Home / الرومانسية / بنت الغجر / الفصل السادس

Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-03-31 19:32:59

"الفصل السادس"

لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام.

أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا.

رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.

بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.

امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر.

أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه.

هتف بصوته الغليظ :

-اريده عاري كما ولدته أمه.

تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه الأصغر.

نهض الشيخ من مجلسه واقترب من جسد سيف العاري يلطخه برماد اسود ملتهب أثر أشتعاله ونقش على جسده الساجي بعض الطلاسم.

وامسك عصا حديدية  تتوهج بالاشتعال وقربها من ظهر سيف، انهال عليه بكل قوته، لينتفض جسده كأنة صعق بفولت كهربائي زلزله بقوة وطاح به مبتعدا عن الأرض، لتخرج صرخة متألما من بين شفاه المرتجفة.

غضب رماح وهتف بعصبية:

-ماذا تفعل يا شيخ ؟ 

اجابه بجمود:

-أحاول أخراج الجان الذي يسكن جسد اخيك

ثم كرر فعلته مرارًا وصرخات سيف تزداد ولم يحاول أحد أمناع الشيخ منما يفعله.

ردد بصوت قوي : 

-أخرج عدو الله  .... أخرج دون أن تأذيه ...

أخرج ولن نأذيك..

هكذا ظل يردد الشيخ ومن حين لأخر يسأل سيف  من أنت ؟

كان بين الصحوة والغيبوبة يفتح عيناه باتساع من شدة الألام المتفرقة التي تضرب جسده بقوة وهو عاجزًا عن كف المعاناة التي تجتاحه الأن.

همس بصوت واهن يكاد يسمع:

-سيف... أسمي سيف،  كفى عبث ليس لدي أي جني

قال كلماته الأخيرة وزفرت عيناه الدموع وهو يتطلع إلى جده بضعف يستنجده.

ابتلع الشيخ ريقه بتوتر وعاد ينهال عليه بغضب صارخا بصوته الغليظ:

-أخرج يا ملعون.

طوقه رماح وأخذ ضربته على ذراعه وأبعد شقيقه عن يده الضالة:

-ما تفعله يأذي شقيقي، جسده يقطر دمًا، سيموت أخي في يدك.

لملم درغام أغراضه وترك لهم قنينة مليئة بالزعفران وأخبرهم بضرورة الاستحمام بزيت الزعفران .

وأعطاه الجد المال الذي وعده وشاه مكافأة ، وجدها درغام فرصة لكسب المال من شيخ القبيلة.

بكى رماح لآلام شقيقه التي تنزف وهو يحاول تطهيرها بالماء الدافئ بعدما رفض سيف وضع القنينة الذي تركها ذاك الدجال، ثم ساعده في ارتداء سرواله وذهب ليجلب الطبيب عامر لكي يداوي جراح سيف.

الذي ما أن علم بما حدث له، اتهمهم بالدجل والخرافات وما حدث لسيف جريمة، والجميع تواطئ مع الدجال الذي أحرق جسد سيف حروق غائرة لم تتعافى إلا بعد أسابيع.

❈-❈-❈

مر أسبوعًا على مكوث نجمة بقبيلة البدو، وبدأ سيف في التعافي بعدما واضب عامر على تطهير وتعقيم الحروق ، وكلما التقى به يتساءل عن حالة نجمته ،ليخبره الطبيب أنها بدأت في الشعور بمن حولها وتسترد وعيها لحظات ثم تغيب عن الواقع مرة أخرى ولكن هذا مؤشر بقرب التعافي من السم .

كان شاردًا داخل دوامة لن تنتهي من التفكير ، لما فعلت ذلك بنفسها؟ لابد بسبب زواجه ومحاولة طردهم ؟ ماذا لو فتحت علمت بأنه تزوج وتركها تنازع الموت ؟ كيف سيكون رد فعلها والدخلة حسب قوانين جده غداً..

❈-❈-❈

_في عصر اليوم التالي داخل خيمة نجمة_

ألام متفرقة تنهش جسدها الهش الضئيل بعد تلك الوعكة الصحية خسرت الكثير من وزنها، فتحت عينيها ببطء وطالت أنظارها داخل الخيمة لتعلم بأنها بمكان أخر، لم ترى إلا وجه والدتها التي أقدمت عليها تضمها بلهفة وتمطرها بوابل من القبلات.

بينما علت أصوات الزغاريد وظلت تتردد صداها بالخارج، لا تعلم اين هي ؟ ولما تلك الأصوات التي تسمعها؟

خرج صوتها هزيلا:

-أمي ... أين خيمتي؟ 

صمتت قليلا تتذكر أخر شيء مر بمخيلتها قبل مرضها ذاك، و عادت تتساءل:

-ماذا حدث للغجر؟ عاد الترحال المرغومين عليه دائما، سنظل بلا أرض حتى الموت

تجمدت سماهر في مكانها وهتفت بعتاب:

-هان عليكِ فراقي يا ابنة سماهر؟ هان عليكِ روحك تتناولي السم لتنهي حياتك مِن أجل مَن؟ من أجل حب زائف مخادع؟! لا يوجد شخص على وجه الأرض يستحق الحب وأن تضحي بحياتك من أجله؟ من اللعين الذي جلب لكِ سم الأفعى؟

لم تفهم كل ما قالته والدتها داهمها صداع قوي يفتك برأسها ويتوغل إلى صدغيها، أختنقت أنفاسها في نوبة ربو 

استغاثت سماهر بالطبيب وأتى لفحصها وهو مبتسم بتماثلها الشفاء.

ركض زين إليها مشتاقًا لرؤية عسليتيها الجميلتين، حدق بها غير مصدق بأنها تنظر إليه مثلما هو ينظر إليها، تشعر بوجوده ترى ملامحه دنا منها يهمس بدفء:

-حمدًا لله على سلامتك يا نجمة

انتظمت أنفاسها بهدوء وجلست على الفراش قائلة بنبرة خافتة:

-لا علم كم استغرق فقداني للوعي ولم اتذكر إلا طردنا 

قالتها بصوت منكسر عندما تذكر أخر لقاء جمعها بسيف وتبادلهم النظرات .

عادت سماهر تساءلها: 

-من جلب لكِ سم الأفعى ؟ لما فكرتي في إزهاق روحك؟

جحظت عيناها بصدمة وهزت راسها نافية:

-لم افعل ذلك يا أمي، كل ما أتذكره أثناء مداهمة البدو لقبيلتنا دلفت الخيمة ابكي ونويت جمع أغراضي للرحيل، بعد لحظات أتى حمزه وجلب لي كوب ماء محلى بالعسل وتناولته من يده ولم اعي ما حدث بعد ذلك.

شهقت سماهر بصدمة :

-من الذي أعطى الصغير ذاك الكوب المسموم ؟ 

ثم اردفت قائلة بتوعد: 

-سأعلم من له يد فيما حدث لكِ ، ساجعله يُسقى من نفس الكأس.

ردد زين اسمها بهمس:

-قوت هي الفاعلة.

حينها تأكد من حديثها و استغلت الصغير لكي تتخلص من نجمة، أقسم داخله على تلقينها العقاب الذي يليق بعاهرة مثلها..

❈-❈-❈

بينما داخل خيمة سيف، كان يقف أمام المرآة، يرتدي ثوب زفافه بيد مرتعشة، وقلبه مثقل بالحزن والأسى. تتراءى له صور حبيبته الغائبة، فينقبض قلبه ألمًا، رغم التأم جراح جسده إلا أن قلبه لا زال يصرخ رافضا تلك الخطوة التي زج بها نفسه من أجل الحفاظ على أرث البادية من عادات وتقاليد.

دلف إليه شقيقه رماح يبارك فرحته وينثر العطر على جلبابه الابيض ويوصيه خيرا بابنة عمه.

ربت على كتفي سيف قائلا: 

-مبارك يا اخي 

هز رأسه دون أن يهمس بكلمة، أردف رماح حديثه بلين:

-انسى ما مضى وأبدء اليوم بداية جديدة مع ابنة عمك التي تصونك وتليق بفارس مثلك.

تنهد بحسرة وبتر تساءله عن التي سكنت قلبه:

-ما هو حال نجمة إلا زالت فاقدة الوعي؟

لوى ثغره بضجر وقال وهو يهز رأسه بأسى :

-علمت من الطبيب ماهر أنها استردت عافيتها 

لمعت عيناه فرحًا ، كاد أن يطير من سعادته ولكن غشاه أحساس الندم والوجع. يبدو أن  ليلة زفافه ستظل جرحًا نازفًا، يغزو قلبه إلى أن يسترد الله روحه.

القهر يجتاحه يشعره بالعجز ، يحاول أن يهرب من سجن العادات ولكنه مقيدًا بسلاسل الخوف من العار الذي سيلحق بقبيلته وشيخ القبائل جده أصدر قرارًا لم يعد فيه رجوع ، الموت أهون عليٌَ، لم يعد لديه قوة للوقوف أمام قبيلته بعدما جلبوا له الدجال وسيطرت عليهما أفعال السحر، لا يعترفون بالقلوب التي تخفق من أجل العشق الطاهر الذي لم يدنس بخيانه ، اليوم هو وصمه بالغدر وخيانه الوعود.

-احذر يا أخي كسر القلوب ، من الليلة ابنة عمك في أمانك وحمايتك فلا تكسر لها خاطر ولا تبكي لها عين.

زفر أنفاسه بضجر مكتوم كأنه أسد يزئر جوعًا ثم ضرب على صدره بقوة :

-وقلبي هذا كسره جدك ومن قبله العادات والتقاليد والمظاهر الخادعة لأجل أرضاء شيخ القبيلة 

زفرت دموعه التي حاول كبتها، فضمه شقيقه بشده وظل يربت على ظهره يهدئه فليس بعد قهر الرجال شيء يستدعي الكلام ، السكوت الأن أبلغ من أي حديث يقال .

❈-❈-❈

قصت عليها سماهر وجودهن بأرض البادية من أجل شفاءها، ولكنها أخفت زواج سيف لكي لا تحزنها، ولكن الافراح في البدو لا تستطيع اخفاءها بسبب الطبول التي تقرع والزغاريد التي يسمعون صداها كل لحظة، فقررت ترك قبيلتهم فهي لم تعد بحاجة إلى المكوث هنا.

وافقتها سماهر الرأى وأتى زين بجواده عازمين أمر الرحيل ليلا.

خشيت سماهر معرفة نجمة الحقيقة التي أخفتها عنها ولذلك عجلت في الابتعاد وهي تلوم نفسها على السر التي افشته.

الدموع تحجرت داخل مقلتيها ودت لو كانت صماء لكي لا تخترق أذنيها مزامير الزفاف وزغاريد النساء ، اليوم التي استردت فيه وعيها تصحى على خبر يحطم قلبها إلى أشلاء ، اليوم حبيبها يتزوج من أخرى ولم تعد تربطهما أي علاقة ثانية، عليها الفرار من هذا العذاب الذي يجلد ذاتها.

جاهدت في أخفاء دموعها وكظمت مشاعرها التي تعصف بكل كيانها أبت إلا تنهار، تحاول أن تظل قوية، شامخة كالشجرة العتية التي مهما عصفت بها الرياح لم تقدر على انتزاع جذورها .

❈-❈-❈

أختلت  أشجان بزوجها داخل خيمته، لم تتحمل السكوت فقررت مواجهته، لكي يتراجع عن أفعاله، اليوم كبرت ابنته وصارت عروس تزف لزوجها، عليه أن يحترم عمره الذي تجاوز الخمسون.

اقتحمت خلوته كالأعصار وهي تهتف بغضب:

- كفى أفعال الصبيان، أنت بعمر الخمسين  ولا زالت تركض وراء الغجريات، هل تقبل لابنتك أن تعيش وتعاني مثلما أنا عانيت طوال عمري معك 

اقترب منها بدفء فهي لم تخطو بقدميها خيمته منذ زمن بعيد :

-ماذا تقصدين يا ابنة العم؟ 

طالعته بغضب أكبر وبترت كلماتها بأشمزاز:

-عار عليك، أحترم شيبتك ، ستصبح جد بعد أشهر قليلة .

ابتسم على غيرتها التي تفضح ملامحها ودنا منها يرفع ذقنها وينظر داخل عينيها الجميلتين:

-هل تغارين عليَّ بعد تلك السنوات؟

أبعدت مقلتيها عن التطلع إليه وقالت بنبرة مهزوزة تداري بها شوقها، ثم هتفت بغرور أنثى:

-أغار عليك أنت؟ انت مخطأ كل ما في الأمر أن تنظر إلى ابنتك لا اريد لها أن تعيش التعاسة التي عاشتها امها قبلها.

-ما رايك أن تعود المياه إلى مجاريها 

هزت راسها وهتفت بعصبية:

-رأيت الغجرية تدلف خيمتك ليلا، لم تخشى من والدك ولا ابنتك إذا رأت والدها بهذا الوضع الدنيء 

همت بالمغادرة ولكن سبقها وقبض على كتفيها مانعها من الخروج وقال بصوت جاد دون أن يرتب كلماته:

-الغجرية هي نفسها النزوة التي مررت بها بالماضي.

تسمرت مكانها ونظرت إليه في ذهول :

-ولما عادت تلاحقك؟

-من أجل ابنتها ، تقول إن الفتاة هي ابنتي 

-ابنتك ! كيف ؟ .

قالتها وهي تتذكر الماضي بكل عثراته وجراحه التي لم تشفى منها حتى الأن. لكنه قطع تفكيرها بكلمة جعلت قلبها ينبض بصخب، يكاد يخرج من بين أضلعها.

-تقول أنها ابنتنا "ود"

❈-❈-❈

هرولت غائمة على وجهها، لم يستطيع إيقافها ولا اللحاق بها ، فقد كانت مثل الريح التي هبت على حين غرة، لم تسمع باذنيها إلا كلمة واحدة نطقت بها عندما ولجت الخيمة هاتفة بلهفة وهي تحدق بوجه نجمة.

-ود ...

رفعت كفيها تحتضن وجنتيها وهي ترنو نظرها داخل بركة عسلتيها التي تجذبها، ترى من داخلهما تلك الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز عمرها العام وأنهطلت دموعها كالشلال وهي تهبط بكفيها إلى ذراعيها تتحسس جسدها تحت نظرات نجمة الصادمة.

أما عن سماهر كأنها لدغها عقربًا انتفضت من وقفتها وتصلبت أمام اشجان تحول بينهما صارخة بإنفعال:

-حذراي الاقتراب من ابنتي، سوف نترك أرضكم الملعونة هذه ونرحل 

تجمهر البعض أمام الخيمة ثم اقترب الشيخ راجي قائلا بحزم: 

-ترحلين وحدك يا غجرية وأبنة البدو لن تبرح أرضها .

رفعت انظارها تصوبهما ناحية الشيخ راجي تردد بغضب:

-اتيت بابنتي ولا توجد قوة على ظهر الأرض تستطيع أبعادها عني.

رفع عمار كفه وكاد أن يلطم وجنتها ولكنها اكتظت على أسنانها ونفثت بوجهه لتهبط يداه جانبا، صارخا بألم قوي طاح بكفه.

ابتعدت نجمة من بين ذراعي أشجان وهي تدنو من والدتها بخوف : 

-أمي...

أنفطر قلب أشجان لسماعها تلك الكلمة وعادت تقترب منها بلهفة تمزق ثيابها من أعلى ليظهر جيدها البض الذي يزينه عنقود العنب الوردي ، تلك الشامة التي تميزت بها الصغيرة منذ ولادتها.

شهقت نجمة من تلك الفعله وضمت ثيابها لصدرها بخوف ولكن تأكد كل من بالخيمة بأنها ود الطفلة الصغيرة التي فقدوها منذ عشرون عاما ، وهوت أشجان على ركبتيها أمام نجمة باكية متشبثة بثوبها 

-أنتِ ود أبنتي أنا ..

❈-❈-❈

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بنت الغجر    الفصل السابع

    لم تستعب بعد ما يحدث معها، ابتعدت بصدمة وهي لا تجد إلا أحضان سماهر تطوقها وتشدد في ضمتها بقوة خوفا من سلبها منها، وظلت تصرخ وتتراجع للخلف وهي تشد بقبضتها على نجمة :-هي ابنتي وحدي ولن يأخذها أحد مني إلا بخروج روحي.تحولت ساحة الزفاف إلى ملحمة من العراك والصراخ وأصوات أستغاثة ، كأنه داخل ساحة الحرب.صوت تحطيب النبوة يتهاوى على الرؤوس بدلا من تحطيب العرُس، الدماء تتساقط والرجال تهوي بأجسادهم أرضا، فقد تجمهر الغجر عندما صرخت سماهر وأستدعتهم في لمح البصر، معركة لا تريد الخروج منها خاسرة حتى لو كلفتها حياتها.أرادت أشغال البدو عنها هي وابنتها لكي تفر من بينهما دون أن يدركونها، وأثناء الشجار تتسلل بين الخيام هاربة، استجمعت قوتها في السحر لتخفي العيون عنها ولكنها لا تعلم بأن يد القدر تسبقها وتريد أن تنهل منها. لتسقطت على وجهها تتاوة بأنين مكتوب والدماء تدفق من ظهرها لتكون بركة صغيرة مختلطة بالرمال.وتركت يد نجمة تتهاوى كالريح خاوية لتدرك حينها بأن والدتها جثة هامدة ويتبين الخنجر الذي غُرس بظهرها، هوت على ركبتيها تهزها بخوف وتناديها بحرقة قلب إلا تتركها فهي ضائعة بدونها انسل وقتها زين من بي

  • بنت الغجر    الفصل السادس

    "الفصل السادس"لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام.أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا.رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر.أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه.هتف بصوته الغليظ :-اريده عاري كما ولدته أمه.تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه

  • بنت الغجر    الفصل الخامس

    "الفصل الخامس"بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتحاكي عن علاقة ابن البادية بفتاة من الغجر.وقع ورقة زواجه وكأنه يوقع شهادة وفاته ، تحجرت الدموع داخل مقلتيه وارتجفت يداه قبل أن يخطى أسمه ويكتب رحيله عن الدنيا بأسرها.تحطمت أحلامه وأماله التي بناها مع حبيبته ، قلبه يعتصر ألما من الداخل وأختنقت أنفاسه داخل صدره كأنه يحتضر وينازع الموت بعد أن تحرك القلم ببطء موقعًا نهاية قصته مع نجمته، حدأ مؤلمًا لتلك العلاقة التي حُكم عليها بالأعدام ، تحطيم قلبين من أجل مظاهر خادعة وأحكام غير أدمية بحجة العادات والتقاليد والأعراف التي يكرهها ونافر منها ، تمنى داخله لو كانت تلك الأعراف والقوانين رجلا لقتله وتحرر من تلك القيود ..على عكس أحساس غفران التي كانت ترقص فرحًا ونساء العائلة محاوطينها بالزغاريد والمباركات.توردت ملامحها كشروق الشمس في سماء صافية ، مشعة

  • بنت الغجر    الفصل الرابع

    "الفصل الرابع"أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى العودة صغيرًا لكي يحظى دائما بقربها، وقف عند شطيرة المرآة المعلقة بخيمته، أزاح فتحته صدر الجلباب الذي كان يرتديه، ليكشف عن صدره العاري وجود وشمًا بارزًا، لملامح نجمة، تلك الفتاة التي عشقها بكل كيانه.تحسس زين الوشم برقة، بأصابعه التي تلامس بشرته، كأنه يلامس بشرتها هي، محفورة في قلبه، تسكن جسده كما تسكن قلبه فهي جزءًا من روحه . همس بصوت مليء بالعاطفة كأنه يحدثها:- ستظلين في قلبي، في روحي، سجينة قلبي... سجينة عشقي... لن أخرجكِ منه أبدًا.. ❈-❈-❈تعرق جبينها وتقاطرت منه حبات العرق البارد، كم جف حلقها وانتشر الخدر في جسدها، لم تعد قادرة على تحريكه، حاولت الصراخ ومناداة والدتها ولكن شُل لسانها تماما، رجفة قوية صارت بأوصالها، أغمضت عينيها في أستسلام تام.في ذلك الوقت بعد أن طهرت جراح زوجها، ترك

  • بنت الغجر    الفصل الثالث

    "الفصل الثالث"داخل خيام الغجر، كانت تتقاذف الأقاويل عن علاقة خفية قامت بين "نجمة" و"زين" ولكنها مكيدة مُدبرة من شخص يبغضها.كانت عائدة من مقابلة "سيف" بقلب منتشي بالعشق، وتصدق وعوده ، لكنها قبل أن تقترب عند قبيلة الغجر، أدركت وقتها عندما أعترف صديق طفولتها وصباها بعشقه وهو لم يعي بذلك، فقد كان في حالة إعياء شديدة.تسمرت مكانها تتخبط في حيرتها، قلبها يود الأطمئنان عليه، ولكنها خائفة من زيادة تعلقه بها ، فهي تعلم أن العشق لعنة أذا أصابت قلب فلن تتركه إلا على فراش الموت.تنهدت بضيق وحسمت أمرها، ستتعامل وكأنها لم تسمع بشيء وتحاول الأبتعاد عنه رويداً رويداً.كلما اقتربت بخطواتها، كانت تسمع همهمات وصراخًا وحشدًا متجمّعًا، دون أن تفهم ما الذي يحدث. لكن صوت والدتها العالي اخترق الضوضاء، وهي تلطم فتاة من القبيلة وتعنفها:-إياكِ أن تنطقي باسم ابنتي في خطيئة لم ترتكبها إلا أمثالك. أنسيتِ نفسكِ يا راقصة الغجر؟رفعت كفها تتحسس خدها بنظرات تقتد غضبًا ثم هتفت وهي تكتظ على أسنانها:-الجميع على علم بما أفعله، ولكن أبنتك المصون تتودد لشباب القبيلة سرًا، ترتدي ثوب العفاف والطهارة كما لو كانت لم تنتمي

  • بنت الغجر    الفصل الثاني

    "الفصل الثاني "–خيام الغجر–أشعلت "سماهر" النيران خارج الخيمة، وجلست بالقرب منها وهي تنظر للسماء تحدق بالنجوم التي بدأت تتناثر في السماء، كأنها تنتظر طقوس معينة لكي تفعلها، طوق الظلام كبد السماء وتلألأت النجمات والنيران تتوهج وأتت اللحظة المنتظرة، لكي تغربل النجمات وتهمس بصوت لم يسمعه غيرها، كأنها تلقى تعويذة من داخل بئر غائر، مرت بها ذكريات كثيرة قبل أن تنهي طقوسها، وعندما أستفاقت ، أخمدت النيران ثم استقامت ناهضة، لتجد "مرجان" أمامها هتف بغل:-اليوم سيتحول زفافهم إلى عزاء-لن تفعلها، حذاري وأن تفعل شيئاً دون علمي يا مرجانارتفع صوته بغضب قائلا:-هل نسيتي الماضي؟ قاطعته بحدة وهي تضغط على أسنانها:-جعلتهم يبكون طوال حياتهم وكان الثمن غاليا، أنسيت ؟!-ولكن لن يشفي مرارة ما عشناه في الترحال، كيف حكموا علينا بالتشتت؟اتت نجمة تركض على صوت شجار والديها، وقفت بجوار والدتها تتساءل بقلق:-ما الأمر؟ لما هذا الصراخ؟ هل أنتِ بخير ؟هزت راسها بالايجاب ولكن اعترض والدها بسخريته التي اعتادت عليها: -لا تخافي على سماهر يا ابنة سماهر .-اغرب عن وجهي يا مرجان.نطقت بها سماهر في ثورة غاضبة وهي تطوق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status