FAZER LOGINالفصل الخامس
الأخ الذي لم تعرفه لم تستطع ليان أن تتحرك. كان الرجل يقف عند مدخل غرفة والدها، هادئًا بصورة مستفزة، وكأن وجوده في هذا المكان أمر طبيعي، وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى صفحة قديمة من كتاب يمكن فتحها متى أراد. لكن بالنسبة إلى ليان... لم يكن مجرد رجل يقف أمامها. كان وجهًا خرج من أكثر زاوية مظلمة في ذاكرتها. وجهًا كانت تحاول منذ ثلاث سنوات أن تتذكره دون أن تستطيع. قالت بصوت مرتجف: "أنت..." تقدم سليم خطوة. "أيوه." رفع آسر يده أمام ليان. "خليك مكانك." ابتسم سليم. "لسه زي ما أنت يا آسر." قال آسر بحدة: "إنت إيه اللي جابك هنا؟" "البيت مش غريب عليّ." "مش بيتي." "ولا بيتك وحدك." تدخلت ليان: "أنت كنت معايا." نظر إليها سليم. "في أي ليلة؟" "الليلة دي." "ليلة إيه؟" "اللي اختفيت فيها." ساد الصمت. كانت عيناه ثابتتين عليها. ثم قال: "أخيرًا بدأتي تفتكري." شعرت ليان بأن ساقيها لا تحملانها. قال آسر: "ماتلعبش معاها." "أنا مش بلعب." "إذن قول الحقيقة." ضحك سليم بهدوء. "الحقيقة؟" ثم نظر إلى ليان. "الحقيقة إنك كنتِ آخر شخص شفته قبل ما كل شيء يتغير." تقدمت ليان خطوة. "أنا كنت في العربية." "أيوه." "وأنت كنت بتسوق." "أيوه." "ليه؟" لم يجب. قال آسر: "كنت بتاخدها فين؟" نظر سليم إليه. "أنت عارف." "أنا مش عارف حاجة." "أنت عارف أكتر مما تتخيل." ثم نظر إلى ليان مرة أخرى. "لكن فيه شخص واحد كان يعرف كل شيء." قالت: "مين؟" أجاب: "والدك." انقبض قلبها. "بابا؟" "أيوه." "إذن ليه كان بيحاول يبعدني عنك؟" "لأنه كان خايف." "منك؟" ابتسم سليم. "مني؟" ثم أضاف: "ولا مني ومن الشخص اللي كان معايا؟" تدخل آسر: "مين كان معاك؟" تغيرت ملامح سليم قليلًا. "دي قصة تانية." قال آسر: "لا. دي نفس القصة." تقدم نحوه. لكن سليم لم يتراجع. قال: "لو قربت، هنضيع وقت." "أنا مش فارق معايا الوقت." "لكن ليان فارق معاها." توقف آسر. نظر إلى ليان. ثم عاد إلى سليم. "اتكلم." قال سليم: "مش هنا." ضحكت ليان بمرارة. "طبعًا." نظر إليها. "ليه؟" "لأن كل واحد فيكم عايز يقول لي جزء من الحقيقة." ثم رفعت صوتها: "أنا عايزة الحقيقة كلها!" صمت الجميع. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. لكنها لم تبكِ. قالت: "ثلاث سنين وأنا مش عارفة إيه اللي حصل لي. كل واحد فيكم بيقولي إنكم كنتوا بتحموني، وكل واحد مخبي عني حاجة." نظرت إلى آسر. "أنت." ثم إلى سليم. "وأنت." "حتى بابا." أخذت نفسًا عميقًا. "أنا مش هخرج من هنا غير لما أعرف." قال سليم: "إذن لازم تسمعي اللي حصل من البداية." --- جلس الثلاثة في غرفة والدها. كان الوضع غريبًا. ليان على الكرسي بجوار المكتب. آسر واقف قرب الباب. وسليم أمام النافذة. ظل المطر الخفيف يطرق الزجاج. قال سليم: "والدك وأنا كنا نعرف بعض من أكتر من عشرين سنة." قالت ليان: "ليه؟" "شغل." "إيه نوع الشغل؟" نظر إلى آسر. "مش كل حاجة تخصك." تدخل آسر: "إنت وعدت بالحقيقة." "هقولها." ثم قال: "والدك كان شريكًا في مشروع كبير." "أي مشروع؟" "مشروع عقارات." بدت الإجابة عادية. لكن سليم تابع: "المشروع ده كان فيه أراضي كتير، ومستندات، وتحويلات مالية." قالت: "يعني فلوس؟" "أكتر من فلوس." "إيه؟" "أسماء." "أسماء مين؟" "ناس كبار." صمت. ثم أضاف: "ناس ما كانش ينفع تظهر أسماؤهم." بدأت ليان تفهم. "وبابا اكتشف حاجة؟" "أيوه." "إيه؟" "اكتشف إن بعض الأراضي اتنقلت بأسماء وهمية." قال آسر: "وكانت فيه شركة واجهة." نظر إليه سليم. "واضح إنك قريت ملفات والدها." "قريت اللي قدرت أوصله." "لكن لسه ناقصك الجزء الأهم." سألته ليان: "إيه الجزء الأهم؟" قال: "إن والدك ما كانش مجرد شاهد." صمت. "كان شريكًا في البداية." اتسعت عيناها. "بابا؟" "أيوه." هزت رأسها. "لا." "الحقيقة مش بتتغير علشان إحنا مش عايزين نصدقها." "بابا عمره ما عمل حاجة غلط." "أنا ما قلتش إنه كان مجرم." "لكن كلامك..." "هو دخل المشروع وهو فاكر إنه قانوني. بعدين اكتشف الحقيقة وحاول ينسحب." قال آسر: "وده السبب اللي خلاهم يهددوه." أومأ سليم. "بالضبط." قالت ليان: "مين هم؟" "مجموعة من الناس." "أسماء." صمت. ثم قال: "واحد منهم كان قريبًا جدًا منك." تجمدت. "مين؟" لم يجب. قالت: "سليم." "اسألي آسر." نظرت إليه. "إيه؟" قال سليم: "هو عنده جزء من الحقيقة." استدارت نحو آسر. "إيه اللي تعرفه؟" ظل صامتًا. "آسر." قال: "والدي كان شريكًا في الشركة." تجمدت. "والدك؟" أومأ. "يعني الرسالة كانت تقصد..." "أيوه." "الرجل اللي اعتبرته أخاك..." قال آسر: "أخي غير الشقيق." سليم ابتسم. "دلوقتي فهمتي." قالت ليان: "مين؟" أجاب آسر: "كريم." "كريم؟" أومأ. "كريم النجار." تراجعت ليان. "أخوكم؟" "أخويا من أبي." "وهو له علاقة بكل ده؟" لم يجب آسر. لكن سليم قال: "هو الشخص الذي كان معايا ليلة اختفائك." ساد الصمت. شعرت ليان بأن الغرفة أصبحت أصغر. بدأت الذاكرة تتحرك في رأسها. سيارة. مطر. صوت رجل. ثم يد على المقود. ثم وجه. كان هناك رجل آخر. لكنها لم تره بوضوح. قالت: "كريم كان معايا؟" "أيوه." "فين هو دلوقتي؟" سليم نظر إلى آسر. "مش هنا." قال آسر: "مسافر." "من إمتى؟" "من يومين." "ليه؟" "ما أعرفش." قال سليم: "أنا أعرف." التفت إليه. "فين؟" "بره البلد." "إلى أين؟" "لندن." ثم أضاف: "لكن مش هيقعد هناك." قالت ليان: "ليه؟" "لأنه عارف إنك رجعتي." --- لم تستطع ليان أن تستوعب كل شيء. كانت تظن أن عودتها إلى هذا المنزل مجرد حل مؤقت. ثم اكتشفت أن البيت نفسه كان جزءًا من قصة بدأت قبل سنوات. وأن والدها كان يخفي أسرارًا. وأن الرجل الذي كانت تظنه عدوًا كان يحاول حمايتها. وأن الرجل الذي كانت تراه الآن أمامها يعرف تفاصيل عن ليلة لم تستطع تذكرها. لكن شيئًا واحدًا ظل يؤلمها أكثر من غيره. قالت: "ليه ما حدش قال لي؟" أجاب سليم: "لأنك كنتِ صغيرة." "أنا كنت في الجامعة." "وده صغير أمام الناس اللي بنتكلم عنهم." "كان من حقي أعرف." "أيوه." "آسر." التفت إليها. "نعم؟" "أنت كنت تعرف إن والدك شريك في الشركة؟" "كنت أعرف جزءًا." "إمتى؟" "بعد وفاته." "وكريم؟" "كنت أعرف إن بينه وبين والدي علاقة." "هل كنت تعرف إنه كان مع سليم تلك الليلة؟" صمت. ثم قال: "لا." قال سليم: "كان يعرف." نظر إليه آسر. "أنت بتقول إيه؟" "أنا بقول إن كريم لم يكن مجرد شخص موجود بالصدفة." وقف آسر أمامه. "إنت كنت عارف؟" "أيوه." "وسكت؟" "كنت أحاول أعرف الحقيقة." "على حساب ليان؟" رفع سليم صوته لأول مرة: "أنا أنقذتها!" توقف آسر. قال سليم: "لو ما كنتش أنا موجود، ما كانتش هتخرج من الليلة دي." نظرت ليان إليه. "إنت أنقذتني؟" أومأ. "أيوه." "إذن ليه أنا فاكرة إني كنت خايفة منك؟" تغير وجهه. "لأنك كنتِ خايفة من الشخص اللي كان معايا." "كريم." "أيوه." قالت: "إيه اللي عمله؟" ساد الصمت. نظر سليم إلى الأرض. ثم قال: "حاول ياخدك." "فين؟" "لمكان تاني." "ليه؟" "علشان يضغط على والدك." شعرت ليان بقلبها يهبط. "يضغط عليه بإيه؟" "بيك." أغمضت عينيها. كانت تريد أن تتذكر. لكن ذاكرتها رفضت. قالت: "وبعدين؟" قال سليم: "هربنا." "إحنا؟" "أنا وإنتِ." "وفين آسر؟" نظر إلى آسر. "كان بيحاول يلحقنا." قال آسر: "لكن العربية اختفت." "لأن كريم غير الطريق." "وأنت؟" "أنا خرجتك من العربية." "فين؟" "عند محطة القطار." فتحت عينيها. كانت الذكرى أقرب. رائحة المطر. أضواء المحطة. رجل يمسك يدها. لكنها لم تكن تعرف من هو. قالت: "أنا كنت واعية." "أيوه." "وكنت بتتكلم معايا." "أيوه." "قلت لي إيه؟" صمت سليم. "قلت لك إنك لازم تثقي في آسر." ارتجفت. كانت الجملة نفسها التي تذكرتها. قالت: "لكن ليه أنا قلت لآسر ما يقولش لحد إني كنت معاه؟" نظر سليم إلى آسر. "لأنك كنتِ فاكرة إن كريم لسه بيدور عليك." ثم أضاف: "وأنتِ كنتِ خايفة إنه يوصل له." قال آسر: "وأنا صدقت إنها عايزة تنسى." "لأنها كانت بتطلب منك ده." "أيوه." قالت ليان: "كنت بحاول أحميك." نظر إليها آسر. "وأنا كنت فاكر إني بحميك." التقت عيناهما. للحظة، لم يكن هناك سليم. ولا ماضٍ. ولا أسرار. فقط شخصان أدركا أن الألم الذي عاشاه ثلاث سنوات كان قائمًا على سوء فهم كبير. خفضت ليان عينيها. ثم قالت: "لسه فيه حاجة ناقصة." قال سليم: "أيوه." "إيه؟" "مين كان بيحرك كريم." سأل آسر: "والدي؟" "مش وحده." "مين؟" نظر سليم إلى ليان. "الشخص اللي أخد الرسالة من القصر." تذكرت ليان الظرف الأسود. قالت: "إنت تعرف مين أخده؟" "أيوه." "مين؟" تردد. ثم قال: "سعاد." تجمدت. "عمتي؟" أومأ. "عمتك كانت تعرف أكتر مما قالت." --- لم تتكلم ليان لعدة ثوانٍ. كانت تحاول استيعاب الاسم. سعاد. الشخص الذي وثقت به بعد وفاة والدها. الشخص الذي أخبرها أن تنتقل إلى هذا البيت. الشخص الذي قالت لها إن آسر وافق على إقامتها. قالت: "إنت متأكد؟" "أيوه." "ليه؟" "لأنها كانت جزءًا من الاتفاق." سأله آسر: "أي اتفاق؟" قال سليم: "الاتفاق اللي كان المفروض يفضل مدفون." ثم أخرج هاتفه. فتح صورة. وضعها على الطاولة. كانت صورة قديمة لسعاد وهي تجلس مع رجلين. أحدهما سليم. والآخر... رجل تعرفه ليان. توقفت أنفاسها. "ده..." قال آسر: "والدي." لكن هناك شخصًا ثالثًا في الخلفية. شاب. أصغر سنًا. رفعت ليان الصورة. حدقت فيه. "كريم." قال سليم: "بالضبط." --- في الخارج، بدأ المطر يزداد. وفجأة رن هاتف آسر. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. أجاب. "ألو؟" لم يتحدث الطرف الآخر. ثم جاء صوت رجل. هادئ. بارد. "وصلتكم الرسالة؟" تغير وجه آسر. قال: "كريم." ضحك الرجل. "أخيرًا." وقفت ليان. مد سليم يده. "هات الهاتف." لكن آسر لم يعطه. قال: "إنت فين؟" "قريب." "تعال." "مش دلوقتي." "إذن إيه اللي عايزه؟" صمت كريم. ثم قال: "عايز ليان." تجمدت. أغلق آسر الهاتف. قال سليم: "هو قريب فعلًا." "إنت متأكد؟" "أيوه." "إزاي؟" نظر سليم إلى النافذة. "لأنه ما كانش بيتصل." توقفت ليان. "يعني إيه؟" قال سليم: "كان جوه البيت." ساد الصمت. نظر آسر حوله. بدأ يفحص الغرفة. ثم سمعوا صوتًا. طرق خفيف على الباب الخارجي. مرة. مرتين. ثم ثلاث مرات. لم يتحرك أحد. قالت ليان: "هو هنا؟" رفع آسر يده. "خليكِ ورايا." اقترب من الباب. لكن سليم أوقفه. "استنى." "ليه؟" "الطرق ده مش عشوائي." "إيه؟" "ثلاث مرات." ثم نظر إلى ليان. "ده نفس النمط اللي كان بيستخدمه كريم زمان." تراجعت. "أنا مش فاكرة." قال سليم: "لأنك حاولتِ تنسي." ثم جاء الطرق من جديد. ثلاث مرات. قال آسر: "هنفتح." "لا." نظر إلى ليان. "لو هو، لازم نواجهه." قالت: "افتح." فتح الباب. لم يكن هناك أحد. فقط ظرف أسود على الأرض. انحنى آسر. لكن ليان قالت: "استنى." نظر إليها. "إيه؟" "أنا عارفة الظرف ده." كان نفس النوع الذي اختفى من القصر. أخذته. فتحت الظرف. هذه المرة لم تكن هناك رسالة طويلة. فقط صورة. وضعتها على الطاولة. نظر الثلاثة إليها. كانت صورة لليان وهي تقف أمام بيتها القديم. الصورة حديثة. حديثة جدًا. وعلى ظهرها جملة واحدة: "أنتِ تبحثين عن الحقيقة في الماضي، بينما الحقيقة تقف خلفك." استدار آسر فورًا. كان خلفهم مرآة كبيرة. نظر إليها. ولم يكن انعكاس الغرفة هو الشيء الوحيد الذي ظهر فيها. كان هناك ظل شخص يقف خلف الباب الداخلي. التفت آسر بسرعة. لكن لم يكن هناك أحد. ركض نحو الممر. اختفى الظل. ثم سمع صوت الباب الرئيسي يُغلق. قال سليم: "هرب." ركض آسر إلى الخارج. كانت سيارة سوداء تنطلق بسرعة في الشارع. حاول اللحاق بها، لكنه لم يستطع. عاد إلى الداخل. وجد ليان واقفة أمام الصورة. قالت: "هو كان هنا." "أيوه." "وكان بيراقبنا." "أيوه." ثم نظرت إلى سليم. "إنت قلت إن كريم كان بيحاول ياخدني." "أيوه." "لكن ليه رجع دلوقتي؟" لم يجب. قال آسر: "علشان يعرف إننا وصلنا للحقيقة." قالت: "وإيه الحقيقة الأخيرة؟" صمت سليم. ثم قال: "إن والدك لم يمت بسبب حادث." تجمدت. "إيه؟" نظر إليها. "كان مقتولًا." لم تتحرك. "لا." "ليان..." "لا." "الدليل موجود." "أنت كذاب." "أتمنى." اقتربت منه. "إنت عايز تخوفني." "أنا بقول لك اللي عرفته." "بابا مات في حادث عربية." قال سليم: "كان حادثًا مدبرًا." نظرت إلى آسر. كانت تبحث في عينيه عن نفي. لكنه لم ينفِ. قالت بصوت خافت: "إنت كنت عارف؟" "كنت شاكك." "ومخبيت عليّ؟" "ما كانش عندي دليل." "والدلوقتي؟" أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا. وضعه أمامها. "دلوقتي عندنا." فتحت الملف. وجدت تقريرًا طبيًا. ثم صورًا للسيارة. ثم تحليلًا قديمًا. وفي أسفل الصفحة ختم رسمي. "وجود آثار مادة مخدرة في دم السائق." رفعت رأسها. "بابا كان مخدرًا." أومأ. "أيوه." "مين عمل كده؟" نظر آسر إلى سليم. ثم قال: "ده السؤال اللي هنحاول نجاوب عليه." وفي اللحظة نفسها... رن هاتف ليان. نظرت إلى الشاشة. رقم والدها القديم. توقفت أنفاسها. قالت: "ده رقم بابا." أمسك آسر الهاتف. "مستحيل." لكن الهاتف ظل يرن. مرة. ثم مرة أخرى. ثم توقّف. وصلت رسالة. فتحها آسر. كانت تحتوي على موقع فقط. وموعد. الليلة — الساعة الثانية عشرة. وتحت الموقع جملة: "تعالي وحدك يا ليان، وإلا ستعرفين متأخرة من الذي كان يحميك ومن الذي كان يؤذيك." رفعت ليان عينيها. لم تقل شيئًا. لكن آسر عرف من نظرتها أنها اتخذت قرارًا. قال: "مش هتروحي." أجابته: "هروح." "لوحدك؟" "لا." نظر سليم إليها. "إذن إحنا هنروح معاكي." هزت رأسها. "المرة دي..." نظرت إلى الرجلين. "...مش هسيب أي حد يقرر عني." ثم أمسكت الهاتف. وكانت الساعة تقترب من منتصف الليل. والرسالة الأخيرة التي وصلتهم لم تكن بداية المواجهة. بل كانت الدعوة إليها.الفصل الحادي والعشرونالبيت الذي لم يكن منزلًاكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما توقفت السيارات أمام الطريق الترابي المؤدي إلى البيت.لم يكن المكان يبدو كبيت.كان مبنى قديمًا، منعزلًا عن كل شيء، تحيط به أشجار كثيفة حجبت معظم واجهته. لم تكن هناك أي أضواء في النوافذ، ولا سيارات، ولا علامة تدل على أن أحدًا عاش فيه يومًا.نزل آسر من السيارة أولًا.أغلق الباب بهدوء، ثم رفع عينيه نحو المبنى.قال:"ده هو؟"أجاب والد ليان من خلفه:"نعم."قال سليم:"شكله مهجور."رد الرجل:"منذ سنوات."نزلت ليان.كانت تحدق في البيت بطريقة مختلفة.شيء ما في المكان كان يثير داخلها شعورًا لا تستطيع تفسيره.لم تره من قبل.على الأقل هذا ما كانت تعتقده.لكن قلبها كان يقول عكس ذلك.قال آسر:"إنتِ كويسة؟"أومأت."آه."ثم أضافت:"بس حاسة إني عارفة المكان."نظر إليها آدم.كان يقف بالقرب من السيارة الأخرى، والمفتاح رقم 19 في يده.قال:"لأنك كنتِ هنا."التفتت إليه."متى؟""قبل سنوات.""وأنا صغيرة؟""نعم."سأل آسر:"مع مين؟"لم يجب آدم.بل نظر إلى والد ليان.قال:"هو يعرف."كل العيون اتجهت إلى الرجل.تنهد."كنت أحاول
تمام. سأعيد كتابة الفصل العشرين من الصفر مع الحفاظ على تسلسل الأحداث، ومن دون إعادة استخدام أي عنصر أو ذكر مرتبط بـ«باب الحمو» أو أحداث الروايات السابقة. وسأجعل الأحداث مبنية على عالم رواية «تحت سقف واحد» وشخصياتها الحالية فقط، مع الحفاظ على التشويق وكشف الأسرار تدريجيًا.الفصل العشرونالحقيقة التي أخفوهاظلّ الجميع واقفين في أماكنهم، غير قادرين على استيعاب ما حدث.كان الشاب الذي خرج من الغرفة السرية يقف أمامهم، هادئًا بصورة أثارت القلق أكثر مما أثاره ظهوره المفاجئ.لم يكن يشبه طفلًا.ولم يكن يشبه رجلًا بالغًا تمامًا.كانت ملامحه تحمل شيئًا غريبًا؛ مزيجًا من البراءة والقسوة، كما لو أن سنوات طويلة مرت عليه دون أن تمنحه فرصة ليعيشها بصورة طبيعية.كان يحمل المفتاح المعدني في يده.المفتاح الذي يحمل الرقم 19.أما ليان، فلم تستطع رفع عينيها عنه.كانت تشعر أنها تعرفه.ليس لأنها رأته من قبل في مكان حقيقي، وإنما لأنها رأته في ذاكرتها.في ذلك الجزء الغامض من طفولتها الذي ظل مغلقًا داخل عقلها لسنوات.اقترب آسر خطوة.قال بصوت متردد:"أنت مين؟"رفع الشاب عينيه إليه.ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة.ثم ق
الفصل التاسع عشرالمفتاح رقم 18لم يتحرك أحد.حتى الهواء داخل دار الحكمة بدا وكأنه توقف للحظة.كان الرجل الشاب يقف إلى جوار عبدالرحمن، ساكنًا تمامًا، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليقلب كل ما عرفه آسر عن حياته رأسًا على عقب.كان يشبهه.ليس مجرد شبه عابر.نفس العينين.نفس شكل الفك.حتى تلك الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر، التي لم يكن آسر يذكر كيف حصل عليها، كانت موجودة في الوجه المقابل.لكن هناك شيئًا آخر.شيء جعل ليان تشعر بأنها رأته من قبل.في ذكرياتها.في الغرفة البيضاء.في تلك اللحظة التي كانت تحاول فيها استعادة أول صورة حقيقية من طفولتها.كان هو.الرجل الذي وقف خلف الزجاج.الرجل الذي لم تستطع رؤية وجهه.قال آسر بصوت خرج بصعوبة:"أخويا؟"لم يجب الرجل.نظر إلى عبدالرحمن.ثم إلى والد ليان.ثم ثبت عينيه على آسر.قال عبدالرحمن بهدوء:"نعم."تقدم آسر خطوة."أنا معنديش أخ."ابتسم عبدالرحمن."هذا ما جعلناه يعتقده."قالت ليان:"جعلتموه؟"التفت عبدالرحمن إليها.كانت ملامحه هادئة بشكل مخيف."أنتِ تشبهين أمك."قالت:"أنا لا أعرفك.""لكنك تعرفينني.""من ذكرياتي؟""من ذاكرتك ومن ذاكرتهم."أشار إلى
الفصل الثامن عشرالمستوى صفرلم يكن أحد مستعدًا للنزول.بقي المصعد مفتوحًا أمامهم، وأضواءه البيضاء الباهتة ترسم مستطيلًا مضيئًا في قلب الظلام.فوق باب المصعد كانت الكلمة الوحيدة التي ظهرت على الشاشة:المستوى صفر.لم تكن هناك أرقام أخرى.لا مستوى أول.لا مستوى سفلي.ولا أي علامة تشير إلى المكان الذي سيصلون إليه.قال آسر:"محدش يدخل."نظر إلى كريم."أنت عارف إيه اللي تحت؟"لم يجب كريم.قال آسر مرة أخرى:"أبي."رفع كريم عينيه إليه."أعرف بعض الأشياء.""قولها.""المستوى صفر لم يكن موجودًا في الخرائط."قال سليم:"يعني إيه؟""يعني أنه لم يكن جزءًا من المنشأة رسميًا."تدخل يوسف:"كان موجودًا قبل المنشأة."نظر الجميع إليه.تابع:"المكان الذي بُنيت فوقه المنشأة كان يحتوي على مبنى قديم. عندما بدأ المشروع، وجدوا تحته شبكة من الغرف."قالت ليان:"غرف إيه؟""لم نعرف.""ولم تحاولوا فتحها؟"ابتسم يوسف بمرارة."حاولنا.""وماذا حدث؟""مات ثلاثة أشخاص."ساد الصمت.قال آسر:"بسبب إيه؟""لم نعرف."قالت ليان:"يعني إيه لم تعرفوا؟""لم تكن هناك علامات إصابة واضحة."اقتربت ليان من المصعد."كانوا بيموتوا إزاي
الفصل السابع عشرمن فتح الباب؟لم يكن صوت فتح الباب مرتفعًا.كان مجرد طنين معدني طويل، أعقبه صوت احتكاك شيء ثقيل بالحائط.لكن بالنسبة إلى ليان، كان الصوت أشبه بانفجار.وقفت أمام الجدار، ويدها ما زالت فوق الدائرة المضيئة.لم تتحرك.خلفها كان آسر يراقب سليم، بينما وقف يوسف وكريم في حالة استعداد، أما فؤاد فكان صامتًا تمامًا.الدكتور سامح وحده بدا مرتاحًا.كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.قال آسر:"سليم، متتحركش."رفع سليم يديه."أنا مش هتحرك."قال سامح:"الخوف يجعل الإنسان يشك في أقرب الناس إليه."رد آسر:"وأنت آخر واحد يتكلم عن الثقة."ابتسم سامح."ربما."ثم أشار إلى الباب."لكن الحقيقة موجودة خلفه."بدأ الباب ينفتح ببطء.ظهر ممر ضيق خلفه، مضاء بمصابيح بيضاء قديمة.لم يكن هناك غبار.ولا آثار إهمال.بل كان كل شيء نظيفًا، وكأن أحدًا يستخدم المكان حتى هذه اللحظة.قال يوسف:"ده مستحيل."سأله كريم:"إيه؟""المكان ده مقفول من أكثر من عشرين سنة."أجاب سامح:"كان مقفولًا."ثم دخل الممر."أما الآن، فقد عاد إلى العمل."لم يتحرك أحد.قال سامح:"ليان، تعالي."قال آسر:"هي مش هتروح معاك."نظر سا
الفصل السادس عشرالذاكرة الأولىلم يستطع آسر أن يبعد عينيه عن الرجل الواقف أمامه.كريم.والده.الرجل الذي عاش سنوات طويلة وهو يعتقد أنه مات قبل أن يعرف حتى معنى كلمة أب.كان حيًا.واقفًا أمامه.لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.كانت في الجملة التي قالها:"لم أفعل ذلك لحمايتك."نظر آسر إليه."إذن لماذا؟"لم يجب كريم فورًا.كان يحدق في ليان.وكأنه يرى أمامه شيئًا من الماضي أكثر مما يرى فتاة تقف في الحاضر.قالت ليان:"اتكلم."تنفس كريم ببطء."لأن ذاكرتك كانت تحتوي على شيء لا يجب أن يصل إلى أحد."قالت:"إيه هو؟""اسم.""اسم مين؟"نظر كريم إلى يوسف.ثم إلى الرجل الذي كان الجميع يظنه حسن.ثم قال:"اسم الرجل الذي بدأ كل شيء."قال آسر:"مين؟"اقترب كريم من الشاشة.أشار إلى الملف."الاسم موجود هنا."ضغط زرًا.ظهرت قائمة طويلة.أسماء كثيرة.ثم ظهر اسم واحد في النهاية.عبدالرحمن النجار.شهقت ليان."جدي؟"قال كريم:"ليس جدك."تجمدت."إذن مين؟"قال:"رجل كان يحمل اسم عبدالرحمن النجار."قال يوسف:"الاسم المستعار."أومأ كريم."كان اسمه الحقيقي..."توقف.ثم نظر إلى آسر."كريم."تجمد الجميع.قال آسر:"كري







