LOGIN
أول فصل من الرواية يبدأ على لسان بطلتها جلنار :
أنا جلنار.. نعم، اسمي يعني "زهرة الرمان"، و بصراحة؟ أنا أعشق الرمان! أحب هذه الزهرة بالذات لأنني أشعر بقوتها؛ نعم أحب ورود الجوري و التوليب كثيراً، لكن هذه الزهرة بالذات حتى لو تساقطت بتلاتها و ذبلت، تظل تقاوم و تتحول في النهاية إلى ثمرة مذهلة مليئة بحبات حمراء حلوة. أحب لونها القرمزي الدافئ، و لم أكن أعلم أن هذا اللون سيصبح يوماً ما.. هو مصيري! في ذلك اليوم، استيقظتُ باكراً و الابتسامة لا تفارق وجهي، فقد كان يوماً مميزاً و مختلفاً بالنسبة لي؛ اليوم هو يوم ميلادي، و سأتم عامي التاسع عشر. كانت حياتي كلها عبارة عن بهجة و ضحك و لعب مع عائلتي البسيطة، و كنت أظن أن هذا اليوم سيمر بسلام كأي عيد ميلاد مضى، نأكل الكعك و نمرح معاً، لولا أن ليلة عيد ميلادي صادفت الليلة ذاتها لـ "حدث الجلنار"! دعوني أخبركم ما هو "حدث الجلنار".. في بلادنا، توجد عائلة فخمة، عريقة، تمتلك من النفوذ و الهيبة ما يبث الرعب في القلوب، تدعى عائلة "آل فالدور". تقيم هذه العائلة طقساً مقدساً كل خمسة وعشرين عاماً منذ ولادة وريث العائلة، و هو عبارة عن احتفال ضخم على مستوى المملكة كاملة، يُعد حدثاً دينياً و تاريخياً مهيباً يختارون فيه زوجة لوريث العائلة من بين جميع فتيات البلاد، و سُمي بالجلنار لأنه يحدث في وقت تفتح محاصيل زهور الرمان. بالطبع، كان التسجيل فيه إجبارياً لكل فتاة بلغت الخامسة عشرة من عمرها فما فوق، و لكن في هذه المرة —و لسبب غير مفهوم— أصبح الأمر اختيارياً للفتيات اللواتي وصلن لسن الثامنة عشرة فما فوق.. (و ستعرفون السبب في الفصول القادمة). كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً، و كنت أقف في المطبخ برفقة أمي أساعدها في تزيين كعكة ميلادي بالكريمة البيضاء، و البهجة تملأ قلبي. لم تكد أمي تضع اللمسة الأخيرة على وجه الكعكة حتى اندفعت أختي إلى المطبخ، و سحبتني من يدي و هي تضحك قائلة: "جلنار! أبشركِ، لقد سجلتُ اسمكِ في حدث الجلنار لهذا العام!". ضحكتُ حينها و لم أعطِ الأمر أي أهمية، و قلت لها بنبرة ساخرة: "أتمزحين؟ مستحيل لفتاة بسيطة مثلي أن تُقبل في هذا الطقس الملكي العريق! لماذا سجلتِني أصلاً؟ صدقيني كل هذا هراء و لن يلتفت إلينا أحد". ردت أختي بثقة و هناك بريق غريب في عينيها: "هذا الحدث لا يشترط أن تكون الفتاة من عائلة غنية أو ذات سلطة و نفوذ! أنا واثقة أنهم بمجرد أن يروا جمالكِ في الصورة التي أرفقتها مع اسمكِ أثناء التسجيل، سيكفيهم ذلك.. سيكفيهم جمالكِ، و شعركِ الأحمر الطويل، و عيناكِ العسليتان..". قاطعتُ كلامها محاولة إخفاء خجلي: "يكفي ثرثرة، و تعالي ساعديني في التزيين". و لم تنتظر ردي، بل مدت يدها إلى جيبها لتخرج صندوقاً أحمر صغيراً، كان شكله أنيقاً و مرتباً، ثم قالت: "هذه هدية يوم ميلادكِ". فتحتُه لأجد سواراً أحمر على شكل حبات الرمان، يناسب فستان ميلادي تماماً. تابعت أختي و هي تركض ضاحكة و تتجاوزني: "لقد اشتريته باللون الأحمر لأن اسمكِ جلنار، علّه يكون فالاً حسناً و يختارونكِ عروساً!". ضحكتُ على مشاغبتها، و وضعتُ السوار جانباً ثم عدت لأكمل تزيين الكعكة مع أمي. كان كل همي هو متى سنقطع الكعكة لآكل منها، و أتمنى أمنية ميلادي التي انتظرت هذا اليوم بفارغ الصبر لأجلها: "تعلم الطب". أنا أحب البشر، و أكره رؤيتهم يتألمون، لذا كانت أمنيتي أن أداويهم من أوجاعهم، خصوصاً بعد أن توفي أبي بسبب مرض عجز الأطباء عن تشخيصه. و بسبب تكاليف دراسة الطب الباهظة، كان هذا المجال حكراً على عائلات النبلاء و الأثرياء فقط. لذلك، بدأتُ بتعليم أطفال الميتم و حصلتُ على مبلغ زهيد، استطعتُ من خلاله شراء بعض الكتب الدراسية، و بدأتُ المذاكرة بجد تحضيراً لاختبارات القبول و المنح الدراسية، متمنية أن أجتاز هذا الاختبار لأحصل على منحة توصلني إلى حلمي. انتهينا تقريباً في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً. توجهتُ إلى غرفتي و جهزتُ نفسي للحفلة؛ ارتديتُ فستاناً باللون الأحمر الداكن يناسب لون الزهرة التي سماني أبي تيمناً بها، و تزينتُ بسوار الرمان الذي طابق الفستان و زادني أناقة. نزلتُ إلى عائلتي بكامل أناقتي، فاستقبلوني بابتسامات دافئة و فرحة غامرة. و مع آخر دقة من دقات الساعة معلنة تمام الثانية عشرة صباحاً.. غرق المكان في عتمة مباغتة! قبل أن تشعل أمي شموع الكعكة لتبث في الأرجاء دفئاً ساحراً. بدأوا جميعاً يغنون لي بحب: "عيد ميلاد سعيد يا جلنار.. عيد ميلاد سعيد..". كان قلبي يرقص فرحاً، أخذتُ نفساً عميقاً و اقتربتُ من الكعكة لأطفئ الشموع و أنا أغلق عينيّ، متمتمة بأمنيتي في سري.. و قبل أن أتمها حتى، اخترق هدوء ليلتنا طرقات عنيفة و قوية على الباب الخارجي.. لدرجة أن جدران المنزل بأكملها اهتزت! تلاشت نغمات عيد الميلاد، و تحجرت الابتسامات على الوجوه. ثم توجهت والدتي بخطوات ترتجف و فتحت الباب، و ما إن فعلت حتى تراجعت إلى الوراء و قد خُطِف لون وجهها، و جفّ الدم في عروقها من شدة الذعر!....ردّ إدريان بهدوء: "هل تظنين أننا سنغادر بالطريقة التقليدية؟ إني أستشعر سحرة فالدور يجهزون دائرة سحرية في الصالة الآن، لذا انهضي هيا!" قالت جلنار بتعجب بالغ: "و كيف ذلك؟!" أجابها و هو يسحب ملابسه من الدولاب: "فقط تجهزي الآن، و سترين كل شيء بنفسكِ في الأسفل..." نهضت جلنار بسرعة من سريرها متوجهة إلى خزانته كي تختار ما تلبسه، و هي تحدث نفسها: "تُرى ما الذي سألبسه؟ أريد شيئاً خفيفاً يناسب رحلة و طريقاً طويلة.. نعم سأختار هذا الفستان، يبدو جميلاً جداً، إنه قصير فلن يزعجني طوله، و خفيف الوزن، كما أن لونه الكحلي و مصمم بأشرطة قماشية مربوطة على الأكتاف يبدو أنيقاً و لطيفاً جداً." سحبته ثم التفتت بسرعة نحو الحمام و هي تنادي: "إدريان، أسرع! كل هذا الوقت تقضيه فقط من أجل بنطال و قميص؟! أسرع قليلاً إدريان، هيا تأخرنا!" فتح الباب بنظرة باردة، ثم ردَّ إدريان ببرود: "أهدئي، ها أنا ذا قد خرجت." أجابت بسرعة: "بسرعة هيا، أنا أشعر بتوتر شديد، لم أسافر من قبل!" ابتسم إدريان بتوجس بينما يخرج من الحمام، فدخلت جلنار بسرعة و أقفلت الباب بقوة ورائها. فقال بسخرية بعد أن فزع من صوت ارتطام الباب: "ل
فأطلق إدريان ضحكة مكتومة و كأنه كان يحاول جاهدًا كبحها، ثم أردف: "لم نذهب لهناك بعد، و ها أنتِ تتوقين للإجازة بهذه السرعة؟!" هتفت باستياء: "لكنني.." قاطعها بابتسامة هادئة: "لا عليكِ، أنا أفهم ما تقصدينه تماماً." ثم أخرج من جيبه قطعة بسكويت صغيرة، و مدّها نحوها و هو ينظر إليها بعينين تلمعان بالدفء: "أعطتني والدتكِ هذا البسكويت لأكله، لكنني تركته لكِ.. أعلم أنه من صنع يديها و ستسعدين به حقاً." ابتسمت جلنار بعمق و هي تتأمل الكعكة الصغيرة المستقرة في كف إدريان، فتجمعت الدموع في عينيها و الكلمات في حلقها من شدة تأثرها. مدت يدها و أخذت حبة البسكويت من راحته يده، و قالت بصوت متهدج: "شكراً لك.. حقاً أشكرك من أعماقي، فقد فعلت الكثير من أجلي أنا و عائلتي." أجابها بدفء: "ما هذا الذي تقولينه؟.. هذا واجبي." بدأت دموع جلنار تتساقط بينما تتأمل كعكة أمها براحة يدها. فابتسم إدريان و اقترب، واضعاً راحة يده على خدها بهدوء، و أطراف أصابعه تدخل في شعرها الأحمر، و قال: "لا تحزني يا وردتي؛ كل ما يضايقك أو يؤذيكِ فقط أرميه عليَّ أنا، و سأتدبر أمره." نظرت إليه جلنار، ثم مدت يدها الأخرى لتمسك بأزرار قمي
ثم وقع بصر إدريان على ملامح مايا الهادئة و المطمئنة، فشعر بغيظ غريب يداهمه، فانعقدت حاجباها بانزعاج طفيف. و فجأة، اخترق صوت كايل رأسه مباغتاً: "أتشعر بالغيرة منها يا سيدي؟!" فزع إدريان من صوته المفاجئ و اتسعت عيناه بذهول، فعدل وضعية المرآة بسرعة بعيداً عن جلنار، و هو يرد في سرّه مخاطباً كايل: "لا أيها الأحمق! لقد أفزعتني بصوتك المفاجئ!" ضحك كايل بصوت مرتفع داخل ذهنه و أكمل: "حسناً حسناً.. سأعود لمواصلة نومي إذن." ثم اختفى صوته تماماً. ابتسم إدريان بطرف فمه بخفة، مواصلاً قيادته بهدوء نحو الخارج، مبتعداً عن أراضي فالدور المظلمة... و بعد حوالي ربع ساعة، كانت جلنار تتأمل المناظر الخلابة من حولها فالطريق؛ فجأة بدأت تتحول الطريق ببطء للون الأسود، و الهواء يبدو معتماً و أثقل و غريباً أكثر فأكثر كلما اقتربوا من حدود فالدور. أما الأشجار و الأعشاب على جانبي الطريق فتزداد كثافتها تدريجياً و بصورة مريبة، مما خلق في نفس جلنار شعوراً عميقاً بالنفور، فقالت موجهاً كلامها لأدريان: "المكان هنا يبدو موحشاً و غريباً للغاية." أجابها بنبرة جادة: "من هنا تبدأ أراضيهم." علمت جلنار أنه يقصد "الم
في هذه اللحظة، اقتربت جلنار من مايا لتسندها و تساعدها على النهوض. و ما إن أمسكت جلنار برقبة مايا من الخلف لدعمها حتى باغتتها مايا بمد يديها محتضنة إياها بقوة، و هي تقول بتردد: "نعم.. تذكرت شيئاً يا أختي.. أسوارة حبوب الرمان!" عقدت جلنار حاجبيها باستغراب بينما ترفع بصرها: "و ما بها؟" أجابت مايا بخفوت: "سمعت أنها تمتلك سحراً خاصاً.. فهي تجلب سوء الحظ." ردت جلنار و هي تمسك بيدي أختها و تبعدها عنها بابتسامة هادئة: "هل تؤمنين بمثل هذا الهراء؟" أجابت مايا بإصرار: "صدقيني يا أختي، هذا ما سمعته عندما أخذتها من البائعة؛ إذ ذكرت أنها سوار فريد و له قوى مجهولة، لكنها لم تخبرني بالتفاصيل لأنني كنت متعجلَة حينها.. لذا، أرجوكِ لا تلبسيها بعد الآن و أرميها في أقرب فرصة." قالت جلنار بتمسك: "لكنها الشيء الوحيد الذي أملكه منكِ سآخذها قبل أن أرحل غداً.. ثم إنني منذ أن ارتديتها لم يحدث معي أي سوء، أريد حقاً أن أشعر بأنكِ معي دوماً." هتفت مايا بابتسامة حانية: "أحقاً تشعرين هكذا نحوي؟" أجابت جلنار و قد امتلأت عيناها بالدموع بينما تتذكر لحضات ذعرها عليها: "بالطبع فأنتِ أغلى ما أملك." ابتسمت مايا و أ
ثم استطرد إدريان موضحاً لجلنار: "إن جعلتني مايا أتناول السم سأموت و ستعدم هي، و بهذا تتخلص من كلينا معاً. لكنني كنت أعلم مسبقاً بخطتها الدنيئة، فأمرت سيباستيان باعتراض اللؤلؤة دون علمها و استبدالها بواحدة حقيقية مستمدة من هالتك الخاصة؛ بمعنى أنها ليست سامة و لا قاتلة إطلاقاً، حتى أنها لا تملك طاقة مايا أو إيلينا، بل هالتكِ أنتِ وحدكِ، لذا كل ما سيحدث لمن يتناول هذه اللؤلؤة هو أنه سيخضع لكِ و يطيعكِ بكل ما تأمرينه فحسب." فجأة... بدأت مايا تئنّ و كأنها على وشك الاستيقاظ، لتفتح عينيها ببطء شديد. اقتربت منها جلنار باندفاع و لهفة: "مايا! أنتِ بخير؟!" كانت رؤية مايا ضبابية، و بشيء من التركيز، أبصرت جلنار و هي تذرف دموع الفرح لاستيقاظها، و قد لاحظت أحمرار وجهها و عيناها من شدة بكائها عليها. و ما إن لاحظ إدريان أنها علمت بمدى خوف جلنار عليها حتى سحب جلنار نحوه برفق، و همس في أذنها بحذر: "إن كنتِ تحبينها حقاً.. فسايريني فيما أقول." عقدت جلنار حاجبيها باستغراب من طلبه، فأكمل بنبرة خفيضة: "أرجوكِ.. فقط ثقي بي." تنهدت جلنار بخفاء و التفتت نحو الجهة الأخرى مبتعدة عن مايا. حينها، تقدم إدريان خط
فجأة... انبعث صوت أجش، خشن، و مرعب يخترق السكون ليعلن عن بداية الكابوس الأكبر: "نعلم أنكم هنا! إن أردتم النجاة فافتحوا الباب، فنحن لا نبتغي أذاكم، فقط أخرجوا لنا من تدعونه بالطبيب هنا!" نظرت جلنار إلى عيني سيباستيان، فأومأ لها برأسه مؤيداً الصمت و عدم الاستجابة لهم. و فجأة، أكمل الصوت بتهديد صريح: "سأمهلكم خمس دقائق فقط؛ فإن لم تفتحوا الباب سنحطمه، و لن نكتفي بأخذ هذا العجوز، بل سنقتلك أنت أيها الخادم أيضاً!" تلا ذلك صمت مطبق لثوانٍ، ثم سُمع صوت طرقات متتالية على الشباك مجدداً، شبيهة تماماً بدقات المتشردين. تجمد كل من جلنار و سيباستيان في مكانيهما رعباً، إلى أن تردد صوت مألوف يهامس جلنار برفق: "هل أنتِ بخير يا وردتي؟!" في هذه اللحظة، أغمضت جلنار عينيها و انهمرت دموعها بغزارة، و هي تتمتم: "أين كنت طوال هذا الوقت أيها الأحمق؟!" ثم انكمشت على نفسها حاضنة ركبتيها، تبكي بصوت عالٍ و هي ترتجف بوهن، بينما نهض سيباستيان من جانبها بخطوات متعثرة و اتجه نحو الباب ليفتح لإدريان. ما إن دلف إدريان حتى بادر سيباستيان قائلاً بلهفة: "لقد أتيت في الوقت المناسب تماماً يا سيدي!" هز إدريان رأسه بجدي







