في جوف الليل وعاء من الحساء الساخن.ترك الألم يعصف بمعدته، وكأنه يتعمد معاقبة نفسه.كانت المسكنات في الخزانة المجاورة للسرير، لكنه لم يتحرك.ظل يحتضن جرة الرماد بقوة، خشية أن تختفي في اللحظة التالية.إلى أن سمع صوت قفل الباب يدور.دخل مساعده وقال بحرج: "سيدي الرئيس، الآنسة ريام تريد رؤيتك."عندها فقط تحركت عينا جاسر المنطفئتان.وسأل بصوت مبحوح:"كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟"أجابه المساعد بحذر شديد: "سيدي... أنت من أرسلت إلينا البريد الإلكتروني. ألا تتذكر؟"هب جاسر واقفا دفعة واحدة.وتوهجت في عينيه نظرة قاتلة مرعبة."متى أرسلت إليكم بريدا إلكترونيا؟"ارتبك المساعد، ولم يجرؤ على رفع عينيه إليه.خفض رأسه، وقال بصوت مرتجف:"قـ... قبل أن تأخذ زوجتك السيدة رواء إلى تلك الغرفة."أخرج جاسر هاتفه وفتح بريده الإلكتروني.وكانت هناك بالف

  • بعد كل ما مضى، لم يفت أوان البداية   الفصل 5

    حين وصل جاسر إلى دار الجنازات، كانت مراسم الجنازة قد بدأت بالفعل.وسط أصوات البكاء، رفع عينيه فرأى صورتي بالأبيض والأسود معلقة في صدر القاعة.رفع يده تلقائيا وفرك عينيه، ظنا منه أنه أخطأ النظر.لكن حين اقترب، لم يعد قادرا على خداع نفسه.نظر جاسر إلى كل ما أمامه في ضياع، وتمتم: "كيف يعقل هذا؟ كيف يمكن أن يحدث؟""لم أتوقع أنها ستموت."كانت مديرة أعمالي سمر الدالي تحدق فيه بحقد، وعيناها محمرتان."لماذا جئت إلى هنا؟""اخرج! اخرج من هنا!""أختي رواء لا تريد رؤيتك. فاخرج من هنا حالا!"كان جاسر لا يزال غارقا في صدمة سماعه خبر موتي.ولم يغضب، بل نظر إلى سمر بأمل وقال:"إنها لم تمت، أليس كذلك؟ أين أخفيت رواء؟""اطلبي منها أن تخرج، ولتكف عن التمثيل.""لقد أمرت بحذف جميع المقاطع. ولن أحاسبها بعد الآن على ما فعلته بريام.""اجعليها تعود."وحين رأته سمر يتحدث وكأنه محق تماما، استشاطت غضبا، فتقدمت وصفعته على وجهه."اصمت!""هي لم تفعل شيئا! أنت من تسببت في موتها، ثم اتهمتها زورا ولطخت سمعتها!""أنت مقزز حقا!""كانت أختي رواء قد قررت الرحيل، وقررت أن تفسح لك المجال لتكون مع تلك الحقيرة ريام، فلماذا ظلل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status