تسجيل الدخولايما
كانت الأضواء تملأ المسرح، وصراخ الجمهور يتعالى شيئًا فشيئًا هاتفًا باسم ديلان، كنت مشغولة بالتحضير للحفل مع ماركو وجاك، الذين يشرفون على تجهيز كل شيء. نظرت نحو المسرح شاردة الذهن وتذكرت ما دار بيننا بالامس حين اقترب مني للغاية على الاريكة اصبحت ضربات قلبي عنيفة حينها ظننت انه قد يقبلني. " لم تتغيري كثيرًا ايما، ربما قد ازددتي وزنًا فقط" قال تلك الجملة ساخرًا، اللعين لا يفعل شيئًا سوى إثارة اعصابي. "خمس دقائق ويحين موعد صعود ديلان للمسرح تجهز يا ديلان." قال أحد المعدين بصوت مرتفع فأخرجني من شرودي. ذهبت إلى غرفته لكنني لم أجده، كان هاتفه ملقى على الأرض بفوضوية إلى جانب كل شيء في الغرفة التي انقلبت رأسًا على عقب وبالتأكيد ديلان من فعل ذلك. شل تفكيري تمامًا في هذه اللحظة أين يمكن أن يكون ذهب الآن؟ لا يمكن أن تكون إحدى نوبات جنونه في وقت كهذا وفي حفل مهم كهذا، ستتدمر مسيرته الفنية بل والشركة بأكملها وأنا سأصبح مشردة تمامًا إن حدث هذا الشيء. شددت شعري بعصبية واتصلت على ماركو وأخبرته أنني لم أعثر على ديلان أبدًا ربما يساعدني في ايجاده او على الاقل يخبرني بمكانه فهو صديقه المفضل. أتى ماركو راكضًا إلى الغرفة وتفقد هاتف ديلان حتى وجد أن المكالمة الأخيرة كانت مع راين شقيقه. "هذا أسوأ ما كنت أتوقع حدوثه" قال ماركو بغضب وهو يرجع شعره للخلف ويحكم قبضته على الهاتف، لم افهم الى اي مدى تضررت علاقتهم، ولكن على ما يبدو فإن ماركو يعرف جيدًا كيف تسوء حالة ديلان ان تواصل مع شقيقه بأي طريقة وهذا ما يشغل فكري، هل عرف ديلان بما حدث في الماضى؟ أم أنه مجرد خلاف أسري عادي. يا إلهي، هذا ما كان ينقص يومهم حقًا! أن يفسد الحفل وتتدمر الشركة بسبب مكالمة غبية. "لنبحث عنه في المبنى لا يوجد حل آخر سوى ذلك لا يمكن أنه استطاع الخروج وسط كل هؤلاء المعجبين" قال ماركو مفكرًا بمنطقية فأومأت موافقة ثم خرجنا نبحث عنه في كل مكان بالمبنى. لقد بحثت في كل مكان قد يكون به حتى أو لا حتى أنني ذهبت إلى السطح وغرف المكياج والاستوديو، ولكنني لم أجده بأحدها رغم ذلك، لاحت أمام عينيّ لافتة مرحاض الرجال فابتلعت ريقي بتوتر قبل أن أغمض عينيّ وأدخل إنه عمل، لذا لا بأس على ما أعتقد. كان المرحاض فارغًا، ما عدا بابًا واحدًا مغلقًا في المنتصف تسارعت ضربات قلبي عندما سمعت شهقات متتالية باكية من الداخل. "ديلان هل هذا أنت؟ هل أنت بالداخل؟" سألت بقلق ولكنني لم أحصل على إجابة أبدًا. "هاي، ديلان هايز هل أنت بخير؟ أجبني من فضلك" سألت مجددًا بتوتر وصوت الشهقات كان يختفي تدريجيًا. ثوانٍ حتى فتح الباب وخرج منه ديلان وجهه القاسي الذي بدون تعبيرات يزداد تجهمًا شيئًا فشيئًا، ولكن عيناه حمراوان كما أنه تفوح منه رائحة السجائر وكأنه كان في نوبة بكاء أنفه كان أحمر، وشعره مبعثر وهناك خدش بسيط بجبهته. "ما الذي تفعلينه في مرحاض الرجال؟ هل أنتِ منحرفة؟" سأل بصوت رجولي غليظ بحدة ساخرًا، وهو يخفي ما بداخله. كم شعرت بغصة في قلبي عندما رأيته بهذا الحال ديلان الذي يعرفه الجميع بالقاسي المجنون الذي لا يهتم لأحد، إنه هش للغاية من الداخل الآن ويحاول إخفاء ذلك. اقتربت حتى أعانقه مواسية إياه لكنه دفعني بقوة رافضًا أن أقترب منه. "ما الذي تحاولين فعله؟ واللعنة!" قال بحدة بعد أن أبعدني عنه تمامًا. "سترتاح عندما تبكي سيد هايز لذا يمكنك استعارة كتفيّ للبكاء، رغم أنني لا أعلم ما بك ولكنني أحاول مساعدتك على أي حال " قلت بهدوء مفسرة وأنا أتحدث بطريقة رسمية لا أود ان يفهم تعاطفي بشكل اخر يكفي ما حدث بيننا ف الماضي. فابتسم بسخرية وهو يطالعني من أعلى إلى أسفل أنا أود أن أشكر حقًا من لقبه بالمجنون. "وفري تلك الشفقة لنفسك" قال بحدة مجددًا وهو يدفعني. نظرت إلى ساعة يدي بسرعة "إنه وقت صعودك إلى المسرح ديلان، أنت لست تفكر بالهروب أليس كذلك؟" سألت بقلق وأنا أتابع لغة جسده "أنا لست مغفلًا لتلك الدرجة التي أدمر بها حياتي" قال ديلان بسخرية وسار أمامي متجهًا نحو غرفة الإعداد مجددًا. أمسكت يده قلقة قبل أن يفتح الباب "انتظر لحظة" همست وأخرجت من حقيبتي لاصقة طبية ثم وضعتها على جبهته ورتبت شعره حتى تختفي تمامًا أخرجت زجاجة عطر ورششته حوله حتى أخفي رائحة السجائر تلك التي تحوم حوله. "إن تسببت بمشكلة، فالسيد مورغان سيلقي باللوم عليّ أنا لذا عليّ إخفاء آثار جرائمك" قلت بهدوء ثم ابتعدت عنه فابتسم بسخرية مجددًا ثم توجه نحو الداخل. "واللعنة ديلان! أين كنت؟" صاح جاك مورغان بغضب فور ان لمحنا امامه. "آسفة، سيدي لقد استغرق وقتًا حتى يتجهز هذه غلطتي أنا" قلت وانحنيت معتذرة فتخطاني ديلان مرتديًا سماعته وصعد إلى المسرح دون أن يعير انتباهًا لأي كلمة مما قالها المدير جاك أو حتى مما قلته أنا. عم السكون القاعة فور دخوله، ليعلو صوته الملائكي شيئًا فشيئًا ثم أخذت الأغنية منعطفًا آخر ليبدأ الصخب ويقفز هنا وهناك عازفًا على جيتاره الحبيب إنه حقًا مجنون... مجنون ذو موهبة فذة. ولا أعلم إلى أي مدى يمكننى تحمل جنونه هذا؟ يبدو أنني من سيفقد عقلي أثناء عملي معه، لقد كان منذ دقائق فقط في نوبة ما لا أعلم إن كانت نوبة غضب أم نوبة هذيان ولكنه الان في كامل طاقته يضحك مع الجمهور و يضيف أجواءً. هذا كان الجنون بعينه!ديلان كانت جلسة التصوير صامتة، المصور كان يوجهني وأنا كنت أتبع تعليماته آليًا، ابتسم هنا انظر هناك، أدر رأسك قليلاً، ارتد هذه النظارة، اخلعها، ارتد الأخرى. كانت عيناي ترى الكاميرات، لكن قلبي كان في مكان آخر، كان معها لم أستطع التركيز، كانت كلماتها لا تزال تتردد في رأسي مثل أغنية حزينة لا تتوقف "أنت لن تصدقني هذه المرة أيضًا" رأيت الدموع تتجمع في عينيها. "رائع يا ديلان! هذه العيون! هذه النظرة الحزينة بالضبط ما أردته!" قال المصور لم أكن أعرف أن حزني كان بهذا الوضوح، كنت أعتقد أنني أجيد التمثيل، أجيد إخفاء ما بداخلي خلف ابتسامة مصطنعة، لكن الكاميرا لا تكذب والصور لا تخفي شيئًا. انتهت الجلسة أخيرًا، كان الجميع يصفقون والمخرج يقول إن الصور ستكون الأفضل في الحملة، جاك كان مبتسمًا وماركو كان منهمكًا في مكالمة هاتفية ربما يحل مشكلة جديدة من مشاكلي التي لا تنتهي. وقفت وحدي في زاوية الاستوديو، أنظر إلى يدي، وأتساءل ماذا أفعل الآن؟ أين أذهب؟ كيف أواجهها بعد ما حدث؟ تراجعت إلى غرفة الاستراحة الخاصة بي، كانت مظلمة، باردة، والطاولة زجاجية تعكس وجهي المتعب، جلست على الأريكة ووضعت رأسي بين
إيماأغلقت باب غرفتي خلفي واستندت عليه بكل ثقلي.كان قلبي يدق كالمجنون، وأنفاسي تتسارع كمن ركضت ميلاً كاملاً دون توقف. أغمضت عينيّ، وحاولت أن أتنفس، لكن الهواء لم يصل.سمعت خطواته في الأسفل، كانت تتحرك ذهابًا وإيابًا، كما لو كان يحاول أن يقرر شيئًا ولا يستطيع. ثم توقفت ثم سمعت باب غرفته يغلق، لم يأتِ إليّ. ولم أذهب إليه.كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحول كل شيء جميل بيننا إلى هذا الألم؟انزلقت ببطء على الباب حتى جلست على الأرض الباردة. كان الخشب باردًا تحت جسدي، ضممت ركبتيّ إلى صدري، وأحطت ذراعيّ حولهما، وتركت الدموع تسقط بحرية. تذكرت كلماته"لو كنتُ أعلم أنكِ هنا دائمًا... لما أحببتها يومًا"كانت الكلمات التي انتظرتها لسنوات، الكلمات التي كنت أتمنى لو قالها لي في الجامعة قبل أن تدمر إيزابيلا كل شيء بيننا، كنت أتخيلها في أحلامي كيف سيكون وجهه عندما يعترف، كيف سترتجف يداه، كيف سأنهار أنا في حضنه.لكنها جاءت متأخرة، متأخرة جدًا.. وكانت مؤلمة أكثر من أي صمت. لأنها جاءت في لحظة انهيار، في لحظة لم تعد الكلمات فيها كافية لترميم ما تحطم.نهضت بصعوبة، وتوجهت إلى السرير، كانت قدماي تترنحان كمن يمشي
ديلان "لا أستطيع التظاهر بأن كل شيء على ما يرام."كانت كلماتها لا تزال تتردد في رأسي كصدى لا يموت، تنحوت في جدران جمجمتي كأغنية حزينة لا تتوقف. نظرت إليّ بعيون تحترق بالدموع والغضب، وكان جسدها يرتجف كمن يقف على حافة انهيار، كمن يوشك أن يسقط في هاوية لا قرار لها.وقفت من على الطاولة، ويداها ترتجفان كأوراق الخريف في ليلة عاصفة. تنفست بعمق، وكأنها تحاول جمع ما تبقى من نفسها المتناثرة على الأرض، من كرامتها المبعثرة بين كلماتي الجارحة وصمتي الخائن."لنحافظ على الحدود بيننا، ديلان." قالت بصوت هادئ، لكنه كان حادًا كالسيف، كشفرته التي تقطع الأمل قبل أن يولد. "هذا أفضل لنا. لك ولأعمالك ولصورتك ول...""أنا أفعل ما يحلو لي." قاطعتها. كانت كلماتي باردة، جامدة كجدار من حجر، كجدار بنيته حول قلبي منذ أن تركتني أمي وأنا لا أزال طفلاً.صمتت للحظة. نظرت إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليّ مجددًا. كانت دامعة، لكنها لم تبكِ. كانت تمسك دموعها كما تمسك بجرح لا يريد أن ينزف، كما تمسك بسر لا تريد أن يفضحها."هذا أنت دائمًا " همست "لننسَ ما قلته، الكلام لن يغير شيئًا، هذا كان أثر الكحول فقط، لم يحدث شيء."استدارت
ديلانخرجت من الحفل وأنا أشعر بثقل الساعات الماضية على كتفيّ، الموسيقى الهادئة، الابتسامات المصطنعة، كلها كانت تختلط في رأسي طوال الوقت. تركت الحفل خلفي، وعدنا إلى المنزل الصامت، كان المنزل فارغًا، باردًا، كأن الحياة توقفت عند عتبة الباب.لم نتحدث ببنت شفة وذهب كل منا لغرفته، كنت بحاجة الى حمام ساخن يزيل تلك الافكار عن رأسي وعندما خرجت لم اجدها، حاولت الاتصال بها ولم اجد ردًا.غرفة المعيشة كانت فارغة، المطبخ كان فارغًا حتى الاستوديو الخاص بي كان خاليًا من أي صوت.صعدت الدرج بسرعة، وقلبي بدأ يدق بشكل أسرع أين هي؟ لماذا لا ترد على هاتفها؟وصلت إلى باب غرفتها، كان مفتوحًا قليلاً دفعته برفق، فانفتح على غرفة مظلمة، رائحة عطرها كانت لا تزال عالقة في الهواء، ثم رأيت باب الشرفة مفتوحًا.الستائر البيضاء كانت تتحرك برفق مع الريح، وكأنها تهمس باسمها.توجهت نحوها بخطى ثقيلة، كانت شرفة صغيرة، تطل على الحديقة الخلفية، القمر يلقي بظلاله الفضية على الأرض كأنه يبحث عن شيء فقده.وجدتها هناك، كانت جالسة على أرض الشرفة الباردة، وساقاها ممدودتان أمامها، وظهرها مستند إلى الدرابزين الحديدي، كانت ترتدي قميص
إيما كانت الموسيقى بطيئة، كأنها تعزف على أوتار قلبي لا آذان الحاضرين، وقفت على أطراف حلبة الرقص، أراقب الأجساد المتمايلة. وفي وسط كل هذا، كان ديلان يتحدث مع ليزلي ويبتسم امسك يدها ورقصا سويًا، شعرت بنبضات قاسية داخل قلبي، ثم شعرت بيد على كتفي.ارتعشت للحظة، ثم التفت.ماركو كان واقفًا خلفي، مبتسمًا ابتسامة خفيفة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة، كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وربطة عنق زرقاء داكنة، وكانت عيناه تلمعان تحت أضواء الحديقة كأنهما نجمتان بعيدتان."هل لي بهذه الرقصة، سيدة ريفيرا؟" قال بنبرة ساخرة مقلدًا رجال الأعمال الذين كانوا يتهافتون على جايدا طوال الليل. ضحكت رغمًا عني "لا أظن أنني خيار جيد للمغازلة الليلة، ماركو""أنتِ الخيار الوحيد الذي لا يسبب شائعات، على الاقل ليس معي" همس وأخذ بيدي برفق، كانت كفه دافئة وقوية "تعالي، فقط دقيقة واحدة جايدا ستنظر إلينا وستشعر بأن الحفلة ناجحة""حسنًا " تنهدت وتركت نفسي تُقاد إلى وسط حلبة الرقص.وضعت يدي على كتفه بينما وضع يده الأخرى على خصري، بدأنا نتحرك ببطء على إيقاع الموسيقى الهادئة، وكانت الخطوات خفيفة، كأننا نطفو على سطح الماء."ل
ديلان تمايلت للخلف وكادت ركبتاي أن تتهاويان لولا أن ماركو أمسك بي من كتفي، كان طعم الدم يملأ فمي وشفتي السفلى انتفخت فورًا تحت أناملي المرتجفة.زاك كان لا يزال واقفًا أمامي قبضته مشدودة، وعيناه تشتعلان غضبًا."هذه المرة كانت تحذيرًا " همس زاك بصوت محتقن.تقدمت إيما بسرعة، ووضعت يدها على صدر زاك تدفعه إلى الخلف."زاك، كفى! أرجوك... أنا بخير، سأحدثك لاحقًا ولكن ليس الآن من فضلك زاك، عليك أن تغادر"تردد زاك للحظة، نظر إليها ثم إليّ ثم أرخى قبضته ببطء."أنتِ تطلبين مني الابتعاد؟ بعد كل ما فعله بكِ؟" سألها بصوت خافت لكنه كان يسمعني بوضوح."أنا أطلب منك أن تثق بي" قالت إيما وعيناها لم تبرحا وجهه "سأتصل بك، أعدك"تنهد زاك بعمق ثم استدار وغادر دون أن ينطق بكلمة، وتبعه ماركو ليغلق الباب خلفهما، بقيت أنا وإيما وحدنا.كانت الغرفة صامتة، باستثناء أنفاسي الثقيلة رفعت إيما يدها ببطء، ولمست شفتي المتورمة بأطراف أناملها الباردة."هل يؤلمك كثيرًا؟" همستلم أجب، كان ألم جسدي لا شيء مقارنة بألم كلماتها قبل أن أغيب، كلماتها التي لا تزال عالقة في صدري كسهم مسموم." أنا آسف "...اليوم التالي"لن أذهب"كا







