Masuk" الفصل الثاني و الثنانون بعد المئة".....كان مالك يجلس على المقعد الخشبي بجانب سرير أثينا، يراقب وجهها الشاحب الذي فقدت فيه كل حيوية كانت تملكها. نظر إلى ملامحها الذابلة، وشعر بضيق يطبق على صدره؛ في تلك اللحظة، أدرك أن كل اتهاماته السابقة لها بأنها درامية وتتظاهر بالمرض كانت خاطئة تماماً. اجتاحه شعور ثقيل بالذنب وهو يرى جسدها الهزيل الذي يبدو وكأنه يتلاشى أمام عينيه. ساد الصمت في الغرفة، ولم يكن يقطعه سوى صوت أجهزة القياس الرتيبة التي كانت تعلن عن استمرار الحياة بصعوبة. مد مالك يده ليمسح على جبينها برقة مبالغ فيها، وكأنه يحاول تعويضها عن كل لحظة قسوة، بينما كانت عيناه تحملان مزيجاً من الحزن والمسؤولية وهو يراقب تنفسها المتقطع والضعيف. بجانبه، كان ليو واقفاً، جسده الصغير يرتجف بعنف، وعيناه محمرتان بشدة من كثرة البكاء. قبض ليو يديه الصغيرتين بقوة حتى ابيضت مفاصله، ونظر إلى والده بنظرة مليئة بالقهر والكره، ثم صرخ بصوت مخنوق: - "لماذا تسكت يا أبي؟ تلك السيدة الشريرة فعلتها.. ماريا آذت أمي! هي من جعلتها هكذا!" أغمض مالك عينيه للحظة، وشعر بمرارة في حلقه. التفتت أثينا ببطء نحو ابنها، و
" الفصل الواحد و الثمانون بعد المئة"....عادت ماريا إلى القصر، وكانت خطواتها هادئة وهي تدخل من البوابة الرئيسية. بمجرد وصولها إلى الصالة، وجدت مالك جالساً في مكانه المعتاد، وكأنه كان ينتظر وصولها. عندما رآها، نهض من مقعده ببطء، وعلى وجهه تعبير يجمع بين الهدوء والاهتمام. اقترب منها بخطوات واثقة، ثم مد ذراعيه وأحاطها بحضن قوي. في تلك اللحظة، شعرت ماريا بجسدها يتصلب، ودارت في رأسها آلاف الأفكار. قلبت عينيها في حركة سريعة غير مرئية له، وشعرت برغبة عارمة في دفعه بعيداً عنها. لكنها تذكرت هدفها، وبسرعة فائقة، تحكمت في تعابير وجهها، وأرخت عضلاتها لتبدو وكأنها تتقبل هذا الحضن بشكل طبيعي. ابتعد مالك عنها قليلاً، لكنه ظل قريباً منها، ينظر إلى وجهها بدقة. نظرت ماريا إليه، وحاولت أن تجعل نبرة صوتها تبدو بريئة وعفوية، فسألته: - "هل ما زالت السيدة أثينا في المستشفى؟" صمت مالك للحظة، وظهر على وجهه تردد بسيط، فأجاب بصوت خافت: - "اممم.." استغلت ماريا هذا الصمت، ومالت برأسها قليلاً وهي تتظاهر بالندم، وقالت بصوت منخفض: - "أشعر أنني بالغت في مزاحي معها.. ربما كنت قاسية بعض الشيء. لذلك، كنت أفكر، ه
" الفصل الثمانون بعد المئة"..... دخلت ماريا إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. وقفت أمام الحقائب التي أخرجتها المدبرة ووضعتها عند الباب. بدأت في نقل أغراضها الشخصية إلى الداخل، كانت تلمس ملابسها ببطء، تضع هذه القطعة وتطوي تلك. تذكرت في تلك اللحظة اليوم الذي عاهدته أنها لن تتركه أبدا مهما حصل فابتسمت بسخرية . " لا شيء يدوم للأبد " تمتمت ماريا وهي تغلق في ذكرياتها. كانت تظن انها تعيش سعيدة ، و لكن الان بعد ان راجعت ذكرياتها اكتشفت ان اكبر جزء من ذكرياتها كانت مؤلمة جدا و وحيدة أغلقت الحقائب بإحكام، ثم سحبتها بصعوبة نحو الخزانة الكبيرة. بدأت في إزاحة الملابس الشتوية الثقيلة والمعاطف الطويلة لتوفر مساحة في الزاوية الخلفية. دفعت الحقائب إلى الداخل حتى اختفت تماماً عن الأنظار، ثم أعادت ترتيب الملابس فوقها بدقة لكي لا يلاحظ أي شخص أن هناك شيئاً غريباً في الخزانة. تنهدت بعمق وهي تمسح حبات العرق عن جبينها، ونظرت إلى الغرفة التي بدأت تشعر أنها لم تعد تنتمي إليها. لم تكن كذلك منذ البداية . مرت الأيام، وبقيت ماريا في شركة مالك، تؤدي عملها بصمت وهدوء. كان يتبقى لها شهر واحد فقط من العمل قبل
" الفصل التاسع و السبعون بعد المئة"....ساد صمت مطبق في الردهة، صمت كان يمكن سماع دقات القلوب فيه من شدة التوتر. تراجع مالك عدة خطوات للخلف بفعل قوة اللكمة، ووضع يده على فكه الذي بدأ يتورم بسرعة، وعيناه متسعتان من الصدمة والذهول. لم يكن الألم الجسدي هو ما أذهله، بل كانت حقيقة أن ماريا، تلك المرأة التي عاشت ثلاث سنوات في ظله، قد تجرأت على ضربه بهذه القوة وبكل هذا البرود.ظلت ماريا واقفة في مكانها، لم ترتجف يدها ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الندم. نظرت إلى يدها التي أصابها بعض الاحمرار من أثر الضربة، ثم نفضتها بخفة وكأنها تخلصت من غبار عالق بملابسها. كانت نظراتها لمالك خالية من أي مشاعر؛ لا كره، لا حب، ولا حتى غضب. كانت نظرة شخص ينظر إلى حطام شيء قديم لم يعد له قيمة.حاول مالك أن يستجمع شتات نفسه، وفتح فمه ليتحدث بصوت متقطع من أثر الصدمة:- "ماريا.. هل جننتِ؟ كيف تضربينني؟ أنا أحاول أن أعتذر لكِ! أنا أعرض عليكِ التعويض!"رفعت ماريا حاجبها ببطء، ومالت برأسها قليلاً وهي تنظر إليه بسخرية لاذعة. قالت بنبرة هادئة جداً، لكنها كانت تحمل قوة تحطم الجبال:- "التعويض؟ أنت لا تزال تعتقد
" الفصل الثامن و السبعون بعد المئة" .... نظرت ماريا إلى السيد علي بعينين متسعتين قليلاً، ساد صمت قصير شعرت فيه بأن كل خططها السرية قد كُشفت في لحظة واحدة. أغمضت عينيها ببطء، ثم رسمت على وجهها ابتسامة هادئة وناعمة، وقالت بصوت خافت: - "يبدو أنه لا يغيب عنك شيء يا أبي." ابتسم علي ابتسامة خفيفة تحمل تقديراً لذكائها، وأسند ظهره إلى كرسيه وهو ينظر إليها بتمعن. - "إذا كنتِ قد أنشأتِ حساباً بنكياً خاصاً، وجمعتِ الأدلة من كل مكان، وأضفتِ إليها الأخبار المنتشرة حول علاقة مالك وأثينا.. فبالطبع سأعرف. أنا لا أدير شركات كبرى بالصدفة يا ماريا، بل لأنني أرى ما لا يراه الآخرون." صمت علي للحظة، ثم تغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر جدية، لكنها كانت تحمل نوعاً من الصدق القاسي. - "طبعاً لن أطلب منكِ أن تسامحي ذلك الأحمق. لقد تربى على يد أمه، وأنا أعلم جيداً كيف شكلت شخصيته، لذا أنا أحمل جزءاً من الخطأ لأنني سمحت بذلك. لكنني أرجو منكِ شيئاً واحداً.. أن تنتقمي منه على أكمل وجه. أريدكِ أن تكسريه بطريقة تجعله يتعلم كيف يكون رجلاً حقيقياً، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي سيفهم بها الدرس." اتسعت عينا
" الفصل السابع و السبعون بعد المئة"..... استدارت زهراء بسرعة نحو زوجها علي، وتغيرت ملامح وجهها في لحظة واحدة؛ اختفى الغضب والشر، وحلت محلهما ابتسامة عريضة ومصطنعة، تملؤها الرغبة في استرضائه. اقتربت منه بخطوات متسارعة، ومدت يدها لتمسك بذراعه وهي تتحدث بنبرة رقيقة مبالغ فيها: - "عزيزي علي! لماذا لم تخبرني أنك قادم؟ لقد فاجأتني حقاً! لو كنت أعلم لكنت تجهزت واستقبلتك كما يليق بك." لكن علي لم يمنحها الفرصة لتكمل جملتها. وبحركة سريعة وباردة، أبعد ذراعه عن يدها التي كانت تحاول التشبث به، متجاهلاً وجودها تماماً وكأنها قطعة من أثاث المنزل. نقل بصره نحو ماريا الواقفة في أسفل الدرج، وظهرت في عينيه نظرة حنان وهدوء غير متوقعة، وقال بصوت عميق: - "اصعدي يا ماريا.. اصعدي واشربي معي بعض الشاي." أومأت ماريا برأسها بهدوء، ولم تعر زهراء أي اهتمام. بدأت بالصعود على الدرج بخطوات ثابتة، بينما كانت تشعر بنظرات زهراء الحارقة تخترق ظهرها، وكأن تلك النظرات تحاول حرق ملابسها. عندما أصبحت ماريا في مستوى زهراء، توقفت المرأة فجأة، ومالت نحو أذن ماريا لتهمس لها بصوت مليء بالسم والكره: - "لا تظني أنكِ خدعتِ ا







