Home / الرومانسية / ثلاثة أيام للرحيل / الفصل — ما بعد منتصف الليل

Share

الفصل — ما بعد منتصف الليل

Author: Lazaar
last update publish date: 2026-08-25 20:13:46

خرجت من الحانة دون أن ألتفت خلفي.

كان الهواء البارد في الخارج مختلفًا تمامًا عن حرارة المكان وضجيجه. أغلقت باب السيارة وجلست خلف المقود، ثم بقيت للحظات أحدق أمامي دون أن أشغل المحرك.

لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل.

ولم أكن أرغب في العودة إلى أي مكان أعرفه.

كنت بحاجة إلى مكان لا يسألني فيه أحد عن سبب تعبي، ولا يلاحظ احمرار عيني، ولا يحاول معرفة ما يدور في رأسي.

أدرت المحرك، وانطلقت.

قدت دون وجهة محددة، تاركة شوارع نيويورك تمر من حولي. أضواء المحلات، السيارات القليلة التي تعبر الطرقات، والمباني التي بدأت تخفت نوافذها واحدًا تلو الآخر.

بعد فترة، توقفت عند مكان هادئ بعيد عن صخب وسط المدينة.

أطفأت المحرك وترجلت.

كان هناك مقعد يطل على منظر هادئ للمدينة، والهواء باردًا بما يكفي ليجعلني أضم ذراعي إلى صدري.

جلست.

ولم أفعل شيئًا.

فقط جلست هناك.

مرّت عشر دقائق.

ثم عشرون.

ثم بدأت أفقد إحساسي بالوقت.

كنت أراقب الأضواء البعيدة، وأفكر في كل شيء حدث خلال هذا اليوم.

في الصباح كنت أعود إلى شركتي.

وفي الظهيرة وجدت نفسي في اجتماع مع تامر.

وبعدها واجهته في المطعم.

ثم ذهبت إلى الحانة لأهرب من أفكاري، وانتهى الأمر بتدخل تامر مرة أخرى.

أطلقت ضحكة قصيرة بلا فرح.

«يبدو أنه لا يريد أن يتركني حتى أكره نيويورك.»

قلت ذلك لنفسي، ثم سكت.

لم أكن أعرف لماذا كان ظهوره يربكني رغم أنني لم أعد أريده في حياتي.

ربما لأن خمس سنوات لا تختفي في أسبوع ويومين.

يمكن للعقل أن يفهم أن العلاقة انتهت.

لكن القلب...

يحتاج وقتًا أطول.

نظرت إلى يدي.

كانت هناك أشياء كثيرة تنازلت عنها من أجله.

أشياء لم يكن يعرف حتى أنني فعلتها.

ولم أعد أعرف هل كان يؤلمني أنه لم يلاحظها، أم أنني فعلتها أصلًا من أجل شخص لم يقدّرها.

بقيت هناك قرابة ساعة ونصف.

ساعة ونصف لم أتحدث فيها مع أحد.

لم أفتح هاتفي إلا مرة واحدة لأرى رسالة من سلمى تسألني إن كنت وصلت إلى المنزل.

كتبت لها:

«نعم، لا تقلقي.»

ثم أغلقت الهاتف.

لم أخبرها أنني لم أكن في المنزل أصلًا.

بعد ساعة ونصف تقريبًا، وقفت.

شعرت بأن رأسي أصبح أثقل، لكن شيئًا بداخلي أصبح أهدأ.

عدت إلى سيارتي.

هذه المرة، قدت مباشرة إلى المنزل.

---

كان الوقت متأخرًا جدًا عندما وصلت.

دفعت باب المنزل ودخلت بهدوء.

لكنني فوجئت بأن أفراد عائلتي كانوا لا يزالون مجتمعين في الصالون.

كانت أمي جالسة إلى جانب أبي، بينما كان آدم يتحدث معه في شيء ما.

ما إن دخلت حتى التفتوا جميعًا نحوي.

رفعت أمي حاجبيها.

«لمياء؟ أين كنتِ كل هذا الوقت؟»

نزعت معطفي بهدوء.

«خرجت قليلًا.»

نظر أبي إلى الساعة.

«قليلًا؟ لقد تأخر الوقت.»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«أعرف.»

كانت أمي على وشك أن تسألني شيئًا آخر، لكنني سبقتها:

«مساء الخير.»

قالت:

«مساء النور يا ابنتي، تعالي واجلسي معنا قليلًا.»

هززت رأسي.

«ليس الليلة يا أمي. أنا متعبة جدًا.»

تدخل آدم، وكان يراقبني منذ دخلت:

«هل أنتِ بخير؟»

نظرت إليه.

«نعم.»

كانت إجابتي سريعة أكثر مما ينبغي.

لكنه لم يضغط.

قال فقط:

«حسنًا.»

ابتسمت لهم.

«تصبحون على خير.»

ردت أمي:

«تصبحين على خير.»

صعدت الدرج ببطء.

لم أشعر أنني أملك طاقة لأي حديث آخر.

---

دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي.

خلعت حذائي وتركت حقيبتي على الكرسي، ثم اتجهت مباشرة إلى الحمام.

كنت بحاجة إلى التخلص من آثار هذا اليوم.

بعد فترة خرجت بثياب مريحة، وشعري لا يزال مبتلًا.

وقفت أمام المرآة للحظات.

مددت يدي نحو مجفف الشعر، ثم تراجعت.

لم أملك الطاقة.

«غدًا.»

تمتمت.

«سأجففه غدًا.»

اتجهت إلى السرير.

جلست للحظة، ثم استلقيت دون أن أهتم بأن شعري المبتل بدأ يبلل الوسادة.

سحبت الغطاء فوقي.

أغمضت عيني.

لكن قبل أن يغلبني النوم، عادت إلى ذهني صورة واحدة.

تامر وهو يقف أمامي في الحانة.

ثم صوته:

«ألم تسمعي عندما قالت لا؟»

فتحت عيني للحظة.

ثم أغلقتها مجددًا.

لم أكن أعرف إن كان ما أزعجني هو تدخله...

أم أنني ما زلت أتأثر بوجوده رغم كل شيء.

لكنني كنت متعبة جدًا لدرجة أنني لم أجد جوابًا.

وبعد دقائق قليلة...

غلبني النوم.

بشعري المبتل، وملامحي المتعبة، وكل الأسئلة التي لم أملك الليلة طاقة للإجابة عنها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثلاثة أيام للرحيل   الفصل — صباح جديد

    استيقظتُ على ألم خفيف يطرق رأسي بإصرار.فتحت عيني ببطء، وبقيت للحظات أحدّق في سقف الغرفة، أحاول أن أستوعب أين أنا.كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر، يرسم خطوطًا شاحبة على أرضية الغرفة، بينما ظل جسدي غارقًا في ثقل النوم.ثم عادت تفاصيل الليلة الماضية دفعة واحدة.الحانة.سلمى.الرجل الثمل.وتامر.توقفت أفكاري عند اسمه.أغمضت عيني بضيق، وكأن مجرد تذكره تسبب في صداع آخر.لماذا كان عليّ أن أراه مرة أخرى؟لماذا، بعد أسبوع ويومين فقط من انتهاء كل شيء، كان يظهر أمامي في كل مكان أذهب إليه؟تنفست ببطء، ثم جلست على طرف السرير.كان شعري لا يزال رطبًا من الليلة الماضية، وبعض خصلاته التصقت بوجهي وعنقي. مررت أصابعي خلاله، وشعرت بثقل جسدي كله.ربما بسبب قلة النوم.وربما بسبب الكمية التي شربتها.لكنني لم أرد التفكير في الأمر.«ليس لدي وقت لهذا.»قلتُها لنفسي، وكأنني أوبخ الجزء الضعيف مني.نهضت ودخلت الحمام.تحت الماء الدافئ، أغمضت عيني وتركت رأسي يستند للحظات إلى الجدار.كنت أريد أن أترك كل شيء خلفي.وذلك الشعور الغبي الذي ظل يرافقني منذ رأيته.لم أكن أريد الاشتياق إليه.ولم أكن أريد كراهيته أيضًا.

  • ثلاثة أيام للرحيل   الفصل — ما بعد منتصف الليل

    خرجت من الحانة دون أن ألتفت خلفي. كان الهواء البارد في الخارج مختلفًا تمامًا عن حرارة المكان وضجيجه. أغلقت باب السيارة وجلست خلف المقود، ثم بقيت للحظات أحدق أمامي دون أن أشغل المحرك. لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل. ولم أكن أرغب في العودة إلى أي مكان أعرفه. كنت بحاجة إلى مكان لا يسألني فيه أحد عن سبب تعبي، ولا يلاحظ احمرار عيني، ولا يحاول معرفة ما يدور في رأسي. أدرت المحرك، وانطلقت. قدت دون وجهة محددة، تاركة شوارع نيويورك تمر من حولي. أضواء المحلات، السيارات القليلة التي تعبر الطرقات، والمباني التي بدأت تخفت نوافذها واحدًا تلو الآخر. بعد فترة، توقفت عند مكان هادئ بعيد عن صخب وسط المدينة. أطفأت المحرك وترجلت. كان هناك مقعد يطل على منظر هادئ للمدينة، والهواء باردًا بما يكفي ليجعلني أضم ذراعي إلى صدري. جلست. ولم أفعل شيئًا. فقط جلست هناك. مرّت عشر دقائق. ثم عشرون. ثم بدأت أفقد إحساسي بالوقت. كنت أراقب الأضواء البعيدة، وأفكر في كل شيء حدث خلال هذا اليوم. في الصباح كنت أعود إلى شركتي. وفي الظهيرة وجدت نفسي في اجتماع مع تامر. وبعدها واجهته في المطعم. ثم ذهبت إلى الحانة

  • ثلاثة أيام للرحيل   لم أطلب مساعدتك

    كانت الموسيقى لا تزال مرتفعة، والأضواء تتحرك فوق الوجوه المتداخلة.كنت أرقص مع سلمى، أحاول أن أترك نفسي للموسيقى، وأن أتوقف عن التفكير في كل ما حدث خلال الأيام الماضية.لم أكن بحاجة إلى أن أبحث عنه.كنت أعرف أنه موجود.وفي كل مرة كانت عيناي تقعان على الجهة التي يجلس فيها، كنت أجد تامر هناك.يراقبني.تجاهلته.لم أعد أريد أن أمنحه أي شيء.لا نظرة.ولا كلمة.ولا حتى فضولًا.بعد قليل، ابتعدت سلمى لتحضر شيئًا من المشروبات، وبقيت وحدي وسط الحشد.اقترب مني رجل بدا أنه شرب أكثر مما ينبغي.وقف أمامي، ثم ابتسم ابتسامة ثقيلة.«أنتِ وحدك؟»تجاهلته وأكملت الرقص.لكنه لم يبتعد.اقترب أكثر.«سألتك إذا كنتِ وحدك.»نظرت إليه ببرود.«وهذا لا يعني أنك مدعو للبقاء هنا.»ضحك.«أعجبتني.»أدرت وجهي.«وأنا لم يعجبني اقترابك.»حاول الإمساك بيدي.سحبتها فورًا.«ابتعد.»لكنه لم يستمع.اقترب أكثر، وحاول أن يضع يده على ذراعي.تجمدت للحظة.ثم قلت بوضوح:«لا تلمسني.»لكنه ابتسم وكأن رفضي مجرد لعبة او يحسب اني امزح معه.«اهدئي، لن يحدث شيء.»دفعت يده عني.«قلت لك ابتعد ايها الحقير الا تفهم رّفض.»في اللحظة التالية،

  • ثلاثة أيام للرحيل   الفصل — صدفة أخرى

    الفصل — صدفة أخرىكنت لا أزال جالسة على الأرض، مستندة إلى باب غرفتي، حين رن هاتفي مرة أخرى.رفعت رأسي بتعب، ومددت يدي نحوه.كانت سلمى.ترددت للحظة قبل أن أجيب.«مرحبًا.»جاءني صوتها من الطرف الآخر:«أخيرًا أجبتِ! ظننت أنكِ غيرتِ رقمك أو قررتِ اختفاءك تمامًا.»ابتسمت بخفة.«لم أختفِ.»«أعرف، لكنني لم أركِ منذ أن عدتِ، وهذا غريب. آخر مرة رأيتك فيها كانت قبل أسبوع تقريبًا، وأنتِ بالكاد خرجتي معنا لليلة واحدة منذ ان عدتي الى نيويورك.»«كنت مشغولة.»«واضح.»ثم سكتت قليلًا قبل أن تقول:«أنا في حانة مع بعض الأشخاص والأصدقاء، وتعالي استمتعي معنا.»«الآن؟»«نعم، الآن.»ضحكت.«سلمى، أنا متعبة.»«لن أطلب منكِ أن تسهري حتى الصباح. تعالي ساعة واحدة فقط، نتحدث قليلًا، وبعدها عودي إلى منزلك.»نظرت إلى الغرفة حولي.لم أكن أريد البقاء وحدي أكثر.«حسنًا.»«رائع. أرسلت لكِ الموقع.»---بعد فترة، دخلت الحانة.كانت الموسيقى مرتفعة والأضواء خافتة، والناس يتحركون بين الطاولات ومساحة الرقص.رفعت عيني أبحث عن سلمى.وجدتها تلوح لي من بعيد.لكن قبل أن أتجه إليها، توقفت عيناي للحظة.تامر.كان جالسًا في الجهة الأ

  • ثلاثة أيام للرحيل   الفصل — خلف الباب

    الفصل — خلف البابعدتُ إلى الطاولة بخطوات هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث.جلست في مكاني، ورفعت عيني نحو إلياس.كان ينظر إليّ.لم يقل شيئًا في البداية، لكنه ظل يراقبني لثوانٍ أطول مما ينبغي.أخذت كوب الماء وارتشفت منه.«لماذا تنظر إليّ هكذا؟»أجاب بهدوء:«لأنكِ تغير مزاجك.»توقفت يدي.«لم أتغير.»«قبل دقائق كنتِ تتحدثين معي بشكل طبيعي.»ثم نظر إلى وجهي.«والآن تبدين وكأنكِ تحاولين كبح نفسك و تظاهر بأنكِ بخير.»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«أنا بخير.»لم يقتنع.«هل أنتِ متأكدة؟»«نعم.»«لستِ مضطرة إلى إخباري بما حدث.»نظرت إليه.«لأنه لم يحدث شيء.»هز رأسه ببطء.«حسنًا كما ترين.»لم يضغط علي.وهذا جعل الأمر أسهل علي.وضعت يدي على حقيبتي وقلت:«أعتقد أنني سأعود إلى المنزل.»«الآن؟»«نعم. أشعر بالتعب قليلًا.»نهض إلياس فورًا.« هل انتي بخير هل تحتاجين الذهاب للمستشفى ؟ »اجبته بسرعة :« لا احتاج الى المستشفى فقط تعب خفيف »« اذا سأوصلك.»نظرت إليه.«لا داعي، أستطيع العودة وحدي.»«أعرف أنكِ تستطيعين.»ابتسم.«لكنني عرضت فقط.»ترددت للحظة، ثم أومأت.«حسنًا.»---طوال الطريق، لم يتحدث إلياس كثيرًا.وكأن

  • ثلاثة أيام للرحيل   الفصل — أشياء لم يعرفها عني

    خرجت من مبنى الشركة برفقة إلياس، بينما كانت شمس الظهيرة تنعكس على واجهات المباني الزجاجية وتغمر شوارع نيويورك بضوء ذهبي هادئ.لم نتحدث كثيرًا في الطريق.كان إلياس يقود سيارته بهدوء، وبين الحين والآخر كان يرمقني بنظرة سريعة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا ثم يتراجع.وحين وصلنا إلى المطعم، ترجل من السيارة وفتح لي الباب.«تفضلي.»نظرت إليه بابتسامة خفيفة.«شكرًا.»دخلنا المطعم، واختار إلياس طاولة هادئة بعيدة عن بقية الزبائن. جلست قبالته، بينما وضع هاتفه جانبًا، وكأنه قرر أن يترك العمل خارج هذا المكان ولو لساعات قليلة.بعد أن طلبنا الطعام، بقي صامتًا للحظات، قبل أن يقول:«صفقة السيوفي مثيرة للاهتمام.»رفعت عيني إليه.«من أي ناحية؟»«من ناحية التوقيت أولًا. شركته تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى عقود من هذا النوع، وشركتك في المقابل أصبحت تملك نفوذًا أكبر مما يتوقعه البعض. أعتقد أن الاتفاق بينكما سيكون مفيدًا للطرفين.»أومأت بهدوء.«هذا ما أريده بالضبط. لا أهتم بمن يقف في الجهة الأخرى من الطاولة، طالما أن الصفقة تخدم شركتي.»ابتسم قليلًا.« أعجبتني طريقك في إدارتك للاجتماع.»نظرت إليه باستغراب.«كنت ترا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status