LOGINوقفت رهف أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها.
لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل صراخٌ مكتوم تحوّل إلى صوتٍ عالٍ، كأن روحها خرجت لتبكي بدلًا منها. كانت تبكي على أمها... تلك الحضن الذي انطفأ فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ. تذكرت وجهها، صوتها، دفئها... ثم تذكرت ذلك اليوم الذي أخذها منها بلا رحمة، فارتفع صوت بكائها أكثر. ثم جاء وجه والدها في ذاكرتها، فاشتدت دموعها قسوة. لم يكن أبًا... كان سجّانًا. معاملته القاسية، نظرته التي لا ترى فيها إلا أداة، محاولاته المتكررة لاستغلالها، عقابه المستمر لها... ذلك السجن الذي تعيش فيه رغم أن الأبواب مفتوحة ظاهريًا. لم يسمح لها يومًا أن تكون إنسانة عادية... لم يسمح لها بصديقة، بضحكة حرة، أو حتى بحلم بسيط. كانت دائمًا محاصرة. مقيدة. مختنقة. "لمَ أنا؟!" صرختها خرجت أخيرًا، ممزوجة بالدموع والاختناق. فكرة الانتحار لم تكن غريبة عنها... بل كانت ضيفًا دائمًا. كم مرة وقفت أمام المرآة تتساءل إن كانت تملك الشجاعة لتنهي كل هذا؟ كم مرة تخيلت نفسها تختفي... ترتاح... تتوقف؟ لكنها كانت تتراجع في كل مرة. الخوف من الله كان يمسك بيدها قبل أن تسقط. كان الشيء الوحيد الذي يمنعها من الضياع الكامل. ظلت تبكي... تبكي حتى شعرت أن صوتها صار جزءًا من هدير البحر. وفجأة —— شعرت بشيء دافئ يُوضع على كتفيها. توقفت للحظة، أو ربما خفّ بكاؤها فقط. رفعت رأسها ببطء، ووسط ضباب دموعها، رأت يدًا تمتد نحوها بمنديل. كانت يدًا ثابتة... هادئة... لا تحمل شفقة مزعجة، ولا فضولًا جارحًا. وكان جاسر قد خلع سترته وألبسها إياها دون كلمة، كأنه فهم كل شيء دون أن يُقال. شعرت بالدفء يتسلل إلى جسدها... ليس فقط من السترة، بل من ذلك التصرف البسيط الذي لم تعتد عليه. ترددت لحظة... ثم أخذت المنديل. حاولت أن تكبح دموعها، أن تستعيد شيئًا من تماسكها، بينما تراجع جاسر خطوة إلى الخلف... ثم أخرى، ليمنحها المساحة التي تحتاجها. لم يسأل. لم يتكلم. لم يقترب أكثر. وهذا بالضبط ما جعل وجوده مختلفًا. استمرت رهف في البكاء... لكن بهدوء هذه المرة. كأنها تفرغ ما تبقى من الألم، لا لتغرق فيه، بل لتنجو منه. شيئًا فشيئًا، بدأت أنفاسها تنتظم، وهدأت ارتجافة جسدها. مرّ الوقت دون أن تشعر به. وحين انتهت... لم تقل شيئًا. فقط استدارت. خطت نحو السيارة وفتحت الباب، وجلست في صمت تام. لم تنظر إليه. لم تشكره. لم تفسر شيئًا. وبدون أن يتردد، تبعها جاسر، جلس خلف المقود وانطلق بالسيارة. ...... الطريق كان طويلًا أو هكذا بدا. أكثر من نصف ساعة، لم يُكسر فيها الصمت. لكن ذلك الصمت لم يكن مريحًا... كان ممتلئًا بالكلمات التي لم تُقال، والأسئلة التي لم تُطرح. وصلوا إلى الفيلا. توقفت السيارة، لكن رهف لم تنزل. بقيت جالسة... تحدّق أمامها، كأنها ترى شيئًا لا يراه أحد سواها. كان ذلك المكان؛ سجنها. مجرد النزول من السيارة كان يعني العودة إلى القيد... إلى الخوف... إلى المواجهة. مرّت دقيقة، أو ربما أكثر. أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تجمع شجاعتها من جديد، ثم وضعت يدها على مقبض الباب. وقبل أن تفتحه، قالت بصوتٍ خافت، دون أن تلتفت: "شكرًا..." جاءها الرد هادئًا، بسيطًا: "العفو." نزلت رهف من السيارة بهدوء. ثم دخلت الفيلا بسرعة، وكأنها تريد الهروب من أي شعور قد يلاحقها. أغلقت الباب خلفها، واستندت إليه للحظة. هدوء... تفحصت المكان بعينيها. لا أحد. تنفست براحة خفيفة، وحمدت ربها أن مدحت لم يعد بعد من الحفل. ...... خطت نحو غرفتها، بخطوات ثقيلة. خلعت ذلك الفستان... نظرت إليه باشمئزاز، كأنه يرمز لكل ما حدث، لكل ما شعرت به، لكل ما أُجبرت عليه. ثم ألقت به في سلة المهملات دون تردد. توجهت إلى الحمام. فتحت الماء الساخن، ووقفت تحته. كانت تريد أن تغسل كل شيء... الدموع، الذكريات، الخوف، وحتى لمسة الماضي. لكن بعض الأشياء لا تُغسل بسهولة. خرجت بعد وقت طويل، جسدها منهك، لكن عقلها أكثر تعبًا. ارتدت ملابسها، واتجهت إلى السرير. استلقت. نظرت إلى السقف. لكن لم تبكِ هذه المرة. كانت فارغة، لكنها كانت تعلم. تعلم جيدًا أن هذا الهدوء مؤقت. أن الغد قادم. وأن مدحت... لن يمرر ما حدث في الحفلة مرور الكرام. أغمضت عينيها ببطء. ليس لأنها تريد النوم، بل لأنها لا تملك طاقة لتفكر أكثر. وفي داخلها، كان سؤال واحد يتردد بصمت: إلى متى؟في تلك الليلة، وبعد أن انتهت الزيارة وطال الوداع أكثر مما توقعت رهف، وقف جاسر أمام منزل والديه ممسكًا بيدها، بينما كانت والدته تقف عند الباب تلوح لهما وتوصيه بأن يعود في اليوم التالي لأنه، على حد قولها، لم يأكل بما يكفي، فيضحك جاسر ويعدها بأنه سيأتي، بينما كان والده يصرخ من الداخل: "دعيهما يذهبان يا امرأة، لقد جعلتِهما يتأخران!" ضحكت والدته وردت عليه: "وأنت اصمت، أنت الذي طلبت منهما البقاء للعشاء!" ضحك جاسر، ثم أمسك يد رهف وسار معها مبتعدًا عن المنزل، بينما ظلت والدتهما تراقبهما للحظات قبل أن تغلق الباب. وبعد أن قطعا مسافة قصيرة، التفتت رهف إلى المنزل وظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها كانت تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها، ثم قالت: "جاسر..." التفت إليها وقال: "نعم؟" ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: "أعتقد أنني أحببت عائلتك أكثر مما توقعت." ابتسم جاسر وقال: "وأعتقد أنهم أحبوكِ أكثر مما تتخيلين." سكتت قليلًا، ثم قالت: "كنت خائفة جدًا قبل أن ندخل." أجابها: "أعرف. لقد كنتِ تضغطين على يدي طوال الطريق وكأنكِ ستكسرين أصابعي، وأعتقد أن أصابعي ستحتاج إلى أسبوع كامل حتى تتعافى." ضحكت رهف لأو
وفي وسط ذلك كله، شعرت رهف بشيء غريب لم تعرف كيف تصفه في البداية، ثم وجدت الكلمة المناسبة أخيرًا. دفء. ذلك هو الشعور الذي افتقدته طويلًا دون أن تعرف كيف تطلبه أو أين تبحث عنه. دفء العائلة. لم تكن تعرف أن الجلوس حول طاولة واحدة، والضحك على تفاصيل صغيرة لا تستحق في العادة كل هذا الاهتمام، والاستماع إلى أب يتذمر من زوجته ثم يبتسم في اللحظة نفسها، وأم تتحدث بحماس عن زفاف ابنها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وشاب ينظر بين لحظة وأخرى إلى المرأة التي يحبها وكأنه حصل أخيرًا على الشيء الذي كان يخشى أن يفقده، يمكن أن يجعل قلب الإنسان يشعر بهذا القدر من الأمان. خفضت رهف عينيها للحظة، ثم ابتسمت لنفسها، وشعرت أن شيئًا في داخلها قد استقر أخيرًا في مكانه. لم تتخيل يومًا أن كل أحزانها يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة، فقد كانت تظن أن الألم الذي عاشته سيظل يطاردها طويلًا، وأن الخوف سيبقى جزءًا ثابتًا من حياتها، وأنها ستحتاج إلى سنوات طويلة حتى تتمكن من الشعور بالأمان من جديد. لكنها الآن كانت تجلس على طاولة عائلة لم تكن عائلتها بالأمس، وتسمعهم يتحدثون عن زفافها وكأنها كانت جزءًا منهم منذ سنوات
كانت الساعات التالية بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى رهف كانت أشبه بحلم جميل لم تكن تعرف قبل ذلك أنها كانت تتمنى حدوثه. فقد جلست إلى جانب والدة جاسر في المطبخ، تساعدها في ترتيب الطعام وتجهيز الأطباق. بينما بدأت والدته تتحدث معها عن جاسر منذ طفولته، عن عاداته الغريبة التي لم تتغير كثيرًا رغم مرور السنوات، وعن الأشياء التي كان يحبها والأخرى التي كان يكرهها، وعن المرات التي كان يعود فيها من المدرسة غاضبًا لأنه خسر مباراة، ثم يختبئ في غرفته محاولًا إقناع الجميع بأنه لا يريد شيئًا، قبل أن يظهر فجأة عندما يشم رائحة الطعام الذي يحبه. كانت رهف تستمع إليها وهي تبتسم، وكلما ذكرت والدته موقفًا محرجًا من طفولة جاسر كانت تضحك وتقول: "حقًا فعل ذلك؟" فتجيبها والدته وهي تضحك: "بل فعل أكثر من ذلك بكثير، لكنني سأحتفظ ببعض الأسرار لنفسي، فأنا لا أريد أن أعطيكِ كل الأسلحة ضده منذ البداية." وفي كل مرة كانت رهف تضحك فيها، كان شيء في قلبها يزداد دفئًا، وكأنها لم تكن تسمع مجرد حكايات عن طفولة الرجل الذي تحبه، وإنما كانت تتلقى شيئًا آخر أعمق من ذلك؛ كانت تتلقى جزءًا من عائلة ظلت لسنوات تتمنى أن تجد
ابتسم جاسر، وعادا إلى السير معًا حتى وصلا إلى الباب، ثم مد جاسر يده وضغط على الجرس. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى فُتح الباب، وظهرت والدة جاسر أمامهما، وما إن وقعت عيناها على ابنها حتى تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت فيها فرحة الأم بالشوق الذي لم تستطع إخفاءه. قالت وهي تفتح ذراعيها: "أهلًا بك يا بني!" وقبل أن يتمكن جاسر من الرد أو حتى أن يخطو خطوة إلى الداخل، اندفعت والدته نحوه وعانقته بقوة، فضحك وهو يبادلها العناق، ثم ابتعدت عنه قليلًا وأخذت تتفحص وجهه بعينين لا تزالان تحملان قلق الأم، وقالت: "اشتقت إليك، لقد حضرت لك كل أطعمتك المفضلة، ووالدك ينتظرك منذ ساعة كاملة، وطبعًا يتظاهر بأنه لا يهتم وأنه لم يكن ينتظرك أصلًا." ضحك جاسر وقال: "أعرفه جيدًا، سيقول إنني تأخرت، ثم يجلس أمام الطعام ويأكل أكثر مني." ضحكت والدته وقالت: "بالضبط، ولهذا ادخل قبل أن يسمعك ويبدأ محاضرة جديدة." دخل جاسر خطوة إلى الداخل، ثم ابتعد قليلًا عن الباب، وعندها وجدت رهف نفسها واقفة أمام والدة جاسر مباشرة، وكأن اللحظة التي كانت تخشاها طوال الطريق قد وصلت فجأة دون أن تمنحها الوقت الك
مرَّ شهر كامل منذ تلك الليلة التي كادت أن تغيّر كل شيء في حياة رهف وجاسر، شهرٌ بدا لها طويلًا بما يكفي كي تستعيد جراحها شيئًا من عافيتها، وقصيرًا إلى درجة أنها، كلما أغمضت عينيها في لحظة هدوء، كانت تجد نفسها تعود إلى ذلك المشهد ذاته، إلى غرفة المستشفى الباردة التي كان جاسر يرقد فيها شاحب الوجه، محاطًا بالأجهزة والأسلاك. بينما كانت قطرات الدم التي خرجت من جسدها تعبر الأنبوب ببطء في طريقها إلى جسده، وكأن جزءًا منها كان يغادرها ليصل إليه، ثم يعود إليها في صورة حياة جديدة، وكأن الدم الذي حمله جسدها إليه كان يقول ما عجزت الكلمات طوال سنوات عن قوله؛ إن بعض الأشخاص حين يدخلون القلب يصبح إنقاذهم جزءًا من غريزة البقاء ذاتها. وخلال ذلك الشهر، تغيّر الكثير من الأشياء التي كانت تبدو في السابق مستحيلة التغيير، فقد بدأ جاسر يستعيد عافيته تدريجيًا، وعاد إلى حياته خطوةً بعد خطوة، وإن كان الأطباء قد أصروا عليه أن يخفف من ضغط العمل، وأن يمنح جسده الوقت الكافي كي يستعيد قوته كاملة، وألا يتعامل مع نجاته وكأنها نهاية الخطر. بينما استعادت رهف هي الأخرى قوتها بعد أيام طويلة أمضتها تحت المراقبة الطبية. أ
جلس حسن إلى جوار زوجته وأمسك يدها، فالتفتت إليه بسرعة وسألته: "كيف حال الفتاة؟" نظر إليها حسن للحظات قبل أن يجيب: "فقدت الوعي." اتسعت عيناها وقالت: "لماذا؟" أجابها: "لأنها تبرعت بالدم لجاسر." خفضت المرأة عينيها ولم تتحدث، بينما تابع حسن بصوت هادئ: "الطبيب حذرها من أن صحتها ضعيفة، وقال لها إن التبرع قد يسبب لها دوارًا أو فقدانًا للوعي، لكنها أصرت، بل وقالت إنها مستعدة لتوقيع إقرار تتحمل فيه المسؤولية إذا حدث لها شيء، وكل ذلك لأنها أرادت أن ينقذوا جاسر بأسرع وقت." ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم قال حسن: "أعتقد أنكِ كنتِ قاسية عليها." رفعت زوجته عينيها إليه، لكنها لم تجبه، فتابع: "أنا لا أقول إن خوفكِ على ابننا خطأ، ولا أقول إن ما حدث لجاسر أمر بسيط، لكنكِ رأيتِ بنفسكِ ما فعلته، ولم تفعل ذلك من أجل أن تثبت لنا شيئًا، ولم تطلب منا أن نشكرها، ولم تنتظر حتى يراها جاسر وهي تفعل ذلك، بل فعلته وهو لا يعرف أصلًا أنها تتبرع له." نظرت المرأة إلى باب غرفة العمليات، ثم قالت بصوت خافت: "لكنها السبب في دخوله إلى هذا الخطر." أجاب حسن بهدوء: "ربما كانت جزءًا من السبب، لكن لا تنسي أن جاسر هو من ا
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا. مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر







