Masukاستيقظت رهف في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا.
لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيها مجددًا، محاولة الهروب ولو لدقائق قليلة. لكنها كانت تعلم جيدًا أنه لا مهرب. جلست أخيرًا، وسحبت الغطاء عنها، ثم مررت يدها على وجهها بتعب. لم تكن المشكلة في الذهاب إلى مناسبة اجتماعية… بل في ما قد يحدث هناك. فهي لم تذهب قط إلى حفل مع والدها، وكان مجرد حفلًا عاديًا. هو دائمًا ما يحب استغلالها في الوصول لمصالح ومكاسب لا تعلمها هي. لكن كل ما تعلمه أنها لا تنتمي لهذا المجتمع، ولا هؤلاء الأشخاص يشبهونها. طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها. "ادخلي." دخلت الخادمة بهدوء، تحمل بين يديها صندوقًا أنيقًا، مغلفًا بعناية. "آنسة رهف، السيد مدحت أرسل هذا." لم تحتج رهف أن تسأل. نظرت إلى الصندوق للحظات دون أن تتحرك، وكأنها تحاول أن تؤجل اللحظة. "ضعيه هناك." قالتها بصوت خافت. وضعت الخادمة الصندوق على الطاولة وغادرت، تاركة خلفها صمتًا أثقل من السابق. بقيت رهف مكانها، تنظر إليه. تعرف ما بداخله. تعرف ما يُراد منها. وأكثر من ذلك… تعرف أنها لا تمتلك فرصة للرفض. تقدمت ببطء، وكأن كل خطوة نحو الصندوق تزيد من ثقل في صدرها. جلست أمامه، ثم فتحته أخيرًا. وتوقفت. كان الفستان… كما توقعت تمامًا. قصير. ضيّق. ملفت للنظر بطريقة فاضحة بالنسبة لها. ليس فقط لا يشبهها… بل يناقضها. مررت أصابعها على القماش الناعم، لكن الشعور الذي انتقل إليها لم يكن راحة، بل اختناق. "لماذا…؟" همست لنفسها. كانت تعرف الإجابة. مدحت لا يختار شيئًا عبثًا. كل تفصيلة… محسوبة. هذا الفستان لم يُختر ليُعجبها، بل ليُظهرها. ليجعلها واجهة. ابتسمت بسخرية خفيفة، لكنها سرعان ما اختفت. أغلقت الصندوق للحظة، وكأنها تفكر في التمرد. في أن ترفض. في أن تقول "لا" هذه المرة. لكن صورة واحدة مرت في ذهنها… عقابه. نظراته. طريقته في كسرها دون أن يرفع صوته. فتحت الصندوق مجددًا. "حسنًا…" قالتها بصوت بالكاد يُسمع، "سأفعل كما تريد." ...... حلّ المساء. والوقت لم يكن في صالحها. وقفت أمام المرآة بعد أن ارتدت الفستان. لثوانٍ، لم تتعرف على نفسها. كانت جميلة بشكل لافت. لكن تلك لم تكن المشكلة. المشكلة أنها شعرت وكأنها تنظر إلى شخص آخر. شخص لا تريد أن تكونه. شدّت الفستان قليلًا من الأسفل، محاولة عبثية لإطالته، لكنها توقفت سريعًا. "لا فائدة." أخذت نفسًا عميقًا، ثم أغلقت عينيها. "آمل فقط أن تمر هذه الليلة بسلام." ...... نزلت إلى الطابق السفلي. قلبها يخفق ببطء، لكن بثقل. وما إن وصلت—— حتى شعرت بنظرة ثابتة عليها. رفعت رأسها. كان جاسر. يقف بجانب الباب، مستعدًا. لكن هذه المرة، لم يكن كما في كل مرة. توقفت خطواته للحظة عندما رآها. لم يكن يتوقع ذلك. كانت مختلفة تمامًا. الفستان أبرز ملامحها بطريقة جعلت حضورها قويًا ولافتًا ولا يمكن تجاهله. لكن شعوره لم يكن بسيطًا. لم يكن إعجابًا فقط، بل واشمئزازًا أيضًا. فبالأمس كانت ترفض الذهاب للحفل، وها هي الآن ترتدي مثل هذا الفستان الذي يظهر أكثر مما يخفي. فسخر بداخله: "ترفض الحفل… ثم تأتي هكذا؟" تسلل إليه شعور غير مريح. شيء بين الحكم والرفض. فأشاح بنظره سريعًا، وكأنه لا يريد أن يُظهر ما يفكر فيه. أما رهف… فلم تكن في حالة تسمح لها بملاحظة أي شيء. ...... ركبوا السيارة. جلس مدحت في الخلف بجانب رهف، بينما جلس جاسر خلف المقود. انطلقت السيارة. الصمت كان ثقيلًا. كانت رهف تنظر من النافذة، تراقب الأضواء، لكن عقلها لم يكن هنا. أما جاسر—— فكان يراقب الطريق ويفكر. فيها وفي تناقضها وفي ذلك الشعور الذي لم يفهمه. ...... وصلوا إلى الحفل. المكان كان فاخرًا بشكل مبالغ فيه. أضواء، موسيقى، ضحكات عالية… عالم كامل من التظاهر. نزلت رهف من السيارة، وشعرت بالأنظار تتجه إليها فورًا. كما توقعت. هذا ما يريده مدحت. "ابتسمي." قالها بجانبها. لم تفعل. لكنه لم يهتم. ثم أمسك بذراعها، ودخل بها. في الداخل، شعرت وكأن الهواء أثقل. كل شيء حولها مزعج؛ الأصوات، الوجوه، النظرات. وبعد دقائق—— تركها ببساطة. "ابقي هنا." قالها، ثم اختفى وسط الحضور. لم تتفاجأ. كانت تعلم أنه سيفعل. ذلك وقفت وحدها. تحاول أن تبدو طبيعية. لكن داخلها… كان ينهار ببطء. ...... بينما ظل جاسر في الخارج. فهو لم ينسَ مهمته. كان يراقب مدحت، تحركاته ولقاءاته. كل شيء. لكن جزءًا من تفكيره… كان ما يزال عالقًا بها. …… وفي الداخل، كانت رهف تفكر في متى سيرحلون، عندما وجدت شابًا وسيمًا يقترب منها وهم يبتسم. "مساء الجمال، أنا مالك صاحب الحفل، لا بد أنكِ رهف، أليس كذلك؟" قالها بنبرة ناعمة، لكنها لم تكن مريحة. "نعم." "كيف لم أتعرف عليكِ سابقًا؟ إن جمالكِ لا يُفوّت." شعرت رهف بالضيق من كلماته ونظرته. "شكرًا لك، المعذرة عليّ الذهاب للعثور على والدي." لكن ابتسامته لم تختفِ، بل أصبحت أسوأ. نظراته… كانت كافية. لم تكن إعجابًا بل امتلاكًا. وهذا ما جعلها ترتجف من الداخل. "لمَ العجلة! فاليوم عيد ميلادي حتى." قالها وهو يميل قليلًا نحوها. ثم همس بشيء في أذنها—— تجمد الدم في عروقها واتسعت عيناها بشدة. لو كانت في موقف مختلف، لكانت صفعته بشدة. لكنها تعلم عواقب هذا الفعل، لذا لم يسعها سوى أن تصمت وتبتعد بسرعة وبخطوات غير متزنة. ثم اتجهت إلى دورة المياه. ...... دخلت وأغلقت الباب، ثم استندت إليه. أنفاسها متقطعة وقلبها ينبض بعنف. "لا… لا…" نظرت إلى المرآة ورأت نفسها. هذا الفستان. هذا المكان. هذا الضعف. شعرت فجأة—— بغضب حقيقي. "كفى…" أمسكت الحوض بقوة. لكن دمعة سقطت رغمًا عنها. واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بفضح كل شيء. ...... بينما في الخارج—— كانت اللعبة مستمرة. لكن أحدًا… لم يكن يعلم أن هذه الليلة… لن تمر بسلام.في تلك الليلة، وبعد أن انتهت الزيارة وطال الوداع أكثر مما توقعت رهف، وقف جاسر أمام منزل والديه ممسكًا بيدها، بينما كانت والدته تقف عند الباب تلوح لهما وتوصيه بأن يعود في اليوم التالي لأنه، على حد قولها، لم يأكل بما يكفي، فيضحك جاسر ويعدها بأنه سيأتي، بينما كان والده يصرخ من الداخل: "دعيهما يذهبان يا امرأة، لقد جعلتِهما يتأخران!" ضحكت والدته وردت عليه: "وأنت اصمت، أنت الذي طلبت منهما البقاء للعشاء!" ضحك جاسر، ثم أمسك يد رهف وسار معها مبتعدًا عن المنزل، بينما ظلت والدتهما تراقبهما للحظات قبل أن تغلق الباب. وبعد أن قطعا مسافة قصيرة، التفتت رهف إلى المنزل وظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها كانت تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها، ثم قالت: "جاسر..." التفت إليها وقال: "نعم؟" ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: "أعتقد أنني أحببت عائلتك أكثر مما توقعت." ابتسم جاسر وقال: "وأعتقد أنهم أحبوكِ أكثر مما تتخيلين." سكتت قليلًا، ثم قالت: "كنت خائفة جدًا قبل أن ندخل." أجابها: "أعرف. لقد كنتِ تضغطين على يدي طوال الطريق وكأنكِ ستكسرين أصابعي، وأعتقد أن أصابعي ستحتاج إلى أسبوع كامل حتى تتعافى." ضحكت رهف لأو
وفي وسط ذلك كله، شعرت رهف بشيء غريب لم تعرف كيف تصفه في البداية، ثم وجدت الكلمة المناسبة أخيرًا. دفء. ذلك هو الشعور الذي افتقدته طويلًا دون أن تعرف كيف تطلبه أو أين تبحث عنه. دفء العائلة. لم تكن تعرف أن الجلوس حول طاولة واحدة، والضحك على تفاصيل صغيرة لا تستحق في العادة كل هذا الاهتمام، والاستماع إلى أب يتذمر من زوجته ثم يبتسم في اللحظة نفسها، وأم تتحدث بحماس عن زفاف ابنها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وشاب ينظر بين لحظة وأخرى إلى المرأة التي يحبها وكأنه حصل أخيرًا على الشيء الذي كان يخشى أن يفقده، يمكن أن يجعل قلب الإنسان يشعر بهذا القدر من الأمان. خفضت رهف عينيها للحظة، ثم ابتسمت لنفسها، وشعرت أن شيئًا في داخلها قد استقر أخيرًا في مكانه. لم تتخيل يومًا أن كل أحزانها يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة، فقد كانت تظن أن الألم الذي عاشته سيظل يطاردها طويلًا، وأن الخوف سيبقى جزءًا ثابتًا من حياتها، وأنها ستحتاج إلى سنوات طويلة حتى تتمكن من الشعور بالأمان من جديد. لكنها الآن كانت تجلس على طاولة عائلة لم تكن عائلتها بالأمس، وتسمعهم يتحدثون عن زفافها وكأنها كانت جزءًا منهم منذ سنوات
كانت الساعات التالية بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى رهف كانت أشبه بحلم جميل لم تكن تعرف قبل ذلك أنها كانت تتمنى حدوثه. فقد جلست إلى جانب والدة جاسر في المطبخ، تساعدها في ترتيب الطعام وتجهيز الأطباق. بينما بدأت والدته تتحدث معها عن جاسر منذ طفولته، عن عاداته الغريبة التي لم تتغير كثيرًا رغم مرور السنوات، وعن الأشياء التي كان يحبها والأخرى التي كان يكرهها، وعن المرات التي كان يعود فيها من المدرسة غاضبًا لأنه خسر مباراة، ثم يختبئ في غرفته محاولًا إقناع الجميع بأنه لا يريد شيئًا، قبل أن يظهر فجأة عندما يشم رائحة الطعام الذي يحبه. كانت رهف تستمع إليها وهي تبتسم، وكلما ذكرت والدته موقفًا محرجًا من طفولة جاسر كانت تضحك وتقول: "حقًا فعل ذلك؟" فتجيبها والدته وهي تضحك: "بل فعل أكثر من ذلك بكثير، لكنني سأحتفظ ببعض الأسرار لنفسي، فأنا لا أريد أن أعطيكِ كل الأسلحة ضده منذ البداية." وفي كل مرة كانت رهف تضحك فيها، كان شيء في قلبها يزداد دفئًا، وكأنها لم تكن تسمع مجرد حكايات عن طفولة الرجل الذي تحبه، وإنما كانت تتلقى شيئًا آخر أعمق من ذلك؛ كانت تتلقى جزءًا من عائلة ظلت لسنوات تتمنى أن تجد
ابتسم جاسر، وعادا إلى السير معًا حتى وصلا إلى الباب، ثم مد جاسر يده وضغط على الجرس. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى فُتح الباب، وظهرت والدة جاسر أمامهما، وما إن وقعت عيناها على ابنها حتى تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت فيها فرحة الأم بالشوق الذي لم تستطع إخفاءه. قالت وهي تفتح ذراعيها: "أهلًا بك يا بني!" وقبل أن يتمكن جاسر من الرد أو حتى أن يخطو خطوة إلى الداخل، اندفعت والدته نحوه وعانقته بقوة، فضحك وهو يبادلها العناق، ثم ابتعدت عنه قليلًا وأخذت تتفحص وجهه بعينين لا تزالان تحملان قلق الأم، وقالت: "اشتقت إليك، لقد حضرت لك كل أطعمتك المفضلة، ووالدك ينتظرك منذ ساعة كاملة، وطبعًا يتظاهر بأنه لا يهتم وأنه لم يكن ينتظرك أصلًا." ضحك جاسر وقال: "أعرفه جيدًا، سيقول إنني تأخرت، ثم يجلس أمام الطعام ويأكل أكثر مني." ضحكت والدته وقالت: "بالضبط، ولهذا ادخل قبل أن يسمعك ويبدأ محاضرة جديدة." دخل جاسر خطوة إلى الداخل، ثم ابتعد قليلًا عن الباب، وعندها وجدت رهف نفسها واقفة أمام والدة جاسر مباشرة، وكأن اللحظة التي كانت تخشاها طوال الطريق قد وصلت فجأة دون أن تمنحها الوقت الك
مرَّ شهر كامل منذ تلك الليلة التي كادت أن تغيّر كل شيء في حياة رهف وجاسر، شهرٌ بدا لها طويلًا بما يكفي كي تستعيد جراحها شيئًا من عافيتها، وقصيرًا إلى درجة أنها، كلما أغمضت عينيها في لحظة هدوء، كانت تجد نفسها تعود إلى ذلك المشهد ذاته، إلى غرفة المستشفى الباردة التي كان جاسر يرقد فيها شاحب الوجه، محاطًا بالأجهزة والأسلاك. بينما كانت قطرات الدم التي خرجت من جسدها تعبر الأنبوب ببطء في طريقها إلى جسده، وكأن جزءًا منها كان يغادرها ليصل إليه، ثم يعود إليها في صورة حياة جديدة، وكأن الدم الذي حمله جسدها إليه كان يقول ما عجزت الكلمات طوال سنوات عن قوله؛ إن بعض الأشخاص حين يدخلون القلب يصبح إنقاذهم جزءًا من غريزة البقاء ذاتها. وخلال ذلك الشهر، تغيّر الكثير من الأشياء التي كانت تبدو في السابق مستحيلة التغيير، فقد بدأ جاسر يستعيد عافيته تدريجيًا، وعاد إلى حياته خطوةً بعد خطوة، وإن كان الأطباء قد أصروا عليه أن يخفف من ضغط العمل، وأن يمنح جسده الوقت الكافي كي يستعيد قوته كاملة، وألا يتعامل مع نجاته وكأنها نهاية الخطر. بينما استعادت رهف هي الأخرى قوتها بعد أيام طويلة أمضتها تحت المراقبة الطبية. أ
جلس حسن إلى جوار زوجته وأمسك يدها، فالتفتت إليه بسرعة وسألته: "كيف حال الفتاة؟" نظر إليها حسن للحظات قبل أن يجيب: "فقدت الوعي." اتسعت عيناها وقالت: "لماذا؟" أجابها: "لأنها تبرعت بالدم لجاسر." خفضت المرأة عينيها ولم تتحدث، بينما تابع حسن بصوت هادئ: "الطبيب حذرها من أن صحتها ضعيفة، وقال لها إن التبرع قد يسبب لها دوارًا أو فقدانًا للوعي، لكنها أصرت، بل وقالت إنها مستعدة لتوقيع إقرار تتحمل فيه المسؤولية إذا حدث لها شيء، وكل ذلك لأنها أرادت أن ينقذوا جاسر بأسرع وقت." ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم قال حسن: "أعتقد أنكِ كنتِ قاسية عليها." رفعت زوجته عينيها إليه، لكنها لم تجبه، فتابع: "أنا لا أقول إن خوفكِ على ابننا خطأ، ولا أقول إن ما حدث لجاسر أمر بسيط، لكنكِ رأيتِ بنفسكِ ما فعلته، ولم تفعل ذلك من أجل أن تثبت لنا شيئًا، ولم تطلب منا أن نشكرها، ولم تنتظر حتى يراها جاسر وهي تفعل ذلك، بل فعلته وهو لا يعرف أصلًا أنها تتبرع له." نظرت المرأة إلى باب غرفة العمليات، ثم قالت بصوت خافت: "لكنها السبب في دخوله إلى هذا الخطر." أجاب حسن بهدوء: "ربما كانت جزءًا من السبب، لكن لا تنسي أن جاسر هو من ا
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا. مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر
لم تعد الأيام كما كانت. منذ حادثة المطاردة، تغيّر كل شيء داخل رهف… لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح ظلًا يلازمها، يهمس في أذنها مع كل صوت مفاجئ، وكل حركة غير متوقعة. بقيت في غرفتها يومين كاملين. ستائرها مسدلة، والضوء بالكاد يتسلل إلى الداخل. كانت تستيقظ متأخرة، أو ربما لا تنام أصلًا. كلما






