مشاركة

الفصل 8

مؤلف: Samar
last update تاريخ النشر: 2026-04-23 00:07:24

رفع آدم الظرف بيدٍ متوترة، وحدّق فيه لحظة كأن اسمه المكتوب عليه استفزه قبل أن يفتحه. بأصابعه القاسية مزّق طرفه العلوي بعنف، ثم سحب الأوراق من داخله بسرعة رجلٍ اعتاد أن تأتيه الأخبار كما يريد.

وقف بجسده الطويل المشدود، وكتفيه العريضتين المتصلبتين، بينما كانت عضلات فكه تتحرك بعصبية وهو يقلب الصفحات بنفاد صبر.

لكن ما إن استقرت عيناه على الكلمات المكتوبة، حتى تبدّل وجهه بالكامل.

اشتعلت نظراته، وانقبضت ملامحه بوحشية. برزت عروق عنقه وامتدت على جانبي جبينه، فيما قبضت يداه على الأوراق حتى تجعدت بين أصابعه. شيءٌ حارق اندفع في صدره... شيء يشبه الإهانة، ويشبه الذعر، ويشبه رجلاً تلقى صفعة لم يتوقعها.

رهف... تطلب الطلاق.

هو؟

هو الذي كان يظن أنها ستظل راكعة عند باب اهتمامه، تنتظر التفاتة باردة منه. هو الذي خانها، واحتقر ضعفها، ونظر إليها دائمًا كما لو أنها أقل منه... كيف تجرأت على اتخاذ القرار قبله؟

زمجر بصوتٍ خافت، ثم مزق الأوراق بعنفٍ هستيري، قطعة تلو الأخرى، حتى تناثرت القصاصات حول قدميه كثلجٍ ممزق.

رماها أرضًا، وصاح بصوتٍ ممتلئ بالكبرياء المجروح:

— من تكونين يا رهف؟! أنا من يقرر متى تنتهي هذه الزيجه

كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه حارة متقطعة. ثم تقدّم بخطوات غاضبة، وداس الأوراق تحت حذائه الأسود بقسوة، يضغط عليها كأنه يسحق تمرّدها نفسه.

فتح الباب بقوة حتى ارتطم بالجدار، وغادر كإعصارٍ هائج.

في قلب البار، حيث تتداخل الأضواء الخافتة مع أنغام الموسيقى الثقيلة، انفرج الباب لتدخل فتاةٌ خطفت انتباه المكان بأسره في لحظة واحدة.

كانت تتحرك بخطوات واثقة، تتمايل بنعومة آسرة، وكأن الأرض نفسها تُمهّد لها الطريق. جسدها الأبيض الناعم بدا منحوتًا بعنايةٍ مدهشة، متناسق التفاصيل، يفيض أنوثةً وأناقة.

ارتدت فستانًا قصيرًا بلون الغولدن روز، التفّ حول قوامها بانسيابٍ فاخر، كاشفًا عن ساقين طويلتين رشيقتين ازدادت جاذبيتهما مع حذاءٍ أنيق بنفس اللون، بينما زُيّنت أظافر قدميها و يديها بطلاءٍ أسود أضفى لمسة جريئة جذابة.

أما الجزء العلوي من الفستان، فكان بلا حمالات، يبرز عنقها الطويل الصافي، وكتفيها الناعمين، ويكشف عن صدرٍ متناسقٍ مثير دون ابتذال، ينساب تحته خصرٌ ضيق منحوت، وبطنٌ مشدود يزيد حضورها فتنة.

شعرها الأسود مصفف إلى الخلف بعناية، ينسدل على ظهرها في تموجاتٍ هادئة براقة، وكأن كل خصلة فيه تعرف تمامًا كيف تُكمل سحرها.

ومع كل خطوة نحو الطاولة المحجوزة، كانت العيون تتبعها بصمتٍ مندهش، رجالًا ونساءً، حتى بدا المكان وكأنه توقف لثوانٍ كي يتأمل مرورها.

كانت تلك رهف.

ما إن لمحَتها صديقتها آيلا حتى نهضت بسرعة، واتسعت عيناها بدهشةٍ صادقة، ثم جذبتها إلى حضنٍ حار وهي تقول:

— يا إلهي... لم أرك هكذا منذ زمن! تبدين فاتنة بشكل لا يُصدق!

ابتسمت رهف بخفة، وغمزت لها قائلة:

— شكراً آيلا .. و احمّرت وجنتيها

انفجرت آيلا ضاحكة، بينما جلست رهف إلى جوارها بأناقة، محاولة إخفاء توترٍ صغيرٍ كان يسري في داخلها.

رغم كل ذلك الجمال والثقة التي دخلت بها... لم تكن معتادة على أن تكون محور كل هذا الانتباه.

منذ اللحظة التي دخلت فيها رهف إلى البار، كانت هناك عينان لا تفارقانها.

عينان ثابتتان، تتابعان كل حركة تصدر عنها، وكل التفاتة عفوية، وكل ارتباكٍ صغير تحاول إخفاءه خلف ملامح متماسكة. لم تنتبه رهف لذلك أبدًا، كانت منشغلة بما حولها، وبمحاولتها الظهور واثقة وسط المكان الصاخب.

جلست على مقعدها، وظهرها مستقيم رغم توترها، بينما انزلقت خصلات شعرها على كتفيها بانسياب ناعم.. أما يداها فكانتا تعبثان بالكأس أمامها في حركة فضحت قلقها أكثر مما أخفته.

أما صاحب النظرات، فكان يعرفها جيدًا... أكثر مما تتخيل.

فارس ..

كان يجلس في زاوية بعيدة، نصف وجهه غارق في الظل، والنصف الآخر تلامسه أضواء المكان الخافتة. بدا طويل القامة، عريض الكتفين، يملأ جلسته بهدوء رجل يعرف تمامًا من يكون. ذراعاه القويتان استقرتا على طرف المقعد، بينما عيناه لم تغادراها لحظة.

لم تكن مجرد امرأة جميلة يراقبها بإعجاب عابر.. هو وحده من رآها جميله منذ زمن ولم يستغرب ان تظهر بهذا الجمال اللافت

كانت رهف... الفتاة التي سكنت ذاكرته منذ الطفوله

عرفها فور أن وقعت عيناه عليها، لا من ملامحها فقط، بل من تلك التفاصيل التي لا يلاحظها سواه. من ترددها حين دخلت، من الطريقة التي عضّت بها شفتها حين توترت، من الخجل المختبئ في عينيها رغم محاولتها التظاهر بالثقة... تمامًا كما رآها مساءاً في مقابلة العمل.

ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه.

لم تتغير كثيرًا.

كبر جسدها، ونضجت ملامحها، وأصبحت امرأة تخطف الأنظار، لكن داخلها ما زالت تلك الفتاة نفسها... المرتبكة، الرقيقة، التي كان يعرفها.

شدّ فاىس قبضته قليلًا، ثم أرخاها.

كان يريد أن يقترب... لكنه بقي بعيداً ، يعرف رهف جيدًا، ويعرف أن اقترابه المفاجئ سيزرع ارتباكًا في قلبها الجميل، لذلك اكتفى بمراقبتها من بعيد...

في البار، كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الطاولات الزجاجية.. جلست رهف أمام آيلا، شاردة الملامح، تقلب كأس العصير بين أصابعها النحيلة دون أن تشرب منه شيئاً.

مالت آيلا نحوها قليلاً، ثم قالت بصوتٍ خافت امتزج فيه الذهول بالشفقة:

— أخبريني يا رهف... كيف انتهى الأمر بينك وبين آدم؟ لم أتخيل يوماً أنكما ستفترقان. كنت أرى كم أحببته... ماذا فعل؟

ارتجف فك رهف، وحاولت أن تبتلع غصّةً مريرة قبل أن ترفع عينيها إليها. كان الحزن ساكناً فيهما كبحيرةٍ مظلمة.

— خانني... مراراً، ومع نساءٍ كثيرات.

خرجت الكلمات ببطء، كأن كل حرفٍ منها ينتزع قطعةً من قلبها. ثم أطرقت رأسها وأخبرتها بما بقي من التفاصيل، تفاصيل موجعة جعلت وجه آيلا يتبدل لحظةً بعد أخرى.

اتسعت عينا آيلا بصدمة، وارتفعت يدها سريعاً لتضم كف رهف بين يديها الدافئتين. شدّت عليها بحنانٍ حازم، وقالت:

— يا إلهي... كيف احتملتِ كل هذا وحدك؟ أنا هنا، هل تسمعينني؟ لن أتركك أبداً، وإن احتجتِ أي شيء، أي شيء، سأكون أول من يقف بجانبك.

تنفست رهف بعمق، ثم سحبت يدها برفق قائله:"

— لا تقلقي عليّ... سأتماسك. يجب أن أفعل. وسأبدأ العمل غداً.

انبسطت ملامح آيلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة فخرٍ دافئة.

— هكذا أريدك... قوية كما أعرفك دائماً.

ساد صمتٌ قصير، قطعه توترٌ مفاجئ في ملامح رهف. شدّت أصابعها فوق بعضها، وترددت قبل أن تتكلم.

لاحظت آيلا ذلك فوراً، فضيّقت عينيها وقالت:

— ماذا هناك؟ أخبرتِني بنصف الألم فقط... أليس كذلك؟

رفعت رهف نظرها ببطء، وكانت الكلمات أثقل من أن تُقال.

— أنا حامل. وآدم يعلم بذلك.

تجمدت آيلا لثانية، ثم شهقت وهي تضع يدها على فمها.

— لاااا

ثم مالت نحوها أكثر، وقد امتلأت عيناها بالغضب والحنان معاً.

— طفلٌ كهذا لا يستحق أن يولد وسط كل هذا الخراب... وآدم لا يستحق أن يكون أباً له. لكن اسمعيني جيداً... إن جاء هذا الطفل إلى الدنيا، فسأكون له أماً ثانية. سأحبه، وسأعتني به، ولن أدع شيئاً يؤذيه... ولا يؤذيك.

ارتعشت شفتا رهف، وكادت تبكي

وفي تلك اللحظة تماماً، انفتح باب البار بقوةٍ خفيفة، فاندفع تيار هواء بارد إلى الداخل.

استدارت آيلا تلقائياً نحو الباب... ثم شحب وجهها فجأة.

دخل آدم بخطواتٍ واثقة، طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي قميصاً داكناً يلتصق بجسده الرياضي، وعلى ذراعه امرأةٌ تتهادى بجواره بتصنع، تضحك وهي تتشبث به.

اتسعت عينا آيلا، وتيبست أصابعها فوق الطاولة، ثم همست باضطرابٍ مكتوم:

— رهف... أليس هذا

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 32

    استيقظت رهف عند الساعة الثامنة صباحًا… فتحت عينيها ببطء، لتتفاجأ بأن آدم ما زال نائمًا بجانبها، يحيط خصرها بذراعه وكأنّه يخشى أن تبتعد عنه. تجمّدت للحظة. هذا القرب… وهذا الهدوء على وجهه… كانا غريبين عليها بشكلٍ مؤلم. حاولت أن تتحرك بهدوء لتنسحب من بين ذراعيه، لكن آدم شعر بها فورًا. شدّها نحوه مجددًا دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم اقترب يحاول تقبيلها بنعاسٍ واضح. لكن رهف أبعدت وجهها سريعًا وقالت بجدية: "عليّ الذهاب إلى العمل." فتح آدم عينيه أخيرًا، وبقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بصوتٍ منخفض: "رهف…" تنهد ثم أكمل: "لم أشأ أن أزعجكِ الليلة الماضية، لكن… لماذا لا تعملين معي في الشركة؟" قطّبت حاجبيها فورًا. أما هو فتابع: "سأعطيك راتبًا أكبر، وبهذا تستطيعين تسديد المال بسرعة إن كنتِ ما زلتِ تريدين الطلاق." التفتت إليه بسرعة وكأن كلماته استفزتها: "لن أكون تحت مراقبتك يا آدم." ابتعدت قليلًا عنه ثم قالت بحدة: "كوني عدت إلى هذه الڤيلا لا يعني أنني أصبحت تحت رحمتك أو سيطرتك." ثم أشارت نحوه بإصبع مرتجف من الغضب: "دعني وشأني." شعر آدم بانقباضٍ حاد داخل صدره. جزء منه أراد أن

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 31

    عادت رهف إلى الڤيلا مع حلول المساء… أدخلت المفتاح في الباب ثم دفعته بهدوء، وما إن خطت إلى الداخل حتى توقفت. آدم كان هناك....يجلس في غرفة الجلوس بانتظارها. رفعت عينيها إليه بدهشة خفيفة، لكن ما فاجأها أكثر… هو الارتجافة الصغيرة التي شعرت بها داخل قلبها لحظة رأته. منذ متى ينتظرها آدم أصلًا؟ منذ متى يهتم إن عادت أم لا؟ ألم يكن دائم الانشغال عنها يقضي لياليه خارج المنزل؟ يتركها تنتظر كالغبية على مائدة العشاء ثم لا يأتي؟ كم ليلة أكلت طعامها وحدها بصمت…وكم مرة نامت وهي تقنع نفسها أن قلبها لم يعد يتأذى. أبعدت أفكارها سريعًا وألقت التحية ببرود: "مساء الخير." ثم مرّت بجانبه متجهة نحو الدرج دون أن تتوقف لكن صوته أوقفها. "رهف." تجمدت خطواتها للحظة ثم التفتت نصف التفاتة إليه. كان ينظر لها بطريقة غريبة… هادئة، لكنها مشدودة بشيء لم تفهمه. قال أخيرًا: "أين كنتِ؟" ضحكت رهف بسخرية باردة أوجعتها هي نفسها: "وما شأنك يا آدم؟" ثم أكملت وهي تعقد ذراعيها: "لا تمثّل دور الزوج المهتم… ما بيننا مجرد مبلغ مالي سأسدده لك، ثم أتخلص منك للأبد." شعر آدم وكأن كلماتها انغرست داخل صدره مباشرة. " لماذا آل

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 30

    خرجت رهف من شركة والدها بخطوات متعثرة، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. كانت تشعر أن شيئًا داخلها قد انكسر بالكامل. كيف استطاع والدها أن يربط حياتها بعقد زواج أشبه بصفقة تجارية؟ كيف يمكن لطلاقها من آدم أن يكلّف مئة مليون دولار؟ مئة مليون… حتى لو عملت طوال حياتها، لربما لن تتمكن من جمع نصف ذلك المبلغ. أغمضت عينيها بألم. أما كفاح… فمستحيل أن تطلب منه ذلك. لن تسمح لنفسها بأن تُثقل أخاها أكثر مما يفعل بالفعل لأجلها. ضحكت بخفة… ضحكة قصيرة ومؤلمة مليئة بالسخرية من حياتها بأكملها. كيف يمكن لوالد أن يكون بهذا القدر من القسوة؟ وكيف ينظر إلى الخيانة وكأنها أمر عادي لا يستحق حتى الاعتذار؟ توقفت سيارة أجرة بجانبها، فصعدت إليها بصمت تام. طوال الطريق، بقيت تحدّق من النافذة بشرود، بينما كانت كلمات والدها وصفعته تتردد داخل رأسها بلا رحمة. وبعد ربع ساعة، وصلت إلى شركة فارس الداغر. وقبل أن تدخل، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة لتجد اسم المحامي الذي كلّفه كفاح بمتابعة إجراءات طلاقها من آدم. أخذت نفسًا عميقًا ثم ردّت: " نعم، سيد سليمان… تفضل." جاءها صوت المحامي مترددًا قليلًا: " سيده

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 29

    نظر آدم مباشرةً إلى عيني رهف وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا: "هل ستستطعين دفع مئة مليون دولار خلال هذا الشهر؟" ، أراكِ واثقه بأن الطلاق سيتم في شهر واحد ؟! دفعت رهف صدره بعنف وهي تزم شفتيها بغضب ثم قالت بسخرية لاذعة: "يا لغرورك و وقاحتك !!" ... " حتى لو اضطررت أن أعمل ليلًا ونهارًا، حتى لو اضطررت أن أبيع جسدي كي أتخلّص منك... سأفعل." في لحظة واحدة تغيّر وجه آدم بالكامل، اختفت برودته وحلّ مكانها غضب مرعب، قبض على معصمها بقوة حتى شهقت متألّمة، ثم أمسك وجهها بيده الأخرى يضغط عليه بقسوة وهو يجزّ على أسنانه: "إياك... إياكِ أن تعيدي هذا الكلام مرة أخرى، جسدك لي وحدي، ولي أنا فقط، وأقسم لكِ إن فكّرتِ مجرد تفكير بما تقولينه فسأجعلك تتمنّين الرحمة... ولن أرحمك." انتفض جسد رهف بين يديه وارتجفت شفتاها بينما امتلأت عيناها بالدموع، لكنها رغم خوفها رفعت رأسها بعناد وصرخت في وجهه: "إذاً دعني أرحل! أنا لن أحبك أبدًا مهما فعلت، لن أعود لحبك أبدًا... يكفيك غرورًا وتحكمًا بحياتي!" ثم نزعت نفسها من قبضته بعنف وابتعدت عنه بسرعة قبل أن تصعد الدرج بخطوات مرتبكة، وما إن وصلت إلى الط

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 28

    التفتت ساره بسرعة نحو الصوت الذي دوّى من الأعلى… وكان آدم. تجمّدت ملامحها فور أن رأته واقفًا اعلى الدرج، عيناه مشتعلة بالغضب، وملامحه متجهّمة بطريقةٍ أرعبتها أكثر من صراخه نفسه. لأول مرة… يراها هكذا. ليست ساره الهادئة الناعمة التي اعتاد عليها، ولا تلك الفتاة الرقيقة التي تخفض صوتها دائمًا أمامه. بل امرأة فقدت سيطرتها، وظهر وجهها الحقيقي بكل غضبه ارتبكت، وتلعثمت الكلمات على شفتيها: "آ… آدم، أنا...." لكنّه قاطعها بحدّة، وصوته يحمل غضبًا مكتومًا يكاد ينفجر: "هل هذه أنتِ حقًا؟" تقدّم خطوة نحوها، وعيناه تضيقان بقسوة: "وترفعين يدك على زوجتي؟" ارتجف شيء داخل ساره. كلمة "زوجتي" وحدها كانت كفيلة بتمزيق ما تبقّى من تماسكها. رفعت رأسها نحوه، وقد سقط القناع الذي طالما ارتدته أمامه، وقالت بانفعالٍ مرير: "زوجتك؟ أي زوجة ؟ !" ضحكت بسخرية ، والحقد يحرق صوتها: "ألم تقل لي إنك ستطلّقها؟ أم أنني كنت مجرد فتاةٍ عابرة في حياتك؟!" هبط آدم الدرج ببطءٍ متعمّد، كأنّه يحاول السيطرة على غضبه قبل أن يصل إليها. حتى وقف أمامها مباشرة. وجهه كان جامدًا بصورةٍ مخيفة. ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 27

    توقّفت سيّارة آدم أمام بوّابة الفيلا، فانطفأ هدير المحرّك وبقي الصمت وحده يتكلّم ترجّل آدم أوّلًا، دار حول السيّارة بخطوات واثقة وفتح الباب لرهف. مدّ يده نحوها ليساعدَها على النّزول، لكنّها لمْ تستجب له. نزلت بمفردها دون أن ترفع عينيها إليه حتّى أخفض يدَه إلى جانبِه ببطء، ثم قبضها بشدّة حتى ابيضتْ مفاصله، وكأنّه يخنق خيبه أراد ألّا ترى دلفا إلى الفيلا، لكن شيئًا لم يكن كما تركته رهف. لقد غيّر آدم أثاث الفيلا بالكامل. جالت عينا رهف على ما حولها، فاعترتها دهشة خفيّة لم يلحظها آدم. كان الخدم يرمقونها بنظرات غريبة تحمل ألف سؤال، لكنّها بادلتهم بابتسامة باهتة صعدت بها إلى الطّابق العلوي وقفت أمام باب غرفتها القديمة. ما إن قبضت على مقبض الباب حتى ساورها شعور موجع. في هذه الغرفة تحديدًا، لفظت أحلامها الأولى... فيها أجهضت طفلها استجمعت أنفاسها وفتحت الباب أخيرًا، لكنّها لم تكن غرفتها. حتى هذه الغرفة أمر آدم بتغيير كل ما فيها. السرير، الستائر، لون الجدران، كلّ شيء يصرخ بأن الماضي قد محي دخلت بهدوء، وشعور غريب بالفرح تسلّل إلى قلبها دون إذن. لكنّه فرح قصير العمر، مات سريعًا على

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status