LOGIN"الفصل السادس"
لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام. أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا. رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.
امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر. أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه. هتف بصوته الغليظ : -اريده عاري كما ولدته أمه. تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه الأصغر. نهض الشيخ من مجلسه واقترب من جسد سيف العاري يلطخه برماد اسود ملتهب أثر أشتعاله ونقش على جسده الساجي بعض الطلاسم. وامسك عصا حديدية تتوهج بالاشتعال وقربها من ظهر سيف، انهال عليه بكل قوته، لينتفض جسده كأنة صعق بفولت كهربائي زلزله بقوة وطاح به مبتعدا عن الأرض، لتخرج صرخة متألما من بين شفاه المرتجفة. غضب رماح وهتف بعصبية: -ماذا تفعل يا شيخ ؟ اجابه بجمود: -أحاول أخراج الجان الذي يسكن جسد اخيك ثم كرر فعلته مرارًا وصرخات سيف تزداد ولم يحاول أحد أمناع الشيخ منما يفعله. ردد بصوت قوي : -أخرج عدو الله .... أخرج دون أن تأذيه ... أخرج ولن نأذيك.. هكذا ظل يردد الشيخ ومن حين لأخر يسأل سيف من أنت ؟ كان بين الصحوة والغيبوبة يفتح عيناه باتساع من شدة الألام المتفرقة التي تضرب جسده بقوة وهو عاجزًا عن كف المعاناة التي تجتاحه الأن. همس بصوت واهن يكاد يسمع: -سيف... أسمي سيف، كفى عبث ليس لدي أي جني قال كلماته الأخيرة وزفرت عيناه الدموع وهو يتطلع إلى جده بضعف يستنجده. ابتلع الشيخ ريقه بتوتر وعاد ينهال عليه بغضب صارخا بصوته الغليظ: -أخرج يا ملعون. طوقه رماح وأخذ ضربته على ذراعه وأبعد شقيقه عن يده الضالة: -ما تفعله يأذي شقيقي، جسده يقطر دمًا، سيموت أخي في يدك. لملم درغام أغراضه وترك لهم قنينة مليئة بالزعفران وأخبرهم بضرورة الاستحمام بزيت الزعفران . وأعطاه الجد المال الذي وعده وشاه مكافأة ، وجدها درغام فرصة لكسب المال من شيخ القبيلة. بكى رماح لآلام شقيقه التي تنزف وهو يحاول تطهيرها بالماء الدافئ بعدما رفض سيف وضع القنينة الذي تركها ذاك الدجال، ثم ساعده في ارتداء سرواله وذهب ليجلب الطبيب عامر لكي يداوي جراح سيف. الذي ما أن علم بما حدث له، اتهمهم بالدجل والخرافات وما حدث لسيف جريمة، والجميع تواطئ مع الدجال الذي أحرق جسد سيف حروق غائرة لم تتعافى إلا بعد أسابيع. ❈-❈-❈ مر أسبوعًا على مكوث نجمة بقبيلة البدو، وبدأ سيف في التعافي بعدما واضب عامر على تطهير وتعقيم الحروق ، وكلما التقى به يتساءل عن حالة نجمته ،ليخبره الطبيب أنها بدأت في الشعور بمن حولها وتسترد وعيها لحظات ثم تغيب عن الواقع مرة أخرى ولكن هذا مؤشر بقرب التعافي من السم . كان شاردًا داخل دوامة لن تنتهي من التفكير ، لما فعلت ذلك بنفسها؟ لابد بسبب زواجه ومحاولة طردهم ؟ ماذا لو فتحت علمت بأنه تزوج وتركها تنازع الموت ؟ كيف سيكون رد فعلها والدخلة حسب قوانين جده غداً.. ❈-❈-❈ _في عصر اليوم التالي داخل خيمة نجمة_ ألام متفرقة تنهش جسدها الهش الضئيل بعد تلك الوعكة الصحية خسرت الكثير من وزنها، فتحت عينيها ببطء وطالت أنظارها داخل الخيمة لتعلم بأنها بمكان أخر، لم ترى إلا وجه والدتها التي أقدمت عليها تضمها بلهفة وتمطرها بوابل من القبلات. بينما علت أصوات الزغاريد وظلت تتردد صداها بالخارج، لا تعلم اين هي ؟ ولما تلك الأصوات التي تسمعها؟ خرج صوتها هزيلا: -أمي ... أين خيمتي؟ صمتت قليلا تتذكر أخر شيء مر بمخيلتها قبل مرضها ذاك، و عادت تتساءل: -ماذا حدث للغجر؟ عاد الترحال المرغومين عليه دائما، سنظل بلا أرض حتى الموت تجمدت سماهر في مكانها وهتفت بعتاب: -هان عليكِ فراقي يا ابنة سماهر؟ هان عليكِ روحك تتناولي السم لتنهي حياتك مِن أجل مَن؟ من أجل حب زائف مخادع؟! لا يوجد شخص على وجه الأرض يستحق الحب وأن تضحي بحياتك من أجله؟ من اللعين الذي جلب لكِ سم الأفعى؟ لم تفهم كل ما قالته والدتها داهمها صداع قوي يفتك برأسها ويتوغل إلى صدغيها، أختنقت أنفاسها في نوبة ربو استغاثت سماهر بالطبيب وأتى لفحصها وهو مبتسم بتماثلها الشفاء. ركض زين إليها مشتاقًا لرؤية عسليتيها الجميلتين، حدق بها غير مصدق بأنها تنظر إليه مثلما هو ينظر إليها، تشعر بوجوده ترى ملامحه دنا منها يهمس بدفء: -حمدًا لله على سلامتك يا نجمة انتظمت أنفاسها بهدوء وجلست على الفراش قائلة بنبرة خافتة: -لا علم كم استغرق فقداني للوعي ولم اتذكر إلا طردنا قالتها بصوت منكسر عندما تذكر أخر لقاء جمعها بسيف وتبادلهم النظرات . عادت سماهر تساءلها: -من جلب لكِ سم الأفعى ؟ لما فكرتي في إزهاق روحك؟ جحظت عيناها بصدمة وهزت راسها نافية: -لم افعل ذلك يا أمي، كل ما أتذكره أثناء مداهمة البدو لقبيلتنا دلفت الخيمة ابكي ونويت جمع أغراضي للرحيل، بعد لحظات أتى حمزه وجلب لي كوب ماء محلى بالعسل وتناولته من يده ولم اعي ما حدث بعد ذلك. شهقت سماهر بصدمة : -من الذي أعطى الصغير ذاك الكوب المسموم ؟ ثم اردفت قائلة بتوعد: -سأعلم من له يد فيما حدث لكِ ، ساجعله يُسقى من نفس الكأس. ردد زين اسمها بهمس: -قوت هي الفاعلة. حينها تأكد من حديثها و استغلت الصغير لكي تتخلص من نجمة، أقسم داخله على تلقينها العقاب الذي يليق بعاهرة مثلها..❈-❈-❈
بينما داخل خيمة سيف، كان يقف أمام المرآة، يرتدي ثوب زفافه بيد مرتعشة، وقلبه مثقل بالحزن والأسى. تتراءى له صور حبيبته الغائبة، فينقبض قلبه ألمًا، رغم التأم جراح جسده إلا أن قلبه لا زال يصرخ رافضا تلك الخطوة التي زج بها نفسه من أجل الحفاظ على أرث البادية من عادات وتقاليد. دلف إليه شقيقه رماح يبارك فرحته وينثر العطر على جلبابه الابيض ويوصيه خيرا بابنة عمه. ربت على كتفي سيف قائلا: -مبارك يا اخي هز رأسه دون أن يهمس بكلمة، أردف رماح حديثه بلين: -انسى ما مضى وأبدء اليوم بداية جديدة مع ابنة عمك التي تصونك وتليق بفارس مثلك. تنهد بحسرة وبتر تساءله عن التي سكنت قلبه: -ما هو حال نجمة إلا زالت فاقدة الوعي؟ لوى ثغره بضجر وقال وهو يهز رأسه بأسى : -علمت من الطبيب ماهر أنها استردت عافيتها لمعت عيناه فرحًا ، كاد أن يطير من سعادته ولكن غشاه أحساس الندم والوجع. يبدو أن ليلة زفافه ستظل جرحًا نازفًا، يغزو قلبه إلى أن يسترد الله روحه. القهر يجتاحه يشعره بالعجز ، يحاول أن يهرب من سجن العادات ولكنه مقيدًا بسلاسل الخوف من العار الذي سيلحق بقبيلته وشيخ القبائل جده أصدر قرارًا لم يعد فيه رجوع ، الموت أهون عليٌَ، لم يعد لديه قوة للوقوف أمام قبيلته بعدما جلبوا له الدجال وسيطرت عليهما أفعال السحر، لا يعترفون بالقلوب التي تخفق من أجل العشق الطاهر الذي لم يدنس بخيانه ، اليوم هو وصمه بالغدر وخيانه الوعود.-احذر يا أخي كسر القلوب ، من الليلة ابنة عمك في أمانك وحمايتك فلا تكسر لها خاطر ولا تبكي لها عين.
زفر أنفاسه بضجر مكتوم كأنه أسد يزئر جوعًا ثم ضرب على صدره بقوة : -وقلبي هذا كسره جدك ومن قبله العادات والتقاليد والمظاهر الخادعة لأجل أرضاء شيخ القبيلة زفرت دموعه التي حاول كبتها، فضمه شقيقه بشده وظل يربت على ظهره يهدئه فليس بعد قهر الرجال شيء يستدعي الكلام ، السكوت الأن أبلغ من أي حديث يقال . ❈-❈-❈ قصت عليها سماهر وجودهن بأرض البادية من أجل شفاءها، ولكنها أخفت زواج سيف لكي لا تحزنها، ولكن الافراح في البدو لا تستطيع اخفاءها بسبب الطبول التي تقرع والزغاريد التي يسمعون صداها كل لحظة، فقررت ترك قبيلتهم فهي لم تعد بحاجة إلى المكوث هنا. وافقتها سماهر الرأى وأتى زين بجواده عازمين أمر الرحيل ليلا. خشيت سماهر معرفة نجمة الحقيقة التي أخفتها عنها ولذلك عجلت في الابتعاد وهي تلوم نفسها على السر التي افشته. الدموع تحجرت داخل مقلتيها ودت لو كانت صماء لكي لا تخترق أذنيها مزامير الزفاف وزغاريد النساء ، اليوم التي استردت فيه وعيها تصحى على خبر يحطم قلبها إلى أشلاء ، اليوم حبيبها يتزوج من أخرى ولم تعد تربطهما أي علاقة ثانية، عليها الفرار من هذا العذاب الذي يجلد ذاتها. جاهدت في أخفاء دموعها وكظمت مشاعرها التي تعصف بكل كيانها أبت إلا تنهار، تحاول أن تظل قوية، شامخة كالشجرة العتية التي مهما عصفت بها الرياح لم تقدر على انتزاع جذورها . ❈-❈-❈ أختلت أشجان بزوجها داخل خيمته، لم تتحمل السكوت فقررت مواجهته، لكي يتراجع عن أفعاله، اليوم كبرت ابنته وصارت عروس تزف لزوجها، عليه أن يحترم عمره الذي تجاوز الخمسون. اقتحمت خلوته كالأعصار وهي تهتف بغضب: - كفى أفعال الصبيان، أنت بعمر الخمسين ولا زالت تركض وراء الغجريات، هل تقبل لابنتك أن تعيش وتعاني مثلما أنا عانيت طوال عمري معك اقترب منها بدفء فهي لم تخطو بقدميها خيمته منذ زمن بعيد : -ماذا تقصدين يا ابنة العم؟ طالعته بغضب أكبر وبترت كلماتها بأشمزاز: -عار عليك، أحترم شيبتك ، ستصبح جد بعد أشهر قليلة . ابتسم على غيرتها التي تفضح ملامحها ودنا منها يرفع ذقنها وينظر داخل عينيها الجميلتين: -هل تغارين عليَّ بعد تلك السنوات؟ أبعدت مقلتيها عن التطلع إليه وقالت بنبرة مهزوزة تداري بها شوقها، ثم هتفت بغرور أنثى: -أغار عليك أنت؟ انت مخطأ كل ما في الأمر أن تنظر إلى ابنتك لا اريد لها أن تعيش التعاسة التي عاشتها امها قبلها. -ما رايك أن تعود المياه إلى مجاريها هزت راسها وهتفت بعصبية: -رأيت الغجرية تدلف خيمتك ليلا، لم تخشى من والدك ولا ابنتك إذا رأت والدها بهذا الوضع الدنيء همت بالمغادرة ولكن سبقها وقبض على كتفيها مانعها من الخروج وقال بصوت جاد دون أن يرتب كلماته: -الغجرية هي نفسها النزوة التي مررت بها بالماضي. تسمرت مكانها ونظرت إليه في ذهول : -ولما عادت تلاحقك؟ -من أجل ابنتها ، تقول إن الفتاة هي ابنتي -ابنتك ! كيف ؟ . قالتها وهي تتذكر الماضي بكل عثراته وجراحه التي لم تشفى منها حتى الأن. لكنه قطع تفكيرها بكلمة جعلت قلبها ينبض بصخب، يكاد يخرج من بين أضلعها. -تقول أنها ابنتنا "ود"❈-❈-❈
هرولت غائمة على وجهها، لم يستطيع إيقافها ولا اللحاق بها ، فقد كانت مثل الريح التي هبت على حين غرة، لم تسمع باذنيها إلا كلمة واحدة نطقت بها عندما ولجت الخيمة هاتفة بلهفة وهي تحدق بوجه نجمة. -ود ... رفعت كفيها تحتضن وجنتيها وهي ترنو نظرها داخل بركة عسلتيها التي تجذبها، ترى من داخلهما تلك الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز عمرها العام وأنهطلت دموعها كالشلال وهي تهبط بكفيها إلى ذراعيها تتحسس جسدها تحت نظرات نجمة الصادمة. أما عن سماهر كأنها لدغها عقربًا انتفضت من وقفتها وتصلبت أمام اشجان تحول بينهما صارخة بإنفعال: -حذراي الاقتراب من ابنتي، سوف نترك أرضكم الملعونة هذه ونرحل تجمهر البعض أمام الخيمة ثم اقترب الشيخ راجي قائلا بحزم: -ترحلين وحدك يا غجرية وأبنة البدو لن تبرح أرضها . رفعت انظارها تصوبهما ناحية الشيخ راجي تردد بغضب: -اتيت بابنتي ولا توجد قوة على ظهر الأرض تستطيع أبعادها عني. رفع عمار كفه وكاد أن يلطم وجنتها ولكنها اكتظت على أسنانها ونفثت بوجهه لتهبط يداه جانبا، صارخا بألم قوي طاح بكفه. ابتعدت نجمة من بين ذراعي أشجان وهي تدنو من والدتها بخوف : -أمي... أنفطر قلب أشجان لسماعها تلك الكلمة وعادت تقترب منها بلهفة تمزق ثيابها من أعلى ليظهر جيدها البض الذي يزينه عنقود العنب الوردي ، تلك الشامة التي تميزت بها الصغيرة منذ ولادتها. شهقت نجمة من تلك الفعله وضمت ثيابها لصدرها بخوف ولكن تأكد كل من بالخيمة بأنها ود الطفلة الصغيرة التي فقدوها منذ عشرون عاما ، وهوت أشجان على ركبتيها أمام نجمة باكية متشبثة بثوبها -أنتِ ود أبنتي أنا ..❈-❈-❈
كانت تهرول كالغزال الذي فر من القطيع لكي لا تلتقفه فم الحيوانات المفترسة، شاردة لا تعرف خطواتها، تتعثر قدميها بالرمال تارة وتارة أخرى تقف تلهث أنفاسها المتسارعة، وجدت ذراعين يجذبها لكي تكف عن الركض، أغمضت عينيها مستسلمة لهذه اللحظة فلم يعد لديها قوة على أكمال ركضها، لكن أتاها صوتا حانيًا مطمئنًا-لا تخافي صغيرتي ، ها أنا ألتفت بجسدها المرتجف لتشعر بأن الدنيا تميد تحت قدميها الحافيتين، تعلقت مقلتيها المغرقة بالدموع وكأنها وجدت يد القدر التي تدخلت لكي تربت على كتفيها بحنان وطوقه بذراعيه لكي تستقر برأسها عند صدرته وتنساب دموع الأخرى وهو يهمس بصوته الدافئ:-لن يقدر مرجان على أذيتك بعد الأن، لا تخافي يا حبيبتيتشبست بذراعه وخرج صوتها بهمس خافت :-تعبت يا أبي، أريد أن أستريحأنسابت دموعه وأزادات نبضاته وهو يستمع لتلك الكلمة التي خرجت من فمها أخيرا، جاء الحين الذي أستمع لها تناديه بأبي وتعترف بوجوده، لكم تمنى تلك اللحظة منذ أن عادت إليه.شدد هو في ألصاقها بصدره كأنه يحاول تعويض نفسه عن غيابها وضياعها تلك السنوات الماضية ، يحاوطها بين ذراعيه خائفا من ضياعها ثانيا ، متلهفا لابنته الصغيرة الذي
غادر المقدم عمر مبنى المشفى وزين يسير خلفه لا يعرف شيئا عما حدث بأقوال قوت، تساؤلات تلاحق عقله دون توقف من الذي فعلها ؟ ما الحديث الذي دار بين ضابط المباحث وقوت؟ هل رأت الجاني أم أنه لا زال ضمن المشتبه بهم ؟ أسئلة كثيرة ولم يجد إجابتها ، كما أن قلقه الاول والاخير على غياب نجمته ، هل هي تائهة بالشوارع ولم تعرف كيف اعود إلى المنزل؟ هل ساقتها قدميها بأن تتفتل بين الشوارع ونست الطريق إلى العودة؟ أين توجد الأن ؟ وماذا تفعل؟ هل تبكي ضياعها ، لابد أنها خائفة، مذعورة من تكرار ما حدث معها بالماضي ،هل الماضي اللعين سيظل يلاحقها حتى بعدما صارت فتاة ناضجة؟ فاق من شروده على صوت عمر المتسأل:-أخبرني ما تعرفه عن مرجان توقفت قدماه عن السير ونظر إليه بدهشة:-مرجان؟! أستقل عمر السيارة ولحق به زين مكرر سؤاله، رمقه عمر بهدوء قبل أن يقود السيارة وينطلق بها مسرعًا:-مرجان هذا هو من فعل ذلك بقوت، أخبرني هل تعلم أين يوجد.الأن ؟ أريد معرفة كل صغيرة وكبيرة تخصه.-لا يهمني مرجان هذا فليحترق في الجحيم، أريد معرفة أين توجد زوجتي الأنقال كلماته بأنفعال سرعان ما تحول قلق وتقازفت شياطين الغضب على رأسه عندما بتر
أنشغل زين بجلي السيارات داخل جراج العمارة ولم يشعر بمرور الوقت ، بعدما أنتهى من عمله، جفف عرقه المتساقط وسار عائدا إلى منزله.طرق الباب برفق وانتظر أن تفتح نجمة الباب ولكن مرت بضع دقائق ولم تفتح ، ظن أنها عادت من السوبر ماركت وصعدت إلى فيروز فدلف هو الشقه واغلق الباب برفق ، توجها إلى المرحاض لينعش جسده بالماء ويزيل تعب اليوم، ثم أبدل ثيابه بأخرى ولا زالت نجمة لم تأتي بعد.زفر بضيق وهو ينظر من نافذة غرفته فقد حل ظلام الليل ولم يعتاد أن تظل عند فيروز كل هذا الوقت، ساقته قدماه واستقل المصعد الكهربائي وصولا إلى الطابق الثالث، وقف عند باب الشقة ثم ضغط زر الجرس انتظر برهة إلل أن فتحت الخادمة الباب وسألها عن زوجته-هل نجمة هنا مع الآنسة فيروز اتت فيروز على صوته واجابته:-زين تفضل -تنحنح وهو يعتذر منها عن قدومه ولكنه تفاجئ بقولها-نجمة لم تأتي منذ أن تركتني عصرًا-حقا !قالها بصدمة، ثم استطرد قائلا: -عند المغيب ذهبت إلى الجراج واستغرقت وقتا طويلا في غسل السيارات و لم أشعر بمرور الساعة، ونجمة أخبرتني أنها ستتفقد أغراضا من السوبر ماركت، وعندما عدت ولم أجدها ظننتها برفقتك اعتراها القلق وقالت
مرت الأيام سريعا ولا زالت التحقيقات جارية في البحث عن الجاني الذي أراد قتل "قوت" وتحاول المباحث أن تبذل قصارى جهدها في إيجاد هوية صاحب البصمة المجهولة .منتظرين أيضا إفاقتها من غيبوبتها لمعرفة الحقيقة الكاملة.أما عن علاقة "نجمة" ب"زين" أزدادت قوة وترابط بعدما أفاضت بمشاعرها أتجاهه وهو فرح بذلك الالتحام الذي جمع بينهما ووثق زواجهما قولا وفعلا، كما أنها صدقته فهو لم يخونها قط وتفاجئ بأقتحام قوت منزلهم رغم طردها .وقررا معا بداية جديدة وطي صفحات الماضي البائس لكي لا يعكر صفو حياتهم الجديدة.تركته يباشر عمله وهي متواجدة عند صديقتها وشقيقتها التي تجد الراحة والسكينة في قربها .علمتها فيروز كل شيء بداية من الكتابة والقراءة وكل فنون العشق التي جعلتها تفعلها مع زوجها لكي يستمر الحب بينهما ولن تسمح للفتور أن يسكن عشهم الصغير .ذات يوم وهي بصحبة فيروز أعطتها حقيبة هدايا عندما فتحتها تفاجئت بمستواها:قالت مندهشة: -هاتف محمول لما؟ابتسمت فيروز وهي تخرج من الحقيبة الهاتف الاخر وقالت بود:-واحد لك والثانِ ل زين لكي تتبادلون المكالمات الهاتفية ويطمئن كل منكما على الآخر ، كما أنني أخبرتك كيف تستخدم
داخل الزنزانة ،حيث ألتفت زين إلى الشاب الذي أطربهم بصوته الشجي، بينما انتهى الشاب من غناءه ثم هتف متسألا لزين:-أنت مُستجد إليس كذلك؟هز رأسه بإيماءة خفيفة تنهد الشاب ثم لاحت بسمة هادئة وقال بلكنته الصعيدية المميزة:-أنا ناصر، وأنت-زين-عاشت الأسامي يا زين الرجال، أخبرني حكايتك ودع الأيام تمر؟تنهد بضيق وقال بأقتضاب:-جريمة لم أفعلها، وبدء يسرد كل منهما قصته للآخر تهوينا حياتهم بين الجدران المظلمة..جنى الليل وصمتت الأحاديث، عم السكون الزنزانة وغفلت عيون المساجين إلا عينه لم تغفل، ظل ساهرا لا يفكر إلا بنجمته ، تذكر أنه نسى أن يبرء نفسه أمامها من نظرة الخيانة التي رآها عندما وجدت قوت معه بالمنزل، ولكن ما شعر به لهفتها، ضمتها إليه، خوفها أن يصابه أذى، لمعت عيناها بنظرات عاشقة متلهفة لرؤية معشوقها، هذا ما جعله ينسى كل شيء إلا هي .قرع قلبه بالطبول متيقنًا مشاعر نجمته، ولكن راوده أحساس القلق والخوف عليها، ماذا تفعل وحدها ؟ نادما على تركه لها وعودته إلى هنا وجرا ما جرا، يا ليته ظل جوارها ولم يحدث كل هذا .❈-❈-❈تململت في فراشها وفتحت عيناها بوهن، لتجد ذراع فيروز تطوقها بدفء، تسللت من بين
أستدعت "فيروز"والدها لكي يفحص جسد نجمة الهزيل، بدء على ملامحها الحزن والأرهاق، كما أن ضعف جسدها لم يتحمل تلك الصدمات التي تتقازف فوق رأسها واحدة تلو الأخرى، غرس الطبيب نادر المحلول المغذي بوريدها وحقنه بمهدئ ليساعدها على النوم ويخفف عنها ما تمر به .وترك ابنته فيروز جوارها إلى أن تستيقظ ثم غادر المنزل.تنهدت وهي تستلقى جانبها بالفراش ثم رفعت كفها تلامس خصلات نجمة المموجة التي فعلتها لها بيدها، سارت أناملها برفق كأنها تحاول بث الطمأنينة بجسدها الخاوي ، كان نومها مضطرباً، تزفر أنفاسها بأختناق كأنها تغرق في عمق البحر، تشهق بضيق بين برهة وأخرى ، يبدو أنها تطاردها الكوابيس في صحوها ومنامها، ضمتها إليها وأسندت رأسها تلتصق برأس نجمه بعد أن طبعت قبلة حانية على جبينها المتعرق أثر ما تراءه وهمست بجانب أذنها:-لا تخافي نجمة، لن أترككِ وحدك، أنا هنا جوارك.كلمات بسيطة لكنها خرجت بقلب محب، قلب بريء، لا يحمل داخله أي ضغينة، مشاعر صادقة تغدقها على غريبة حست بقربها كأنها جزء منها، كأنها شقيقتها التي لم تلدها والدتها، هكذا هي المشاعر الصادقة تُعطي دون مقابل.❈-❈-❈عاد رماح وسيف إلى القبيلة بينما عمار







