ログイン"الفصل الخامس"
بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .
وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتحاكي عن علاقة ابن البادية بفتاة من الغجر.وقع ورقة زواجه وكأنه يوقع شهادة وفاته ، تحجرت الدموع داخل مقلتيه وارتجفت يداه قبل أن يخطى أسمه ويكتب رحيله عن الدنيا بأسرها.
تحطمت أحلامه وأماله التي بناها مع حبيبته ، قلبه يعتصر ألما من الداخل وأختنقت أنفاسه داخل صدره كأنه يحتضر وينازع الموت بعد أن تحرك القلم ببطء موقعًا نهاية قصته مع نجمته، حدأ مؤلمًا لتلك العلاقة التي حُكم عليها بالأعدام ، تحطيم قلبين من أجل مظاهر خادعة وأحكام غير أدمية بحجة العادات والتقاليد والأعراف التي يكرهها ونافر منها ، تمنى داخله لو كانت تلك الأعراف والقوانين رجلا لقتله وتحرر من تلك القيود ..على عكس أحساس غفران التي كانت ترقص فرحًا ونساء العائلة محاوطينها بالزغاريد والمباركات.
توردت ملامحها كشروق الشمس في سماء صافية ، مشعة ببهجة السعادة، قلبها ينبض بالحب والامتنان وعينيها تلمعان ،تفيضان بدموع الفرح ، كل تفصيلة تعكس عن مدى فرحتها ، تتزين كالوردة المتفتحة في فصل الربيع ، كأنها ملكت العالم بأسره ،شعورها بالفوز بحب عمرها ونصفها الأخر التي أصبحت جزءا منه الأن ، جعلها تحس أنها أجمل نساء الدنيا وأكثرهن حظًا ولن تتلفت للخلف كأنها ولدت اليوم ولن تدع الاحزان أن تتغلب عليها ، يكفي أن تكون زوجة "سيف" إبن عمها وحبيب عمرها .❈-❈-❈
بكت سماهر وهي تجفف حبات العرق عن جبين "نجمة" التي لم تعي بما يدور حولها ، كأنها بعالم أخر لا يمس لأرض الواقع بشئ. همست بجانب اذنها وهي تربت على وجنتها برفق: -حاولت منع تلك الزيجة الملعونة ولكن راجي قلبه كالصخر، حتى بعد ما أخبرته بالسر المدفون لم يتزحزح عن قراره بل عجل بالزواج. تنهدت بحزن وعادت تردد : -لا يكسر سماهر إلا أنتِ، ولا تنهمر دموعها إلا لأجلك أنتِ يا صغيرتي... هيا انهضي من أجل والدتك.. أفتحي عينيكي وسأريهم من هي قارئة الودع انهت كلماتها بوعيد عن ما تنوي فعله ستعلن الحرب على القبيلة.. قطع حديثها مع ابنتها قدوم زين الذي هتف مناديا إليها قبل أن يولج الخيمة ، يريد الأطمئنان على نجمة. -كيف حالتها يا خالة؟ نظرت إليه بألم وخرج صوتها مبحوحًا اثر صراخها وبكاءها التي لم تكف عنه: -راقدة لا حول لها ولا قوة. أحس بوغزة تخترق قلبه كأنها خنجرا مسموماً غرز بقوة لينقسم إلى أشلاء متبعثرة. لم يلتأم فتات قلبه إلا بتعافي طفلته التي كبرت على يده ورؤية بريق عينيها التي تعطيه الأمل. ❈-❈-❈ جلس سيف داخل خيمته كأنه سجين حُكم عليه بالمؤبد، مقيد بأحكام وأعراف جده ، كأنه محاط بالنيران من كل جانب، تود ألتهام جسده وهو ساكنًا كالأسد الجريح الذي ينزف بصمت قاتل يكاد أن يزهق بروحه، حتى الصرخة أبت الخروج من حنجرته كأنها تعانده، مطوقًا بأغلال من حديد لم يعد.قادرًا على الحراك ، كتمثال شمع غادرته الروح وظل متحجرًا مكانه رغم عجزه عن أتخاذ قراره إلا أنه يشعر بخناجر متفرقة في أنحاء جسده تؤلمه ولكن خُرس صوته تمامًا كأن جده بتر لسانه وأصبح أصم .أما عن "غفران" وقفت تحضر الطعام وهي في أبهة صورتها، تتحلى بالحلي الذي يغطي عنقها وجيدها، مرتديه ثوب زهري مزركش بألوان زاهية متداخلة وعلى رأسها وشاحًا أسودًا به خيوط متشابكة باللون الاحمر.
من عادتهم بعد عقد القران يتناولان الطعام معًا في جلسة خاصة والعروس هي التي تطهي بنفسها، لذلك كانت تغمرها السعادة وهي تعد الأكلة المفضلة لزوجها، وعند أنتهاءها تقدمها وتنتظر رأيه في طهيها وإذا أعجبه الطعم يعطيها ما داخل جيبه من مال ثم يقبلها بين عينيها .كانت متحمسة وهي تزين صينية الطعام بعد أن أنتهى من نضجه، فرشتها بالارز الأصفر المبهر بالكثير من التوابل ثم وضعت لحم الضان والقليل من الرائب ونثرت بعض حبات اللوز وحملت الصينيه متوجهة إلى خيمة "سيف"
تنحنحت بصوت رقيق ثم دلفت الخيمة وظلت متسمرة مكانها فلم يشعر الاخر بوجودها، وهي لا زالت تنتظر أن يحمل عنها الصينية ويضعها ولكنه متغافلا عن وجودها من الأساسغصة في حلقها وهي متشبثة تطالعه بألم كادت أن تنهمر دموعها وعادت تهمس بأسمه:
-سيف.. لكنه بعالم أخر كررت المناداة لأكثر من مرة وبصوت حاد تلك المرات ، غاضبة من تجاهله. فاق من شروده وألتفت إليها متنهدًا بعمق ثم اقترب منها ومد يديه يحمل عنها الطعام ووضعه بلا مبالاة. حتى أنه لم يشكرها ولم يبتسم في وجهها ولم يدعوها للجلوس بجواره ، كأنه روبوت يؤدي مهامه برتونية. تأففت بضجر وحاولت كبت دموعها من الانسياب وقالت بنبرة غاضبة: -تناول الطعام وأخبرني عن رأيك. كأنه ينفذ أوامرًا فقط، غرز كفه بالأرز وقطع بأنامله قطعة لحم مغمسة بالرائب وتناولها دون شهية وظل دقائق يلوك اللحم في فمه وهي تنظر له متلهفة لمعرفة رأيه. ألتقت أعينهما لتبتسم هي وتبرز غمزاتها أما ملامحه ظلت جامدة، ثم دس كفه هذه المرة داخل جيب جلبابه وأخرج حافظة نقوده وأعطاها المال بملامح باردة خالية من الحياة . كادت دموعها تنذرف، للمرة المئة قلبها يتحطم وظلت تنظر ليده الممدودة لها بالنقود دون أن ترفع يدها هي الأخرى وتلتقطهما، حافظت على ما تبقى من كرامتها وأعطته ظهرها ثم رحلت بهدوء كأنها تجر قدميها جرا لكي تبتعد عن تلك الخيمة الخانقة بمشاعرها كأنثى ودت أن تقابل حبها برضا، تمنت أن تحصل على القليل من محبته فهي ترضي بالقليل لا تريد الكثير. فرت هاربة تحتمي بأحضان والدتها التي التقفتها بحب وظلت تمسد على ظهرها برفق تواسي وجع ابنتها قائلة : -لا تحزني حبيبتي ، جدك يقول هو مغيب بفعل السحر ، والدكِ سيأتي بشخص يفهم في الاسحار ويعالج سيف من هذا السحر اللعين الذي تمكن منه. صرخت بحزن : -لما أنا دون عن فتيات القبيلة ليكون حظي هكذا عسير ربتت على وجنتيها برفق وقالت بهدوء وهي تنظر داخل عينيها: -لا تيأسي من روح الله يا ابنتي، لا تفقدي الثقة بالله فهو القادر على إزالة الكربة وتفريج الهم، فقط ادعي الله سيستجيب لدعاءكِ ولا تحزني. لم تتحمل كلمات والدتها وركضت مبتعدة عنها، ساقتها خطواتها إلى خيمة الفتاة، أرادت أن تنظر إليها ، أن ترى ملامحها ، أن تتساءل ما المميز ليجعل قلب سيف معلقًا بها؟ اقتحمت الخيمة دون استأذان وقفت بجمود بالقرب من فراشها ترمقها بغيظ وهي تكتظ على أسنانها نهضت سماهر توبخها على دخولها المفاجئ: -لما اتيتي؟ لم نأذن لكِ بالدخول ؟ -من انتم لأخذ الاذن في دخول خيمتنا ، أنتم في أملاك البدو ولست في حوش الغجر يا عاهرة أمسكتها سماهر من عنقها بغضب جامح كادت أن تختنق غفران أثر قبضتها القوية ولكن الأخيرة لم تزحزح قبضتها عن عنق غفران : -لست عاهرة يا حمقاء، وسأجعلك تدفعي ثمن تلك الكلمة وثمن النظرة التي تنظرينها إلى ابنتي ثم حررتها من قبضتها لتسعل غفران وتحاول استرداد انفاسها اللاهثة، دفعتها سماهر خارج الخيمة بقوة تلتقطها يد والدتها قبل أن يرتطم جسدها بالرمال. اعتدلت غفران وتقدمت والدتها في مقابلة سماهر قائلة بضجر: -منذ قدومكم وأحوالنا تبدلت، خذي ابنتكي وابتعدي ، لم يأتي منكما إلا الشر . لوت سماهر ثغرها وقالت بجدية: -لو رحلنا سيظل قلبك منفطر على ضياع الماضي همست مرددة: -ضياع الماضي ... ماذا تعرفي أنتِ عن الماضي ؟ دنت منها تهمس بجوار أذنها بصوت خافت: -أعرف أكثر مما تتوقعين يا أم البنات. سحبتها غفران مبتعدين عن العرافة وهي تهتف بعيظ: -غجرية ملعونة، يجب طردها من قبيلتنا وإلا ستشعل النيران من جديد رددت والدتها دون وعي: -ماذا تقصد بأم البنات ؟ وماذا تقصد بضياع الماضي ؟ هل تعرف شيء عن ما جرا بالماضي؟ أنفعلت على والدتها صارخة بوجهها تعنفها كما لو كانت هي والدتها وليست ابنتها: -أنا ابنتكِ، وحيدتكِ، فكري في زواجي وزوجي الذي يضيع من بين يدي، حياتي تنهدم أمام عينيكي وأنت لا زلتِ متعلقة بالماضي .❈-❈-❈
لم يتحمل زين وجوده بأرض البادية ، لا أحد يتعامل معه يشعر أنه منبوذ، لا يطيقون وجوده وهو مرغما على ذلك من أجل نجمة، لا يريد منهما شيئًا إلا أن تسترد عافيتها ويتركون تلك الأرض .
أختلى بنفسه بعيدًا وهو يحمل الربابة، ظل يحدق بها ثواني، يتحسسها بأطراف أصابعه قبل أن يقربها من فمه ويطلق لحنه الحزين . لحنا عزفه على أوتار قلبه المكلوم، كأن العزف خرجا صارخًا معبرًا عن مدا حزنه وفقده لنجمته التي نمت على يده، يقطر قلبه دما على حالتها تلك، احتاجته حالة من الشجون وأنسابت دموعه بغزارة حتى أن الرؤية أصبحت مشوشة ولكن استمع لصوت خطوات تقترب ، كفكف دموعه لكي لا يراها أحد. عندما اقترب منه صاحب الخطوات غيم الظل على ملامحه ورفع أنظاره ببطء يتفقد صاحب الهوية الذي صُلب بجسده أمامه، ليتمكن من رؤيته ولكن عاد يزفر أنفاسه بضيق ويكمل عزفه كأنه وحده بالمكان وهذه رسالة صريحة بالسكوت وهذا الوجه غير محبب بالنسبة إليه.... جلست ملتصقة به لكنه انتفض غاضبًا ونهض واقفًا يهتف بحدة: -ماذا تريدين مني يا قوت؟ لما تلاحقيني إلى هنا ؟ رفعت كفيها تحاصره وتحاوطه من الابتعاد عنها، ولفحت وجهه بأنفاسها الملتهبة بعشقه هامسة بغزل جرئ: -أريد قربك ولا أحد من الغجر يملىء قلبي وعقلي وروحي إلا أنت يا زين... لا اتمنى شابًا غيرك ولم أتذوق طعم السعادة إلا وأنا قربك... لما تبني جدرًا بيننا ونحن أبناء الغجر ، ولدنا غجريين وسنظل هكذا . نزع يديها المتشابكه بعنقه وأجابها بجدية: -ولكن قلبي وجسدي ليس ملكي قاطعته بغضب جامح: -نجمة... ستظل عبدًا لنجمة، حتى وهي على فراش الموت، لن تنجو وستظل وحيدًا وحينها لم تجد إلا حضن قوت التي لا ترى رجلا غيرك رغم عشرات الرجال اللذين يقبلون قدماي ليلا ونهارا -نجمة لن تموت ستظل معي قالها بتمني رغم مرارة الحقيقة. ضحكت باستهزاء مبطن: -أشفق عليك من القادم، سم الأفاعي تمكن من جسدها وستدفنها بيدك لكي تتأكد أنها النهاية بترت كلماتها الأخيرة ثم سارت مبتعدة عائدة إلى خيام الغجر أما هو فظل مكانه جاحظ العينين يحدق في طيفها الذي يتلاشى رويدا رويدا ونبضات قلبه تقرع كطبول حرب داخل صدره في خوف ورهبة يخاف فقدان صغيرته.❈-❈-❈
زحف الليل بعباءته السوداء وغط الجميع في نوم متقلب، بعضهم نام قرير العينين والبعض الآخر جافا النوم أعينهم، مترقبين كالذئاب لم يغمض لهما جفن وهكذا حال الساهرين، الخائفين ، العاشقين المتفرقين. تلحفت سماهر بالسواد ثم سارت على أطراف أصابعها قاصدة خيمة ما. دلفت دون أن تصدر همس، دنت من الفراش تهز النائم بثبات توقظه بنكزة قوية فتح عيناه بفزع لتتسع أكثر من رؤيته لوجه العرافة"سماهر" -كيف تستطيع أن تغمض عيناك بعد كل ما عرفته؟ كيف هانت عليك ابنتك أن تتركها هكذا جثة هامدة الموت يتوغل بجسدها؟ لما أسرعتم بزفاف "سيف" هيا انهض وأنظر في عيني، لم أعد تلك الفتاة المسكينة التي قضيتم عليها أنت وعائلتك منذ زمن بعيد. اليوم أنا العرافة التي ستدفن كل عاداتكم المزيفة في الرمال، عار عليك. بصقت بوجهه وعيناها تقتد غضبًا ، ثم التفتت مبتعدة عنه، تاركة إياه ينظر لظهرها بصدمة، لم يستعب ما قالته. عادت خيمتها بخطوات واسعة ، وقفت تطالع جسد ابنتها الساجي بلا حراك ، هذه الملامح التي تسربت منها زهو الحياة وبريقها ، كفيلة أن تجعلها جمرة مشتعلة تريد التهام القبيلة بأكملها، و لم يهدأ لها بال إلا بتشتيت جمعهم، ستقوم الحرب على البادية، هكذا أقسمت بفضحهم. ❈-❈-❈أما عن والدة غفران لم تنم طوال الليل بعد ما سمعته من عرافة الغجر ، شردت بذهنها إلى أعوام مضت، حيث كانت في ريعان شبابها، متزوجة من الابن الأكبر لشيخ القبيلة وانجبت منه طفلتين الكبرى "غفران"والصغرى "ود"
ذاك الحين كانت غفران في عامها الثالث ، مريضة وظلت هي جالسة بجوارها تخفض حرارتها، أما عن "ود"تركتها برفقة والدها وجدها داخل مجلس الشيوخ. كانت زهرة العائلة الجميع يحبونها فهي أصغر فرد من عائلة الشيخ راجي، وقتها والرجال مشغولون بالأحاديث ،تركت الصغيرة جلستها ونهضت من حجر جدها تركض خلف الفراشات وهي تضحك وتمد كفيها الصغيرين تحاول الامساك بتلك الفراشات الملونة، ابتعدت كثيرًا عن القبيلة ووجدت نفسها وحيدة، بدأت في نوبة بكاء،خائفة ،مذعورة فقد جنى عليها الليل ولم تعد إلى قبيلتها منذ ذلك اليوم، حينها فقدت العائلة ابنتهما الصغرى. اقامت أشجان النحيب والعويل على فراق ابنتها، بعد ليالي من البحث داخل الصحراء ولم تظهر "ود" ظنوا بأنها في تعداد الأموات وأن الذئاب أكلتها ومن يومها هذا والحسرة تنهش قلب والدتها .. أنسابت دموعها بقهر وهي تتذكر اليوم المشئوم الذي خسرت فيه ابنتها للأبد ، لكنها لا زالت تتسأل داخلها، من أين علمت العرافة بأنها أم البنات وهي لم تنجب سوا الطفلتين ، كما أنها تتكلم عن الماضي وكأنها عاشته. ظلت تتقلب في فراشها كأنها تنام على جمر مشتعل، حسمت أمرها بعد أن تأكدت من نوم غفران فهي تشاركها الخيمة منذ طفولتها لأنها على خلاف قوي بزوجها، هو ينام بخيمة أخرى فهي ابنة عمه التي تحملت الكثير ولا تريد لابنتها أن تعيش كل ما عاشته هي من قبل، ولكن ليس بيدها منع تلك الزيجة وابنتها متيمة بحب سيف وقد انعقد القرآن وانتهى الأمر. ودت لو ذهبت إلى سيف لكي تتحدث معه لكي لا يجرح قلب ابنتها مثلما فعل عمه معها سابقًا. عزمت على الحديث معه الليلة وغادرت خيمتها لكي تصعق وكأن ماس كهربائي أصاب جسدها لتتصلب مكانها بعدما رأت العرافة تدلف لخيمة زوجها، تراجعت بخطواتها المنكسرة ثانياً وحاولت إرغام نفسها على النوم لكي ينتهي ذاك الكابوس الذي يورق حياتها ..."الفصل السادس"لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام.أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا.رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر.أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه.هتف بصوته الغليظ :-اريده عاري كما ولدته أمه.تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه
"الفصل الخامس"بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتحاكي عن علاقة ابن البادية بفتاة من الغجر.وقع ورقة زواجه وكأنه يوقع شهادة وفاته ، تحجرت الدموع داخل مقلتيه وارتجفت يداه قبل أن يخطى أسمه ويكتب رحيله عن الدنيا بأسرها.تحطمت أحلامه وأماله التي بناها مع حبيبته ، قلبه يعتصر ألما من الداخل وأختنقت أنفاسه داخل صدره كأنه يحتضر وينازع الموت بعد أن تحرك القلم ببطء موقعًا نهاية قصته مع نجمته، حدأ مؤلمًا لتلك العلاقة التي حُكم عليها بالأعدام ، تحطيم قلبين من أجل مظاهر خادعة وأحكام غير أدمية بحجة العادات والتقاليد والأعراف التي يكرهها ونافر منها ، تمنى داخله لو كانت تلك الأعراف والقوانين رجلا لقتله وتحرر من تلك القيود ..على عكس أحساس غفران التي كانت ترقص فرحًا ونساء العائلة محاوطينها بالزغاريد والمباركات.توردت ملامحها كشروق الشمس في سماء صافية ، مشعة
"الفصل الرابع"أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى العودة صغيرًا لكي يحظى دائما بقربها، وقف عند شطيرة المرآة المعلقة بخيمته، أزاح فتحته صدر الجلباب الذي كان يرتديه، ليكشف عن صدره العاري وجود وشمًا بارزًا، لملامح نجمة، تلك الفتاة التي عشقها بكل كيانه.تحسس زين الوشم برقة، بأصابعه التي تلامس بشرته، كأنه يلامس بشرتها هي، محفورة في قلبه، تسكن جسده كما تسكن قلبه فهي جزءًا من روحه . همس بصوت مليء بالعاطفة كأنه يحدثها:- ستظلين في قلبي، في روحي، سجينة قلبي... سجينة عشقي... لن أخرجكِ منه أبدًا.. ❈-❈-❈تعرق جبينها وتقاطرت منه حبات العرق البارد، كم جف حلقها وانتشر الخدر في جسدها، لم تعد قادرة على تحريكه، حاولت الصراخ ومناداة والدتها ولكن شُل لسانها تماما، رجفة قوية صارت بأوصالها، أغمضت عينيها في أستسلام تام.في ذلك الوقت بعد أن طهرت جراح زوجها، ترك
"الفصل الثالث"داخل خيام الغجر، كانت تتقاذف الأقاويل عن علاقة خفية قامت بين "نجمة" و"زين" ولكنها مكيدة مُدبرة من شخص يبغضها.كانت عائدة من مقابلة "سيف" بقلب منتشي بالعشق، وتصدق وعوده ، لكنها قبل أن تقترب عند قبيلة الغجر، أدركت وقتها عندما أعترف صديق طفولتها وصباها بعشقه وهو لم يعي بذلك، فقد كان في حالة إعياء شديدة.تسمرت مكانها تتخبط في حيرتها، قلبها يود الأطمئنان عليه، ولكنها خائفة من زيادة تعلقه بها ، فهي تعلم أن العشق لعنة أذا أصابت قلب فلن تتركه إلا على فراش الموت.تنهدت بضيق وحسمت أمرها، ستتعامل وكأنها لم تسمع بشيء وتحاول الأبتعاد عنه رويداً رويداً.كلما اقتربت بخطواتها، كانت تسمع همهمات وصراخًا وحشدًا متجمّعًا، دون أن تفهم ما الذي يحدث. لكن صوت والدتها العالي اخترق الضوضاء، وهي تلطم فتاة من القبيلة وتعنفها:-إياكِ أن تنطقي باسم ابنتي في خطيئة لم ترتكبها إلا أمثالك. أنسيتِ نفسكِ يا راقصة الغجر؟رفعت كفها تتحسس خدها بنظرات تقتد غضبًا ثم هتفت وهي تكتظ على أسنانها:-الجميع على علم بما أفعله، ولكن أبنتك المصون تتودد لشباب القبيلة سرًا، ترتدي ثوب العفاف والطهارة كما لو كانت لم تنتمي
"الفصل الثاني "–خيام الغجر–أشعلت "سماهر" النيران خارج الخيمة، وجلست بالقرب منها وهي تنظر للسماء تحدق بالنجوم التي بدأت تتناثر في السماء، كأنها تنتظر طقوس معينة لكي تفعلها، طوق الظلام كبد السماء وتلألأت النجمات والنيران تتوهج وأتت اللحظة المنتظرة، لكي تغربل النجمات وتهمس بصوت لم يسمعه غيرها، كأنها تلقى تعويذة من داخل بئر غائر، مرت بها ذكريات كثيرة قبل أن تنهي طقوسها، وعندما أستفاقت ، أخمدت النيران ثم استقامت ناهضة، لتجد "مرجان" أمامها هتف بغل:-اليوم سيتحول زفافهم إلى عزاء-لن تفعلها، حذاري وأن تفعل شيئاً دون علمي يا مرجانارتفع صوته بغضب قائلا:-هل نسيتي الماضي؟ قاطعته بحدة وهي تضغط على أسنانها:-جعلتهم يبكون طوال حياتهم وكان الثمن غاليا، أنسيت ؟!-ولكن لن يشفي مرارة ما عشناه في الترحال، كيف حكموا علينا بالتشتت؟اتت نجمة تركض على صوت شجار والديها، وقفت بجوار والدتها تتساءل بقلق:-ما الأمر؟ لما هذا الصراخ؟ هل أنتِ بخير ؟هزت راسها بالايجاب ولكن اعترض والدها بسخريته التي اعتادت عليها: -لا تخافي على سماهر يا ابنة سماهر .-اغرب عن وجهي يا مرجان.نطقت بها سماهر في ثورة غاضبة وهي تطوق
"الفصل الأول"وسط غسق الليل،حين يسكن كل شيء إلا الوجع، وقفت بمنتصف الصحراء قابضة على الزجاج المشطور، حطمته لاشلاء عند الصخرة، ثم نثرته بالهواء كحبات رمال، اعتلته بقدميها العاريتان، إلا من خلخالٍ صغير يرنّ كأنّه نبض قلبها الأخير. كل خطوة تخطوها كانت الشظايا تغرز أنيابها في قدميها، وكل حركة كانت نزيفًا في الروح. رقصت كطائر مذبوح، لا يشعر بالألم في الجسد، لأن الألم الحقيقي يسكن في مكان أعمق... في القلب الذي لم يعد يعرف كيف يحب، في الروح التي تعبت من الطواف بين الخيبات.شعرها يتطاير كلهيبٍ حرّ، وعيناها شاردتان، تتلألا الدموع بمحجرتيهما، رافضة التحرر. كل شرارة ألم كانت تضيء جزءًا من تلك الطفلة التي كبرت قبل أوانها، وتعلّمت أن الرقص أحيانًا يكون وسيلة للبقاء، لا للعرض فقط.رنة الخلخال ، والدماء تسيل، وحركاتها تزداد هوسًا على إيقاع تكسير روحها، ونزيف قدميها. لا أحد يصفّق،لكنهم حاضرين، شاهدين على صوت حِطامها، متفرجين على وجعًا لا يُحتمل. إلى أن سقطت على ركبتيها، لا من ضعف، بل من ثقل الخيانة التي ذبحتها بسكينٍ بارد، والرمال احتضنتها، تواسي وجعها، فقد كانت مترقبة لحظة سقوطها.ثواني معدودات ولم







