LOGINالفصل — العودة إلى البيت
لم تمضِ سوى ساعة تقريبًا حتى سمعت صوت سيارة تتوقف أمام منزل نور. رفعت رأسي بسرعة، وشعرت بقلبي يخفق بطريقة غريبة. لم أره منذ خمس سنوات، ومع ذلك عرفت أن الخطوات التي اقتربت من الباب تخصه. طرقت نور الباب، ثم فتحته. دخل آدم. كان مختلفًا عما أتذكره. أكثر نضجًا، أكثر هدوءًا، لكن عينيه بقيتا كما هما؛ حادتين عندما يكون قلقًا عليّ. ما إن وقعت عيناه عليّ حتى توقف. لم يقل شيئًا. فقط نظر إليّ طويلًا. ثم اقترب. «لمياء.» انهرت قبل أن أصل إليه. احتضنني بقوة، وكأن السنوات الخمس التي قضيناها بعيدين لم تكن موجودة. تشبثت بقميصه وأنا أبكي. «آدم... أنا آسفة.» أغلق عينيه للحظة، ثم قال بهدوء: «ليس الآن.» ابتعد قليلًا ونظر إلى وجهي. «هل أنتِ بخير؟» هززت رأسي. «لا.» لم يحاول إجباري على الكلام. جلس أمامي، وقال: «إذن قولي لي ماذا تريدين الآن.» نظرت إلى نور، ثم عدت إليه. «أريد العودة إلى المنزل.» تجمدت ملامحه. «أي منزل؟» ابتسمت بحزن. «قصر عائلتي.» لم يجب فورًا. كنت أعرف أنه فهم ما أعنيه. «أريد أن أصلح كل شيء.» «لمياء...» «أعرف أنني أخطأت.» خفضت رأسي. «تركت عائلتي من أجل تامر. ابتعدت عنكم جميعًا. تجاهلت أمي وأبي، وخاصمتك، وقطعت علاقتي بأشخاص أحبوني فقط لأنهم حاولوا تحذيري منه.» تنفست بعمق. «كنت أعتقد أنني أختار الحب.» رفعت عيني إليه. «لكنني الآن اكتشفت أنني خسرت الجميع من أجله.» اقترب آدم مني. «هل أنتِ متأكدة أنك تريدين العودة؟» «نعم.» «قد لا يكون الأمر سهلًا.» «أعرف.» «قد يكونون غاضبين منك.» ابتسمت بحزن. «لديهم الحق.» سكت قليلًا، ثم قال: «وأنتِ؟ هل أنتِ مستعدة لمواجهة كل شيء؟» نظرت إلى يدي. «أكثر من أي وقت مضى.» مد آدم يده نحوي. «إذن لنعود.» نظرت إليه. «حقًا؟» «طبعًا.» ثم أضاف بنبرة هادئة: «هذه المرة لن أتركك تواجهينهم وحدك.» شعرت بغصة في حلقي. «حتى بعد كل ما فعلته؟» ابتسم للمرة الأولى. «أنتِ أختي يا حمقاء.» ضحكت وسط دموعي. ضحكة صغيرة، لكنها كانت أول ضحكة حقيقية تخرج مني منذ أيام. --- بعد ساعات، توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر. بقيت أحدق فيه من خلف الزجاج. كل شيء كان كما تركته. البوابة. الحديقة. النافورة القديمة. حتى الأشجار التي كنت أختبئ بينها عندما كنت طفلة. لكنني لم أعد الفتاة نفسها التي غادرت هذا المكان قبل خمس سنوات. وضعت يدي على صدرها. «أنا خائفة.» قال آدم دون أن ينظر إليّ: «أنا هنا.» فتحت السيارة البوابة. ودخلنا. شعرت أن قلبي يتقلص مع كل متر تقطعه السيارة. توقفت أمام الدرج. نزل آدم أولًا، ثم فتح لي الباب. وضعت قدمي على الأرض. رفعت رأسي نحو القصر. كان الباب الرئيسي مفتوحًا. وكان هناك شخص يقف عند المدخل. والدها. توقفت أنفاسي. لم يتحرك. فقط ظل ينظر إليها. ثم ظهرت والدتها خلفه. وضعت يدها على فمها فور رؤيتها. أما أنا... فلم أستطع التحرك. مرت خمس سنوات. خمس سنوات من العناد. خمس سنوات من الغياب. والآن، لم أعرف ماذا أقول. خطوت خطوة. ثم أخرى. وفجأة سمعت صوت أمي: «لمياء؟» انكسرت آخر مقاومة في داخلي. ركضت نحوها. احتضنتني بقوة، وانهرت بين ذراعيها. «أمي... أنا آسفة.» بكت وهي تضم رأسي إلى صدرها. «عودتك تكفيني.» رفعت رأسي إليها. «هل تسامحينني؟» وضعت يديها على وجهي. «كنت أنتظر عودتك منذ اليوم الذي غادرتِ فيه.» نظرت إلى والدي. كان لا يزال واقفًا في مكانه. اقترب مني ببطء. توقعت أن يصرخ. أن يلومني. لكنه فقط وضع يده على رأسي وقال: «عودتك أهم من أي شيء آخر.» انفجرت بالبكاء من جديد. وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا: كنت أبحث عن الحب في المكان الخطأ طوال خمس سنوات... بينما كان الحب الحقيقي ينتظرني هنا طوال الوقت. لكنني لم أكن أعرف أن عودتي إلى قصر عائلتي لن تكون مجرد عودة ابنة ضائعة. فمنذ اللحظة التي دخلت فيها ذلك الباب... بدأت عائلتي تستعيدني. وبدأ تامر... يفقدني.لم أكن أعتقد أن والدتي تستطيع معرفة أنني في مزاج سيئ حتى وهي في الطابق السفلي.لكنها كانت أمي.وهذا يعني أنها كانت تعرف متى أكون بخير، ومتى أكون على وشك الانهيار، حتى لو حاولت إخفاء الأمر خلف ابتسامة.كنت في غرفتي منذ أكثر من ساعة، جالسة أمام المرآة دون أن أفعل شيئًا. الهاتف في يدي، لكنني لم أكن أقرأ شيئًا.فقط أحدق في الشاشة.ثم جاء طرق على الباب.«لمياء؟»تنفست بعمق.«ادخلي يا أمي.»دخلت والدتي وهي تحمل فنجان قهوة، ثم جلست على طرف السرير.نظرت إليّ للحظات.«أنتِ لم تخرجي اليوم.»«كنت متعبة.»«ومنذ متى التعب يمنعك من الخروج من غرفتك؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«منذ أن أصبحت في الخامسة والعشرين.»هزت رأسها.«لا تحاولي تغيير الموضوع.»وضعت القهوة أمامي.«أريدك أن تخرجي الليلة.»نظرت إليها.«إلى أين؟»«إلى العشاء.»«مع من؟»ابتسمت بطريقة جعلتني أشك فورًا.«مع شخص أعرفه.»ضيقت عيني.«أمي.»«ماذا؟»«لا تبتسمي هكذا.»ضحكت.«حسنًا، سأخبرك.»ثم قالت بهدوء:«ابن إحدى صديقاتي عاد إلى نيويورك منذ فترة، وأريدك أن تلتقي به.»حدقت فيها.«مستحيل.»«لماذا؟»«لأنني أعرف ماذا يعني هذا.»«ماذا يعني؟»«موعد
في الجهة الأخرى من نيويورك...كان الاجتماع في شركة تامر قد استمر لأكثر من ساعة، لكن الأجواء لم تكن تبشر بالخير ، والكل صامت وينظر الى يديه المتشابكة فوق الطاولة .جلس تامر في رأس الطاولة، وأمامه مجموعة من التقارير المالية، بينما كان المديرون يتبادلون النظرات القلقة.قال أحدهم:«سيدي، الوضع أصبح أكثر تعقيدًا مما توقعنا. خسرنا خلال الفترة الأخيرة عدة عقود مهمة، وبعض العملاء بدأوا يتجهون إلى شركات أخرى بسبب ضعف نتائج الحملات الأخيرة.»رفع تامر عينيه عن التقرير.«وما الحل الذي توصلتم إليه؟»ساد الصمت للحظات.ثم قال المدير المالي:«نعتقد أننا بحاجة إلى شركة متخصصة لإعادة بناء الاستراتيجية التسويقية بالكامل.»عقد تامر حاجبيه.«لدينا قسم تسويق كامل.»«أعرف، سيدي. لكن المشكلة ليست في عدد الموظفين. المشكلة أننا نحتاج إلى جهة خارجية تنظر إلى الوضع من زاوية مختلفة.»قال تامر ببرود:«وأي شركة تقترحون؟»تبادل المديرون النظرات.ثم وضع أحدهم ملفًا أمامه.« شركة الترويج شL.M.»توقفت يد تامر فوق الورقة.رفع عينيه ببطء.« شركة L.M؟»«نعم رئيس.»فتح المدير الملف وبدأ يشرح:«خلال السنوات الأخيرة أصبحت ال
في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الشركة قبل الجميع تقريبًا.لم أعد أشعر بذلك التردد الذي رافقني في اليوم الأول. كنت أعرف إلى أين أتجه، وما الذي أريده، والأهم من ذلك أنني بدأت أشعر بأن هذا المكان ليس غريبًا عني كما ظننت.دخلت المصعد، وضغطت على زر الطابق الأخير، ثم نظرت إلى انعكاسي في المرآة.بدلة أنيقة، شعر مرتب، وملامح هادئة.لم أكن تلك المرأة التي خرجت من منزل تامر وهي لا تعرف إلى أين تذهب.كنت لمياء الجابر.وحان الوقت لأتذكر ذلك.عندما وصلت إلى مكتبي، كانت هناك مجموعة من الملفات تنتظرني، وبجانبها كوب قهوة.رفعت حاجبي.«من وضع هذا هنا؟»جاء صوت من خلفي:«أنا.»التفتُّ.كان آدم واقفًا عند الباب.نظرت إلى القهوة ثم إليه.«ما زلت تتذكر كيف أشربها.»دخل وأغلق الباب.«بعض الأشياء لا تُنسى.»ابتسمت وجلست.«هل أنت هنا لتراقبني؟»«بل لأتأكد أنك لن تهربي بعد أول اجتماع.»ضحكت.«لن أهرب.»جلس أمامي ووضع ملفًا على الطاولة.«لديك اجتماع مع مجلس الإدارة بعد ساعة.»فتحت الملف.«الآن؟»«نعم.»تنهدت.«يبدو أنهم قرروا اختباري.»«ربما.»نظرت إليه.«وأنت؟»«أنا أعرف النتيجة.»«وما هي؟»ابتسم.«ستجعلينهم
كان أول يوم لي في الشركة مختلفًا تمامًا عما تخيلته.لم أكن أريد أن أتعامل مع عودتي باعتبارها مناسبة عاطفية، ولا أن أقضي الساعات الأولى في استعادة ذكريات الماضي. أردت العمل.فقط العمل.جلست خلف مكتبي منذ الصباح، وأمامي مجموعة كبيرة من الملفات التي أرسلها لي آدم. عقود قديمة، تقارير مالية، حملات إعلانية، أسماء عملاء، ومشاريع لم أكن أعرف أنها وصلت إلى هذا الحجم أثناء غيابي.كنت أقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، أحاول أن أفهم أين أصبحت الشركة بالضبط، عندما طرق أحدهم الباب.رفعت رأسي.«ادخل.»دخلت مساعدتي، وكانت تحمل جهازًا لوحيًا وملفًا أسود.قالت:«آنسة لمياء، الاجتماع الذي أخبرتك عنه أصبح مؤكدًا.»وضعت القلم على الطاولة.«مع السيد إلياس كارتر؟»«نعم.»«متى يصل؟»«خلال عشر دقائق تقريبًا.»نظرت إلى الساعة.«هل أرسلتم له العرض الأولي؟»«نعم، وأرسلنا معه الملف المالي ونماذج الحملات السابقة.»هززت رأسي.«جيد. أريد أن تكون النسخة الجديدة من العرض على الطاولة قبل دخوله. لا أريد أن نبدأ الاجتماع ونحن ننتظر أحدًا ليبحث عن ملف.»«حاضر.»وقبل أن تخرج، استدارت.«آنسة لمياء؟»«نعم؟»«هل تريدين أن يحضر ا
بعد ساعات، كنت أجلس في السيارة بجانب آدم في طريقي إلى مقر شركتي. كنت أحدق من النافذة بصمت، أراقب شوارع نيويورك التي عشت بينها معظم حياتي. المباني الشاهقة، السيارات التي لا تتوقف، المقاهي الصغيرة الممتلئة بالناس، وحتى إشارات المرور التي كنت أتذمر منها عندما كنت أتأخر عن مواعيدي. كل شيء بدا مألوفًا. ومع ذلك، شعرت وكأنني أراه للمرة الأولى. قال آدم وهو يقود: «أنتِ صامتة منذ أن خرجنا من المنزل. هل بدأتِ تندمين؟» التفتُّ إليه. «على ماذا؟» «على قرارك بالعودة إلى الشركة.» نظرت إلى الشارع أمامي، ثم أطلقت زفرة طويلة. «لا أعرف إن كنت خائفة أم متحمسة. ربما الاثنان معًا.» ابتسم آدم. «هذا طبيعي.» «ليس بالنسبة لي. كنت أدخل الشركة سابقًا وكأنها منزلي الثاني. كنت أعرف كل شيء، كل موظف، كل مشروع، وكل مشكلة قبل أن تصل إلى المديرين. أما الآن... لا أعرف ماذا ينتظرني خلف ذلك الباب.» «خمس سنوات مرت، لمياء. من الطبيعي أن تتغير الأمور.» «أعرف.» صمتُّ قليلًا، ثم أضفت: «لكنني أخاف من شيء آخر.» نظر إليّ سريعًا. «ماذا؟» «أن أكتشف أنني لم أعد الشخص الذي كنت عليه.» ابتسم آدم ابتسامة هادئة. «أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل أن يرن المنبه.بقيت للحظات أحدق في سقف غرفتي، أستمع إلى هدوء القصر من حولي. لم أشعر بذلك الاختناق الذي كان يرافقني كل صباح في منزل تامر.هنا كان كل شيء مختلفًا.رائحة القهوة التي كانت تصلني من الطابق السفلي، صوت أمي وهي تتحدث مع إحدى العاملات، خطوات أبي في الممر، وحتى ضوء الشمس الذي يدخل غرفتي من النافذة الكبيرة.أشياء بسيطة.لكنني اشتقت إليها أكثر مما توقعت.جلست على السرير، ثم نظرت إلى هاتفي.لم أفتح رسائلي.لم أبحث عن الأخبار.ولم أبحث عن اسمه.بدلًا من ذلك، فتحت قائمة قديمة كنت قد تركتها منذ سنوات.شركة L.M. للتسويق والترويج.توقفت أصابعي فوق الشاشة.شعرت بشيء غريب في صدري.هذه الشركة كانت أول شيء بنيته بنفسي.قبل تامر.قبل أن أترك عائلتي.قبل أن أقرر أن حياتي يمكن أن تدور حول رجل واحد.كنت أحب عملي.كنت أستيقظ في السادسة صباحًا لأراجع الحملات الإعلانية، وأبقى حتى منتصف الليل لأناقش مشروعًا جديدًا، وكنت أشعر بالفخر كلما رأيت اسم شركتي على إحدى اللوحات الإعلانية في نيويورك.ثم تركت كل شيء.من أجله.أغلقت الهاتف.نهضت من السرير، وخرجت من غرفتي.وجدت







