LOGINهرع تاج نحو سروة الممددة على الأرض بجسد مرتخٍ تماماً، وانحنى فوقها يتفحص نبضها بوجوم وقلق متصاعد، بينما اقتربت عمتها بخطوات مرتجفة يملأها الرعب وهي تتأمل وجه الفتاة الشاحب بشدة، والدماء الناتجة عن النزيف تشكل بركة صغيرة تحتها.
رفع تاج رأسه نحو والدته وقال بحزم وعجلة أملتها عليه خطورة الموقف: "نادي على الدكتور بسرعة يا ماما." نظرت إليه سميحة بذهول وعدم استيعاب في البداية، قبل أن تومأ برأسها بهلع، وتسرع راكضة في ممرات المستشفى الطويلة والباردة لاستدعاء الطبيب أو أي ممرضة لإنقاذ ابنة شقيقها. نُقلت سروة سريعاً على نقالة طبية إلى غرفة الفحص الطارئ، فوقف تاج ووالدته بالخارج ينتظران في قلق مر نهش أعصابهما، وكانت سميحة تفرك يديها ببعضهما برعب واهتزاز، تخشى أكثر ما تخشى أن ينكشف السر الذي تحاول جاهدة ستره ومواراته عن العيون أمام تاج الذي سيشكل الخبر صدمة كبيرة له، كما قلقها الكبير على ابنة أخيها التي طالما اعتبرتها ابنة لها. سأل تاج والدته مستفهماً وعيناه الحادتان تتفحصان ملامحها المرتبكة: "هى مالها سروة يا ماما؟ والنزيف ده سببه إيه بالضبط؟" تلعثمت سميحة لثوانٍ، وشعرت بقلبها يدق بعنف وهي تبحث عن إجابة سريعة تخرجها من هذا المأزق وتنقذ الموقف، فقالت مبررة بصوت متقطع لإبعاد الشبهات: "هتلاقيه من الزعل علشان خالك يا تاج، يعني هيكون من إيه غير كدة يا ابني؟ دي هي مكنتش بتاكل ولا بتشرب من قلقها عليه وطول الليل عياط." مرت دقائق ثقيلة كالسنين، كانت أنفاسهما فيها مسموعة وسط هدوء الممر، حتى انفتح الباب وأخيراً خرج الطبيب من الغرفة وهو يخلع قفازه الطبي بعملية. أسرعت سميحة تتقدم نحوه وتسأله بلهفة: "إيه أخبارها يا دكتور؟ طمنا عليها بالله عليك!" طمأنها الطبيب بهدوء: "هى محتاجة ترتاح تماماً، إحنا قدرنا نوقف النزيف دلوقتي، تمشي على العلاج بانتظام وتهتم بأكلها وهتبقى كويسة." في تلك اللحظة، داهم سميحة الخوف من أن يسترسل الطبيب في شرح الحالة، أو يذكر شيئاً عن حقيقة حمل سروة أمام ابنها تاج، فتضيع كل جهودها هباءً، فالتفتت لتاج وقالت بلهجة آمرة مستعجلة وهي تدفعه برفق نحو الممر الآخر: "روح أنت عند خالك اطمن عليه وخليك جنبه، وأنا هشوف سروة هنا واجي لك علطول يا تاج." أبدى تاج استغرابه الشديد من طريقتها ونبرتها التي تحمل رغبة واضحة في إبعاده عن المكان، لكنه آثر السلامة وانصرف متجهاً نحو العناية المركزة على أية حال؛ فرغم رغبة سميحة وعزمها على تزويجه من سروة لتصليح الوضع، إلا أنها خشيت بشدة أن يعلم بأمر الجنين في ممر مستشفى وبهذه الطريقة المفاجئة التي قد تصدمه. ما إن ابتعد تاج واختفى طيفه عند نهاية الممر، حتى التفتت سميحة للطبيب وعادت تسأله بصوت منخفض يكاد يكون همساً: "طب.. طب اللي في بطنها أخباره إيه يا دكتور؟ الجنين جرى له حاجة؟" أجابها الطبيب بنبرة عملية جافة: "البيبي بخير الحمد لله ولحقناه، بس لازم الحذر الشديد من هنا ورايح، لأن الإجهاد والتوتر النفسي مش كويس علشانه وممكن يسبب إجهاض كامل في أي وقت." غادر الطبيب تاركاً إياها مع أفكارها المحمومة، فدلفت سميحة الغرفة بخطوات مثقلة بالهموم ومتجهة صوب الفراش حيث ترقد سروة وجسدها موصول بالمحاليل الطبية. نظرت إليها سميحة بحزن عميق يمتزج بالضيق المكتوم؛ فبقدر ما يحزنها حال الفتاة وشقيقها الراقد في العناية، كانت تتمنى في قرارة نفسها لو تنطق سروة بالحقيقة، لو تصرخ وتبوح بما حدث لها ولا تتركهم يتخبطون في عتمة هذا الغموض والجهل الذي يكاد يفتك بالعائلة ويقضي على الأخضر واليابس. مسحت على شعرها الأسود المسترسل بحنان، وفى تلك الأثناء كانت سروة تسترد وعيها ببطء شديد، وتفتح جفونها لتتطلع لعمتها بعيون هدّها الإعياء والتعب ونقص النوم البادي في الهالات السوداء حول عينيها. سألت سروة بصوت ضعيف ومبحوح كاد لا يُسمع: "حصل إيه يا عمتو؟ أنا فين؟" أجابتها العمة بنبرة مهدئة وهي تحاول طمأنتها: "دخلنا عليكِ الأوضة أنا وتاج لقيناكي واقعة فى الأرض وبتنزفي يا حبيبي، ونقلناكي هنا علطول." ابتلعت سروة ريقها بجفاف وقالت بتوجس وخوف انقبض له صدرها وهي تنتظر الكارثة: "وبعدها؟ الدكتور قال إيه لعمتو؟" تنهدت عمتها بثقل كبير وجلست على طرف الفراش: "اطمني يا بنتي.. أنتِ واللي في بطنك بخير، النزيف وقف والدكتور طمنا." ما إن نطق فم عمتها بتلك الكلمات، حتى جمدت سروة في مكانها بألم مبرح يمزق روحها، وانفجرت تبكي بمرارة، فصاحت عمتها بجزع وهي تطوق كتفيها بضعف: "يا بنتي أحكي لي.. اتكلمي علشان خاطري حتى تفضفضي وتشيلي من على قلبك الحمل اللي هيموتك ده." لم تقو سروة على المقاومة أكثر من ذلك، فارتمت في أحضان عمتها التي طوقتها بحنان جارف، لتستند إلى صدرها وتبكي بكل حرقة وقهر كل ما يكتم أنفاسها ويحرق صدرها في الداخل دون القدرة على الإفصاح. على الجانب الآخر من المستشفى، كان تاج يقف في ممر العناية المركزة وعقله يغلي بالأسئلة والشكوك حول تصرفات والدته المريبة، وحين أقبلت أسرع نحوها والاهتمام يملأ ملامحه قائلاً: "إيه يا ماما؟ سروة أخبارها إيه دلوقتي؟" رسمت والدته ابتسامة باهتة تحاول بها إخفاء توترها وقالت: "بخير يا حبيبي هي فاقت وهترتاح شوية وتقوم بالسلامة، متقلقش عليها." تنفس الصعداء وقال: "طيب تعالى ندخل لخالو، الممرضة جوة قالتلي أنه فاق واتكلم، بس أنا مرضيتش أدخل من غيرك." أومأت برأسها موافقة، ودلفا معاً بخطوات هادئة إلى الغرفة المعقمة. كان نصير مستيقظاً، ورغم التعب الشديد البادي على ملامحه الشاحبة وجسده الموصول بالأجهزة، إلا أنه كان متيقظاً، وبدت حالته مستقرة وعلامات التحسن تظهر عليه بشكل أفضل من السابق. دنا منه تاج وعيناه تلمعان بمحبة بر بها خاله، ثم أمسك بيده وضغط عليها قائلاً بابتسامة: "عامل إيه دلوقتي يا خالو؟" ابتسم نصير بوهن شديد ورد بصوت متقطع ومتحشرج: "الحمد لله يا ابني.. حمداً لله على سلامتك." أجابه تاج بحب صادق: "الله يسلمك يا حبيبي.. يلا شد حيلك وقوم بالسلامة بسرعة علشان نقعد سوا، قعدتك وحشتني أوي والله." ارتسمت على شفتي نصير ابتسامة واهية يحاول بها مداراة قهرته وحزنه الدفين الذي يعتصر قلبه، والتفت بنظراته نحو سميحة التي كانت تقف خلف ابنها ورمقته بنظرة خفية مطمئنة تبشره بأن كل شيء على ما يرام. أما سروة، فكانت في غرفتها مستلقية على فراشها تبكي في صمت مرير تداخل مع أنين وعثاء المرض، ولم تجف مآقيها أو تتوقف دموعها الساخنة عن الهبوط منذ أن تركتها عمتها لتطمئن على والدها. كيف لروحها المعذبة أن تستريح وهذا الهم الجاثم فوق صدرها يمزق أحشاءها ويخنق أنفاسها منذ وقت طويل؟ ليتها تملك القدرة والشجاعة على البوح والاعتراف بسهولة كما تطلب منها عمتها، ليتها تستطيع أن تصرخ وتستنجد بها وتنقذ والدها من أسر ظنونه القاتلة وشكوكه التي تكاد تودي بحياته كمداً وحسرة. تضاعف نحيبها المكتوم حين انقادت ذاكرتها قسراً ورغماً عنها إلى الوراء، وتحديداً قبل ثلاثة أشهر مضت؛ لتلك الليلة المشؤومة التي انمحت فيها حياتها القديمة وتحولت لكابوس لا ينتهي. كانت عائدة من عملها في ساعة متأخرة من الليل، والشوارع شبه خالية تماماً من المارة، ولم تدرِ كيف ومتى باغتتها الأقدار، لكنها في لحظة شعرت بشخص يأتي من ورائها ويضع منديلاً مبللاً برائحة غريبة ونفاذة على فمها بقوة.. حاولت المقاومة والفكاك لكن قواها خارت تماماً وفقدت الوعي في ثوانٍ معدودة فوراً..لتستيقظ بعدها بساعات مذهولة ينهشها الذعر والارتجاف، وهي تجد نفسها في مكان ناءٍ، قذر، مهجور من كل حياة، ومجردة تماماً من كل ملابسها!وصل أمير وتاج أمام بناية سكنية قديمة بدت عليها آثار الزمن، جدرانها باهتة، ومدخلها يغرق في إضاءة صفراء خافتة تزيد المكان كآبة. رفع تاج عينيه يتأمل العمارة للحظات، ثم التفت إلى أمير وسأله بجدية:أنت متأكد إن اللوكيشن هنا؟أومأ أمير برأسه وهو يناوله الهاتف:أيوا، ده المكان اللي لقيته بعد ما تتبعت الرقم اللي بعتهولي. الإشارة وقفت هنا بالظبط.ظل تاج يحدق إلى البناية لحظة أخرى، ثم قال بنبرة ذات مغزى:تمام... أنا طالع، خليك هنا.نظر إليه أمير باستغراب وقد شعر من ملامحه أن القادم لن يكون هادئًا.هتعمل إيه يا تاج؟ارتسمت على شفتي تاج ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، وقال:هتعرف بعدين.أغلق باب السيارة بقوة واتجه نحو مدخل العمارة بخطوات ثابتة، بينما ظل أمير يتابعه بعينيه وهو يشعر بالقلق.استوقف تاج حارس العقار وسأله سريعًا عن الشقة، فأخبره الرجل أن الشقة المقصودة لا يسكن بجوارها سوى شقة أخرى تخص عائلة مسافرة منذ أيام.شكره تاج وصعد السلالم بخطوات متسارعة، وكل درجة كان يصعدها كانت تزيد الغضب المشتعل داخله.لم يكن يرى أمامه سوى وجه سروة وهي تبكي بين ذراعيه، وصوتها المرتجف يتردد في أذنيه:"اغتصبني.
تجمد تاج مكانه وهو يحدق بها، كأن الزمن توقف من حوله. ظل ينظر إليها بعينين متسعتين، بينما تابعت سروة وقد تهدج صوتها بشدة، وكأن كل كلمة تخرج من بين ضلوعها قبل أن تخرج من فمها:"علشان رفضته اغتصبني... وكان بيهددني بالفيديو اللي أنت شوفته ده... وأنا... أنا سكت... هددني بيه وأنا سكت... وفي الآخر بدل ما أكون ضحية بقيت أنا الجاني على نفسي."ساد الصمت بينهما.لم يعد يسمع شيئًا.لا صوت بكائها...ولا حتى صوت أنفاسه.كانت الكلمة الأخيرة وحدها تتردد داخل رأسه مرارًا.اغتصبني...شعر وكأن أحدهم وجه إليه ضربة عنيفة أفقدته القدرة على التفكير.في لحظة واحدة، مرت أمام عينيه كل المواقف التي عاشها معها خلال الأيام الماضية؛ صمتها الطويل، خوفها المفاجئ، انهيارها كلما اقترب منها، نظراتها المكسورة، استسلامها الغريب، ارتجافها الليلة الماضية، ثم التشنجات التي أصابتها.كان يفسر كل شيء بأنها مذنبة...أما الآن، فقد سقطت كل تفسيراتـه دفعة واحدة.لم تكن مذنبة...كانت ضحية.وكان هو أول من وقف في صف جلادها.أما سروة، فقد انهارت تمامًا. ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأخذت تبكي بحرقة حتى اهتز جسدها كله.قالت بين شهقاتها المتل
نظر تاج بعجز إلى سروة التي كانت تتشنج بعنف أمامه. حاول أن يضمها إليه حتى يمنع ارتجاف جسدها، لكن ما إن لامست ذراعاه كتفيها حتى ازدادت تشنجاتها بصورة أخافته، وأخذ جسدها ينتفض بعنف قبل أن تبدأ ملامحها في الارتخاء تدريجيًا ويثقل جفناها، وكأنها تغيب عن الوعي شيئًا فشيئًا.تراجع عنها بسرعة، وقد اجتاحه الذعر، وقف للحظات ينظر إليها بعينين زائغتين، لا يدري ماذا يفعل أو كيف يتصرف، خاصة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، حاول إجبار عقله على التفكير، حتى لمع في ذهنه فجأة مشهد اليافطة المعلقة على باب الشقة المجاورة، والتي كُتب عليها أن صاحبها طبيب.لم يمنح نفسه فرصة للتفكير أكثر، اندفع خارج الشقة راكضًا، وكاد يتعثر من شدة ارتباكه، حتى وصل إلى باب الشقة المجاورة، وراح يطرق الباب بقوة متتابعة حتى دوى صوته في أرجاء الطابق.بعد نحو دقيقة، فُتح الباب ليظهر رجل في منتصف الأربعينات من عمره، تبدو على ملامحه آثار الاستيقاظ المفاجئ.نظر إليه بانزعاج وقال:ـ إيه في إيه يا أستاذ؟ لكل الخبط ده؟أجاب تاج بصوت متقطع من شدة التوتر:ـ مراتي... مراتي أُغمي عليها وشكلها غريب، وأنا مش عارف أتصرف إزاي. شوفت من اليافطة إن
فتح تاج باب الشقة وهو يشير لسروة بأن تتقدمه، فخطت سروة للداخل تتفحص الشقة بنظرات سريعة ومتوترة.وما إن أغلق تاج الباب، حتى وقفت بتوتر لا تدري إلى أين تذهب وماذا تفعل لأنها مدركة أنها الآن أصبحت وحيدة معه. قال باستهزاء من خلفها: خدي راحتك يا عروسة أوضة النوم هتلاقيها أخر الطُرقة في وشك وأنا هنام في الأوضة التانية.ثم تركها واختفى في إحدى أركان الشقة، تنفست بارتياح خفي وحملت حقيبتها وتوجهت للغرفة التي أشار إليها، أغلقت الباب ورائها واستندت عليها للحظة قبل أن تضع حقيبتها على السرير وتخرج منها ملابس مريحة للمنزل ثم بدلت ملابسها، كانت تجلس على السرير وهي تنظر للفستان الذي كانت ترتديه بسخرية مريرة.ياله من يوم زواج!هي أيضاً كان لديها أحلام كأي فتاة، قاعة زفاف أنيقة، فستان ستخطط شهور لتصميمه، زفاف كزفاف الأميرات والأهم مع شريك حياة اختارته بعد أن تأكدت أنه سيكون الزوج المناسب لها.اشتدت قبضتها على الفستان، هي الآن مع زوج يظن بها أسوأ الظنون في وضع لم تختر أي شيء منه ولكنها مجبرة عليها إن كان ذلك ماسيغفر لها ذنبها المزعوم أمام والدها.في الخارج كان تاج يجلس على الأريكة بعد أن أبدل ملابسه، ي
كانت عمتها تجلس بجوار سريرها في المستشفى حين أفاقت.نظرت لعمتها بوجه شاحب وقالت بصوت متعب: إيه يا عمتو؟مسحت عمتها على شعرها وقالت بحنان: نزل يا حبيبتي، نزل.زفرت سروة وهي تشعر بارتياح لم تحس به منذ فترة طويلة وأغمضت عينيها لتنام إلا أن دخول تاج للغرفة لم يمكنها من هذه الراحة.قال تاج لوالدته: سروة عاملة إيه دلوقتي يا ماما؟أجابت والدته بابتسامة وهي تحدق إلى سروة: الحمدلله فاقت زي ما أنت شايف وهى كويسة والدكتور قال لو محصلش أي مضاعفات هتقدر تروح معانا بعد يومين. أومأ تاج برأسه وهو ينظر لسروة التي أشاحت بوجهها عنه وقال بصوت جامد: كويس، طالما هي كويسة وهتخرج قريب يعني مبقاش فيه داعي نستنى ونقدر نخلي الجواز بعد أسبوع!تشنجت ملامح سروة بمجرد سماع حديثه ولكنها بقيت صامتة تنتظر خروجه، إلا أن أمنيتها لم تحقق حين جلس تاج وبدأ يتبادل حديث عادي مع والدته.بالكاد كانت سروة تطيق الجلسة حتى أخيراً نهض تاج ليغادر ولكنه قال قبل أن يرحل: أنا هقول لخالي أنها وقعت وهتضطر تقعد شوية في المستشفى يا ماما علشان كان قلقان من ساعة ما سمعها بتصرخ.أومأت والدته بموافقة بينما تمسكت سروة بملاءة السرير بيدها بشدة
بقيت سميحة شاخصة البصر وتنظر لتاج بعدم استيعاب.حدق إليها تاج بتعجب ووضع يده على ذراعها: سامعاني يا ماما؟ردت سميحة ببلاهة: ها؟ ااه سمعتك بس مش مصدقة ودني.أكملت باستغراب: أنت إيه اللي غير رأيك؟تطلع تاج أمامه بتفكير لم يخبر والدته بالطبع بما حدث قبل أن يأتي وعلى أساسه حسم أمره، عاد ببصره لوالدته ويرد بجدية: فكرت كويس في الكلام اللي قولتيه ولقيت معاكِ حق، خالي ميستاهلش فضيحة زي دي وطالما في إيدي أساعده ليه معملهاش!أخفضت سميحة نظرها إلى الأرض وأجابت بحزن: مكنش ده كلامك لما قولتلك، وكان بالنسبة لك برميك لأنك مش ابني.تنهد تاج وهو يقترب منها ويُقبل رأسها: متزعليش مني ياست الكل، أنا كنت غبي في كلامي أنتِ أمي وكل حاجة ليا، أنتِ الأم الوحيدة اللي أنا عرفتها أنا بس كلامي دبش شوية وكنت متعصب ومصدوم، حقك عليا يارب كان لساني يتقط....قاطعته سميحة بلهفة تضع يدها على فمه: بعيد الشر عليك يا حبيبي، متقولش كدة على نفسك حرام.ابتسم تاج وقام باحتضانها ليقول بصوت متأثر: متزعليش مني ياماما أنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا أقسم بالله.ربتت على ظهره بحنان: مفيش أم تزعل من ابنها يا حبيبي ربنا يحفظك ليا يارب.
كررت سميحة كلماتها بحسم:"قوم يا نصير قوم والفضيحة عمرها ما هتحصل أنا هجوز سروة لتاج ابني."تحركت يد نصير التي تمسك بها فنادته بلهفة، أفاق ببطء وهو ينظر حوله بتعب حتى وقع بصره على أخته التي تراقبه بقلق ممزوج بفرحة إفاقته.كان ينظر لها بتعب فضغطت على يده وهي تبكي من الارتياح:"حاسس بأيه؟"تحولت نظرا
تجمد كل من سميحة وسروة في مكانهما حين سمعتا طرقاً عنيفاً ومتتالياً على الباب الخارجي، كأن من يطرق ينوي تحطيم الباب.نهضت سميحة بسرعة وخرجت لتفتح الباب، فتفاجأت بجارهم يقول لها بصوت عالي:"الأستاذ نصير وقع في الشارع والإسعاف خدته على المستشفى دلوقتي!"حدقت إليه سميحة بصدمة:"إيه! مستشفى إيه دي؟"رد
نهضت أخته شاحبة الوجه، وقالت في فزع وهلع:"نصير! أنت بتقول إيه! تقتل بنتك؟"حدق إليها بنظرات غاب عنها العقل، وقد سيطر عليه جنون مطبق وهو يصيح:"هعمل اللي المفروض يتعمل! أقتلها وأحافظ على شرفي اللي مرمغته في التراب!"ثم أسرع متجهاً صوب غرفة سروة، وركضت شقيقته خلفه لتمنعه من ارتكاب فعل متهور يؤدي إلى
حامل يعني إيه؟ أنت مجنون! دي لسة آنسة!"رد الطبيب بتوتر وهو يحاول مداراة الموقف ويتجنب النظر في عيني الأب وقد استنتج من ردة فعله الوضع:"والله يا فندم ده التشخيص بتاعي، أنا كشفت عليها وهي حامل فعلاً، ويمكن داخلة في الشهر الثالث كمان." جمدته الصدمة مكانه، ونزلت الكلمات عليه كالصاعقة، فلم يعد يعرف بم







