เข้าสู่ระบบ
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا.
مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه. كان الصمت يحيط به من كل جانب، صمت اعتاده، بل وربما اختاره. نهض أخيرًا، واتجه نحو النافذة بخطوات ثابتة. سحب الستار قليلًا، فتسللت أشعة الشمس إلى الداخل، وانعكست على الأثاث الفاخر، لتكشف عن حياة تبدو مثالية لمن يراها من الخارج… لكنها، في الحقيقة، كانت باردة، خالية من الدفء. جاسر لم يكن رجلًا عاديًا. في الثلاثين من عمره، يحمل على كتفيه مسؤوليات لا يحتملها كثيرون. ضابط مخابرات، اعتاد أن يعيش في الظلال، أن يرى ما لا يُقال، وأن يشكّ في كل شيء. اختار أن يعيش وحيدًا، رغم أن والديه على قيد الحياة، ليس جفاءً… بل لأن حياته لم تترك له رفاهية القرب. عمله لا يعرف الاستقرار، ولا يسمح للعلاقات أن تنمو، ولا يعترف بالمشاعر إلا كضعف يجب تجنبه. بعد دقائق، كان قد ارتدى بدلته الرسمية بإتقان، وربط ربطة عنقه بحركة اعتيادية. نظر إلى انعكاسه في المرآة، فعادت تلك الملامح الصارمة التي يخفي خلفها كل ما لا يُقال. رجل متماسك، هادئ، لا يُظهر شيئًا… حتى لو كان بداخله عاصفة. فاليوم… لديه مهمة. …… دخل جاسر إلى مبنى المخابرات بخطوات واثقة، حتى توقف أمام باب مكتب العقيد شوقي. طرق الباب طرقات خفيفة، قبل أن يأتيه الصوت المألوف: "ادخل يا جاسر." فتح الباب، ودخل بقامته الطويلة وهيبته المعتادة. وما إن وقع نظر العقيد عليه، حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه. "تفضل يا جاسر، لقد دعوتك اليوم لأوكل لك مهمتك الجديدة." جلس جاسر بهدوء، بينما مدّ العقيد يده بملفٍ سميك ووضعه أمامه. "هذه المهمة ليست سهلة." قالها بنبرة جادة، "وبما أنك من أكفأ ضباطنا، وقع الاختيار عليك." فتح جاسر الملف، وبدأت عيناه تتحركان بسرعة فوق السطور، يلتقط التفاصيل بدقة اعتاد عليها. تابع العقيد: "مدحت زهران… رجل أعمال معروف، لكننا نشتبه في تورطه بأعمال غير قانونية؛ تجارة سلاح ومخدرات وأكثر من ذلك." توقف لحظة، ثم أضاف: "وابنته الوحيدة… رهف. قد تكون جزءًا من هذه اللعبة." توقفت عينا جاسر للحظة عند صورتها… شيء ما لم يفهمه مرّ في داخله، لكنه تجاهله سريعًا. أغلق الملف بهدوء وقال: "لا تقلق يا فندم، سأبذل قصارى جهدي للوصول للحقيقة." نظر إليه العقيد بثقة: "نعلم ذلك، فأنت لم تخذلنا من قبل." نهض جاسر وأدى التحية العسكرية، ثم غادر المكتب… لكن هذه المرة، لم تكن أفكاره مرتبة كما اعتاد. كيف سيتسلل إلى حياتهم؟ وكيف سيقترب… دون أن يُكشف؟ ...... على الجانب الآخر من المدينة، كانت بداية يوم مختلفة تمامًا. استيقظت رهف على ضوء الصباح الذي تسلل إلى غرفتها، ففتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول تأجيل واقع لا ترغب في مواجهته. بشرتها البيضاء، وشعرها الأسود الطويل الذي انسدل حولها كستارٍ ليلي… كانت تبدو كلوحة هادئة، تخفي خلفها ضجيجًا لا يُرى. نهضت بهدوء واستعدت للذهاب إلى الجامعة. كانت في سنتها الرابعة بكلية الألسن، قسم اللغة الإنجليزية… عالمها الوحيد الذي تشعر فيه بشيء من الحرية. لكن الحرية… لم تكن كاملة. بعد أن انتهت، نزلت إلى الطابق السفلي بخطوات مترددة، وفي داخلها دعاء صامت أن يكون قد غادر. لكن الحظ لم يكن في صفها. كان مدحت زهران يجلس على مائدة الإفطار. لكنها قررت تجاهله كأنه غير موجود. خطوة واحدة كانت تفصلها عن الباب… قبل أن يخترق صوته المكان: "يا لكِ من ابنة عاقة، كيف تتجاهلين والدكِ هكذا؟" توقفت للحظة، ثم التفتت ببرود: "أنا متأخرة على المحاضرة. إذا لم يكن لديك شيء مهم، سأذهب." لم تنتظر ردّه، وخرجت مسرعة وكأن الهواء خارج الفيلا أخفّ من داخله. …… في الخارج، اتجهت نحو السيارة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا: "صباح الخير يا عم عثمان، إلى الجامعة بسرعة، من فضلك." "حاضر يا آنسة رهف." انطلقت السيارة… ومعها أخذت رهف نفسًا عميقًا، كأنها تحاول النجاة من شيء لا يُرى. …… بعد انتهاء المحاضرات، خرجت رهف برفقة زميلتها ندى. لم تكن تملك أصدقاء حقيقيين، فقط وجوه عابرة وعلاقات سطحية. وذلك بسبب حادث من الماضي. ندى… كانت الأقرب، لكنها لم تكن تعرف كل شيء. وبينما كانتا تسيران، اعترض طريقهما ثلاثة شبان. تجمدت ملامح حور فورًا. حاولت تجاوزهم، لكن أحدهم أمسك يدها. انتزعتها بسرعة، وتراجعت للخلف: "ماذا تريد يا مازن؟ ابتعد عني!" ابتسم مازن بسخرية: "اهدئي… لمَ تبدين خائفة هكذا؟ أنا أريد التحدث معكِ فحسب." "وأنا لا أريد." قالتها بحدة، ثم أمسكت بذراع ندى واندفعت نحو الخارج. لم تتوقف إلا عند بوابة الجامعة. قالت ندى بقلق وهي تلهث: "مهلًا يا رهف، أنا فقط لا أعلم لماذا لا تخبري والدكِ أن مازن وأصدقائه يزعجونكِ؟ مازن معروف بسمعته السيئة في الجامعة، والجميع يعلم أنه إن أعجب بفتاة يحصل عليها مهما حدث. أنا خائفة عليكِ." سكتت رهف. كانت خائفة أيضًا، لكن لا يمكنها إخبار والدها بهذا الأمر، فهو إن علم لن يتصرف مثل الآباء الأخرين، بل سيلقي باللوم عليها وقد يمنعها من الذهاب إلى الجامعة. هو لا يحبها ولم يحبها قط، لكن لا أحد يعلم ذلك سواها. فهو أمام الجميع الأب المثالي الذي يعامل ابنته كالأميرات. ولم يكن بإمكانها أن تخبر أحد عن معاملته السيئة لها وإلا سيزداد عقابها ولن ينقذها منه أحد. عادت رهف من دوامة أفكارها وقالت بهدوء مصطنع: "أنا فقط لا أريد إزعاج أبي بهذه المشاكل التافهة، فهو مشغول دائما كما تعلمين." نظرت لها ندى بعدم اقتناع: "كما تشائين… لكن كوني حذرة." أومأت رهف، ثم اتجهت نحو السيارة. وقبل أن تصعد، ألقت نظرة سريعة خلفها… وكأنها تشعر أن شيئًا ما يقترب. شيء سيغير كل شيء. …… في مكانٍ ما… كان جاسر يفتح نفس الملف مرة أخرى. وبين سطور الحقيقة… كانت قصة أخرى تبدأ.في تلك الليلة، وبعد أن انتهت الزيارة وطال الوداع أكثر مما توقعت رهف، وقف جاسر أمام منزل والديه ممسكًا بيدها، بينما كانت والدته تقف عند الباب تلوح لهما وتوصيه بأن يعود في اليوم التالي لأنه، على حد قولها، لم يأكل بما يكفي، فيضحك جاسر ويعدها بأنه سيأتي، بينما كان والده يصرخ من الداخل: "دعيهما يذهبان يا امرأة، لقد جعلتِهما يتأخران!" ضحكت والدته وردت عليه: "وأنت اصمت، أنت الذي طلبت منهما البقاء للعشاء!" ضحك جاسر، ثم أمسك يد رهف وسار معها مبتعدًا عن المنزل، بينما ظلت والدتهما تراقبهما للحظات قبل أن تغلق الباب. وبعد أن قطعا مسافة قصيرة، التفتت رهف إلى المنزل وظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها كانت تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها، ثم قالت: "جاسر..." التفت إليها وقال: "نعم؟" ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: "أعتقد أنني أحببت عائلتك أكثر مما توقعت." ابتسم جاسر وقال: "وأعتقد أنهم أحبوكِ أكثر مما تتخيلين." سكتت قليلًا، ثم قالت: "كنت خائفة جدًا قبل أن ندخل." أجابها: "أعرف. لقد كنتِ تضغطين على يدي طوال الطريق وكأنكِ ستكسرين أصابعي، وأعتقد أن أصابعي ستحتاج إلى أسبوع كامل حتى تتعافى." ضحكت رهف لأو
وفي وسط ذلك كله، شعرت رهف بشيء غريب لم تعرف كيف تصفه في البداية، ثم وجدت الكلمة المناسبة أخيرًا. دفء. ذلك هو الشعور الذي افتقدته طويلًا دون أن تعرف كيف تطلبه أو أين تبحث عنه. دفء العائلة. لم تكن تعرف أن الجلوس حول طاولة واحدة، والضحك على تفاصيل صغيرة لا تستحق في العادة كل هذا الاهتمام، والاستماع إلى أب يتذمر من زوجته ثم يبتسم في اللحظة نفسها، وأم تتحدث بحماس عن زفاف ابنها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وشاب ينظر بين لحظة وأخرى إلى المرأة التي يحبها وكأنه حصل أخيرًا على الشيء الذي كان يخشى أن يفقده، يمكن أن يجعل قلب الإنسان يشعر بهذا القدر من الأمان. خفضت رهف عينيها للحظة، ثم ابتسمت لنفسها، وشعرت أن شيئًا في داخلها قد استقر أخيرًا في مكانه. لم تتخيل يومًا أن كل أحزانها يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة، فقد كانت تظن أن الألم الذي عاشته سيظل يطاردها طويلًا، وأن الخوف سيبقى جزءًا ثابتًا من حياتها، وأنها ستحتاج إلى سنوات طويلة حتى تتمكن من الشعور بالأمان من جديد. لكنها الآن كانت تجلس على طاولة عائلة لم تكن عائلتها بالأمس، وتسمعهم يتحدثون عن زفافها وكأنها كانت جزءًا منهم منذ سنوات
كانت الساعات التالية بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى رهف كانت أشبه بحلم جميل لم تكن تعرف قبل ذلك أنها كانت تتمنى حدوثه. فقد جلست إلى جانب والدة جاسر في المطبخ، تساعدها في ترتيب الطعام وتجهيز الأطباق. بينما بدأت والدته تتحدث معها عن جاسر منذ طفولته، عن عاداته الغريبة التي لم تتغير كثيرًا رغم مرور السنوات، وعن الأشياء التي كان يحبها والأخرى التي كان يكرهها، وعن المرات التي كان يعود فيها من المدرسة غاضبًا لأنه خسر مباراة، ثم يختبئ في غرفته محاولًا إقناع الجميع بأنه لا يريد شيئًا، قبل أن يظهر فجأة عندما يشم رائحة الطعام الذي يحبه. كانت رهف تستمع إليها وهي تبتسم، وكلما ذكرت والدته موقفًا محرجًا من طفولة جاسر كانت تضحك وتقول: "حقًا فعل ذلك؟" فتجيبها والدته وهي تضحك: "بل فعل أكثر من ذلك بكثير، لكنني سأحتفظ ببعض الأسرار لنفسي، فأنا لا أريد أن أعطيكِ كل الأسلحة ضده منذ البداية." وفي كل مرة كانت رهف تضحك فيها، كان شيء في قلبها يزداد دفئًا، وكأنها لم تكن تسمع مجرد حكايات عن طفولة الرجل الذي تحبه، وإنما كانت تتلقى شيئًا آخر أعمق من ذلك؛ كانت تتلقى جزءًا من عائلة ظلت لسنوات تتمنى أن تجد
ابتسم جاسر، وعادا إلى السير معًا حتى وصلا إلى الباب، ثم مد جاسر يده وضغط على الجرس. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى فُتح الباب، وظهرت والدة جاسر أمامهما، وما إن وقعت عيناها على ابنها حتى تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت فيها فرحة الأم بالشوق الذي لم تستطع إخفاءه. قالت وهي تفتح ذراعيها: "أهلًا بك يا بني!" وقبل أن يتمكن جاسر من الرد أو حتى أن يخطو خطوة إلى الداخل، اندفعت والدته نحوه وعانقته بقوة، فضحك وهو يبادلها العناق، ثم ابتعدت عنه قليلًا وأخذت تتفحص وجهه بعينين لا تزالان تحملان قلق الأم، وقالت: "اشتقت إليك، لقد حضرت لك كل أطعمتك المفضلة، ووالدك ينتظرك منذ ساعة كاملة، وطبعًا يتظاهر بأنه لا يهتم وأنه لم يكن ينتظرك أصلًا." ضحك جاسر وقال: "أعرفه جيدًا، سيقول إنني تأخرت، ثم يجلس أمام الطعام ويأكل أكثر مني." ضحكت والدته وقالت: "بالضبط، ولهذا ادخل قبل أن يسمعك ويبدأ محاضرة جديدة." دخل جاسر خطوة إلى الداخل، ثم ابتعد قليلًا عن الباب، وعندها وجدت رهف نفسها واقفة أمام والدة جاسر مباشرة، وكأن اللحظة التي كانت تخشاها طوال الطريق قد وصلت فجأة دون أن تمنحها الوقت الك
مرَّ شهر كامل منذ تلك الليلة التي كادت أن تغيّر كل شيء في حياة رهف وجاسر، شهرٌ بدا لها طويلًا بما يكفي كي تستعيد جراحها شيئًا من عافيتها، وقصيرًا إلى درجة أنها، كلما أغمضت عينيها في لحظة هدوء، كانت تجد نفسها تعود إلى ذلك المشهد ذاته، إلى غرفة المستشفى الباردة التي كان جاسر يرقد فيها شاحب الوجه، محاطًا بالأجهزة والأسلاك. بينما كانت قطرات الدم التي خرجت من جسدها تعبر الأنبوب ببطء في طريقها إلى جسده، وكأن جزءًا منها كان يغادرها ليصل إليه، ثم يعود إليها في صورة حياة جديدة، وكأن الدم الذي حمله جسدها إليه كان يقول ما عجزت الكلمات طوال سنوات عن قوله؛ إن بعض الأشخاص حين يدخلون القلب يصبح إنقاذهم جزءًا من غريزة البقاء ذاتها. وخلال ذلك الشهر، تغيّر الكثير من الأشياء التي كانت تبدو في السابق مستحيلة التغيير، فقد بدأ جاسر يستعيد عافيته تدريجيًا، وعاد إلى حياته خطوةً بعد خطوة، وإن كان الأطباء قد أصروا عليه أن يخفف من ضغط العمل، وأن يمنح جسده الوقت الكافي كي يستعيد قوته كاملة، وألا يتعامل مع نجاته وكأنها نهاية الخطر. بينما استعادت رهف هي الأخرى قوتها بعد أيام طويلة أمضتها تحت المراقبة الطبية. أ
جلس حسن إلى جوار زوجته وأمسك يدها، فالتفتت إليه بسرعة وسألته: "كيف حال الفتاة؟" نظر إليها حسن للحظات قبل أن يجيب: "فقدت الوعي." اتسعت عيناها وقالت: "لماذا؟" أجابها: "لأنها تبرعت بالدم لجاسر." خفضت المرأة عينيها ولم تتحدث، بينما تابع حسن بصوت هادئ: "الطبيب حذرها من أن صحتها ضعيفة، وقال لها إن التبرع قد يسبب لها دوارًا أو فقدانًا للوعي، لكنها أصرت، بل وقالت إنها مستعدة لتوقيع إقرار تتحمل فيه المسؤولية إذا حدث لها شيء، وكل ذلك لأنها أرادت أن ينقذوا جاسر بأسرع وقت." ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم قال حسن: "أعتقد أنكِ كنتِ قاسية عليها." رفعت زوجته عينيها إليه، لكنها لم تجبه، فتابع: "أنا لا أقول إن خوفكِ على ابننا خطأ، ولا أقول إن ما حدث لجاسر أمر بسيط، لكنكِ رأيتِ بنفسكِ ما فعلته، ولم تفعل ذلك من أجل أن تثبت لنا شيئًا، ولم تطلب منا أن نشكرها، ولم تنتظر حتى يراها جاسر وهي تفعل ذلك، بل فعلته وهو لا يعرف أصلًا أنها تتبرع له." نظرت المرأة إلى باب غرفة العمليات، ثم قالت بصوت خافت: "لكنها السبب في دخوله إلى هذا الخطر." أجاب حسن بهدوء: "ربما كانت جزءًا من السبب، لكن لا تنسي أن جاسر هو من ا
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر
لم تعد الأيام كما كانت. منذ حادثة المطاردة، تغيّر كل شيء داخل رهف… لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح ظلًا يلازمها، يهمس في أذنها مع كل صوت مفاجئ، وكل حركة غير متوقعة. بقيت في غرفتها يومين كاملين. ستائرها مسدلة، والضوء بالكاد يتسلل إلى الداخل. كانت تستيقظ متأخرة، أو ربما لا تنام أصلًا. كلما







