Se connecter
كان البخار الكثيف يملأ الحمام.
يلتف حول الزجاج الضبابي، وينزلق بقطرات دافئة على الرخام الداكن. كانت سيلا تقف تحت رذاذ الدش. تترك الماء يتدفق على جسدها، وينساب فوق انحناءاتها وبشرتها البيضاء. أغمضت عينيها. كانت تحاول استعادة أي خيط من ذكرياتها المفقودة. لكن عقلها لم يكن يحوي سوى الفراغ منذ استفاقتها في هذا القصر المعزول. فجأة... انقطع الماء. وقبل أن تدرك ما يحدث، انقبضت يد دافئة وقاسية على فمها لتكتم صرختها. ارتجف جسدها بالكامل. حاولت التملص، لكن ذراعه الأخرى التفت بقسوة حول خصرها من الخلف، لتجذبها إليه حتى التصق ظهرها العاري بجسده الرجولي الصلب والمبتل. كانت أنفاسه متسارعة خلف أذنها، تلامس بها رقبتها. ـ اصمتي يا سيلا.. لا تخرجي صوتاً واحداً إذا كنتِ تريدين البقاء على قيد الحياة. همس الصوت الحاد في أذنها. سرت قشعريرة باردة في جسدها. عرفته فوراً. إنه راكان. ـ راكان... تمتمت بصوت مبحوح من تحت يده المثبتة على فمها. ـ الحراس... ألكسندر وضع حراسة مشددة.. لو سمعوا شيئاً سنموت. مال برأسه أكثر. التصقت شفتاه بالمنحنى الناعم بين عنقها وكتفها في قبلة بطيئة وعميقة. ـ يعلم ألكسندر أنكِ في مأمن بالداخل، ولهذا السبب بالتحديد أنا هنا. توقفت أنفاسها. كانت تدرك الخطورة، لو دخل ألكسندر الآن عليهم ستكون النهاية. لكن الذعر تداخل مع شعور غريب بالشغف، وجسده الصلب يضغط على ظهرها مستغلاً عريها في حضنه. أزاح يده عن فمها ليرفعها ويُحكم بها قبضته على كتفها، بينما انزلقت يده الملتفة حول خصرها بجرأة إلى الأسفل، لتتسلل أصابعه بين فخذيها المبتلين بلمسات مشحونة جعلت قلبها يدق كالطبول. حاولت دفعه بيديها. لكن كل حركة كانت تزيد من التصاق جسدها به، وتزيده اشتعالاً. شدّها إليه أكثر، وتسللت أطراف أصابعه بين انحناءاتها بضغط ناعم أربك أنفاسها. ـ أنتِ ملكي يا سيلا.. مهما حاول إغلاق الأبواب، لن يمنعني شيء من أخذك. أغمضت سيلا عينيها بقوة. سقط رأسها إلى الخلف على كتفه الصلب. ضاعت تماماً بين الخوف من افتضاح أمرها، وبين الاستسلام للذة الغريبة التي يفرضها عليها وسط البخار والعتمة. لكن الصوت الصادم الذي تلاه ارتطام أقدام ثقيلة بالخارج جعل قلبها يقفز في صدرها. ـ سيلا؟ أنتِ بخير في الداخل؟ كان صوت ألكسندر. عميقًا، باردًا، يملؤه التهديد والحذر. تجمدت الدماء في عروق سيلا، واتسعت عيناها برعب. كان المقبض النحاسي للباب يتحرك ببطء شديد. انحنى راكان واقترب من أذنها أكثر، لم تبتعد لمساته ولم يظهر عليه أي أثر للخوف، بل ارتسمت ابتسامة ساخرة ومظلمة على شفتيه ضد رقبتها المبتلة. ـ لو صرختِ الآن.. سأقتله قبل أن يخطو خطوة واحدة للداخل، ثم سآخذكِ معي. انحبست أنفاسها، وشعرت بقسوة أصابعه وهي تضغط على خصرها لتذكرها بموقعه. اقترب صوت ألكسندر أكثر، وصار ملاصقاً للباب الخشبي السميك. ـ سيلا.. لا تعجبني هذا الطريقة. ألم تقل الخادمة أنكِ ناديتِ على شيء؟ بلعت سيلا ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع صوتها النحيل وسط خفقات قلبها المرعوبة. ـ أ.. أنا بخير يا ألكسندر.. سقطت علبة الصابون فقط. ساد صمت ثقيل وممتد خلف الباب. وتلاحمت أنفاس راكان مع أنفاسها، بينما بقيت يده مثبتة بجنون على بشرتها، في نفس اللحظة التي يقف فيها نده على بعد خطوات. وأخيراً، جاء صوت خطوات ألكسندر وهي تبتعد بخفة على الرخام الخارجي. زفرت سيلا نفساً محتبساً، لكن راكان لم يمهلها حتى لالتقاط أنفاسها. أدارها بسرعة وثبات لتواجهه بالكامل. التقطت عينها ملامحه الحادة والغاضبة في ضوء الحمام الخافت، وشعره الأسود المبتل الذي يتساقط على جبينه. ـ هل يلمسكِ؟ سألها بصوت خفيض كالريح المسمومة، وعيناه تتفحصان بشرتها الناصعة المبللة بالماء. ـ ألكسندر.. هل اقترب منكِ كما أفعل الآن؟ ـ لا.. أقسم لك لا.. همست وهي ترتجف، تصارع للتراجع لكن ظهره كان مستنداً على جدار الرخام البارد، ليكون جسده الساخن هو سجنها الوحيد. ثم هوى بشفتيه على شفتيها في قبلة ممتلئة بالغضب والشغف، بينما غاصت يديه في شعرها المبتل، يشدها إليه.لم يكن خليل وركان يملكان وقتاً طويلاً لتحليل ما حدث...ما إن عادا إلى نقطة الاختباء حتى أغلق ركان الباب الحجري خلفهما، ثم التفت إلى خليل.كان وجهه يخبره أن الأمر لم ينتهِ عند اختفاء إيفي.قال ركان:ـ أخبرني بالتفصيل... متى قال الحارس إنهم نقلوها؟أجاب خليل:ـ قبل دقائق من وصولي إلى السرداب.عقد ركان حاجبيه:ـ وقبل أن تصل أنت، هل لاحظت أي شيء غريب في الطريق؟هز خليل رأسه:ـ لا.ـ وهذا هو الغريب.نظر خليل إليه، فأشار ركان إلى الملفات التي يحملها:ـ فكر فيها... نحن دخلنا الخزنة، ثم خرجت أنت، وبعدها مباشرة نُقلت إيفي من مكان احتجازها. لم يكن الحراس يعرفون ما حدث في الخزنة قبل ذلك.توقف لحظة، ثم تابع:ـ هذا يعني أن شخصاً ما كان يراقب تحركاتنا.صمت خليل، وبدأت التفاصيل تتجمع في ذهنه: الإنذار الذي دوّى في القصر... الحراس الذين ظهروا في الممرات... نقل إيفي قبل وصوله بدقائق... ثم أمر ألكسندر المفاجئ بإخلاء السرداب.قال خليل:ـ ربما كان هناك شخص يراقبني منذ خروجي من المكتب.ـ أو كان يراقبنا نحن الاثنين منذ البداية.رفع خليل عينيه إليه:ـ لكن كيف عرفوا مكان إيفي؟أجاب ركان:ـ لأن شخصاً ما داخل ا
لم يكن أمام خليل وركان وقت للتفكير طويلاً؛ كانت أصوات الحراس تقترب أكثر، والممر السري الذي احتميا داخله لم يعد آمناً إلى الأبد.تحركا بسرعة بين الجدران الحجرية القديمة، حتى وصلا إلى نهاية الممر.هناك توقف خليل؛ كان عليه أن يتأكد من شيء واحد قبل أي خطة أخرى... إيفي.منذ بداية هذه الفوضى، كان هدفه الأول إخراجها من القصر؛ إذا تمكن من الوصول إليها، سيكون لديهم فرصة للهروب جميعاً.قال خليل بصوت منخفض:ـ يجب أن أذهب إليها أولاً.نظر إليه ركان باستغراب:ـ إلى أين؟ـ المكان الذي يحتجزونها فيه.فهم ركان قصده فوراً:ـ السرداب؟أومأ خليل:ـ إذا كانت لا تزال هناك، نستطيع إخراجها قبل أن يكتشفوا أمرنا.لم يعترض ركان؛ كان يعرف أن ترك إيفي خلفهم ليس خياراً صحيحاً.اتفقا على العودة إلى نقطة الاختباء نفسها بعد أن ينتهي خليل، ثم افترقا عند أحد الممرات.تحرك خليل وحده؛ كان يعرف الطريق إلى السرداب جيداً، وكل خطوة كان يخطوها كانت تقربه من اللحظة التي انتظرها منذ دخوله القصر... لحظة إخراج إيفي.كان يتخيل أنها ستكون النهاية لهذه المرحلة؛ أن يفتح الباب، أن يجدها هناك، ثم يخرجان معاً.لكن عندما وصل إلى الممر ا
في الجهة الأخرى من القصر، لم يكن ركان ينتظر عودة خليل كما اتفقا؛ كان يعلم أن الوقت ينفد.ومنذ أن افترقا، ظل يتنقل بين الممرات الجانبية للقصر، يراقب الحراس ويحسب أوقات مرورهم حتى لاحظ شيئًا غريبًا؛ أحد الممرات القديمة كان يُفتح أحيانًا من الداخل رغم أن القصر لا يستخدمه منذ سنوات.تسلل إليه قبل دقائق، واكتشف خلف جدار حجري بابًا مخفيًا يقود إلى ممر ضيق يمتد أسفل القصر... وفي نهايته، كان هناك منفذ يؤدي إلى الخارج؛ طريق هروب سري.لكن الطريق لم يكن مفتوحًا... كانت هناك آلية معدنية في منتصف الباب، وبجانبها تجويف دائري يحمل رمزًا غريبًا.وكان ركان قد رأى الرمز نفسه من قبل على قطعة معدنية صغيرة كانت سيلا تحتفظ بها داخل صندوق قديم في جناحها.لذلك لم يتردد؛ إذا كان هذا الطريق هو فرصتهم الوحيدة للخروج، فعليه الوصول إلى سيلا. اتجه نحو جناحها فورًا.في الوقت نفسه، كان خليل يندفع عبر ممر آخر من القصر والملفات مخبأة تحت معطفه، وكان ذهنه لا يزال عالقًا في كلمات إدريس: «ابحث عمّن كتبها... وماذا أخفى بين سطورها».ضغط خليل على الملفات بيده؛ لم يكن يعرف إن كان المحامي يحاول خداعه أم تحذيره، لكن شيئًا واحد
لم يكد خليل يخطو خطوتين نحو الباب حتى سمع صوتاً خافتاً خلفه.توقف.ثم التفت ببطء.كان إدريس يتحرك.ارتجفت أصابع المحامي فوق السجاد، قبل أن يفتح عينيه بصعوبة، ويحاول رفع رأسه.تراجع خليل خطوة، وأخفى المفتاح الثاني داخل جيبه، بينما ثبت نظره عليه بحذر.لم يكن مستعداً لمواجهته من جديد.لكن إدريس لم يندفع نحوه هذه المرة، ولم يحاول الصراخ.بل اكتفى بأن حدق فيه للحظات، وكأن شيئاً أثقل من الألم كان يشغل تفكيره.قال خليل بصرامة:ـ لا تحاول القيام بأي حركة غبية.ابتسم إدريس ابتسامة باهتة:ـ لو كنت أريد جلب الحراس، لفعلت ذلك منذ لحظة استيقاظي.تجمد خليل مكانه.كان في صوت المحامي شيء مختلف.لم يكن صوت رجل خسر صفقة... كان صوت رجل يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون.اقترب خليل بحذر، لكنه أبقى مسافة بينهما:ـ ماذا تريد مني؟أغلق إدريس عينيه للحظة، ثم قال:ـ أن تمنع نفسك من ارتكاب أكبر خطأ في حياتك.ضحك خليل بسخرية:ـ بعد كل ما فعلته، تريد مني أن أصدق نصيحتك؟فتح إدريس عينيه وحدق فيه مباشرة:ـ أنت لا تعرف ماذا تخفي تلك العقود يا خليل.ساد الصمت.شعر خليل بأن شيئاً بارداً تسلل إلى داخله، لكنه لم يسمح لملامحه
لم يكد خليل يخطو خطوتين نحو الباب حتى سمع صوتاً خافتاً خلفه. توقف. ثم التفت ببطء. كان إدريس يتحرك. ارتجفت أصابع المحامي فوق السجاد، قبل أن يفتح عينيه بصعوبة، ويحاول رفع رأسه. تراجع خليل خطوة، وأخفى المفتاح الثاني داخل جيبه، بينما ثبت نظره عليه بحذر. لم يكن مستعداً لمواجهته من جديد. لكن إدريس لم يندفع نحوه هذه المرة، ولم يحاول الصراخ. بل اكتفى بأن حدق فيه للحظات، وكأن شيئاً أثقل من الألم كان يشغل تفكيره. قال خليل بصرامة: ـ لا تحاول القيام بأي حركة غبية. ابتسم إدريس ابتسامة باهتة: ـ لو كنت أريد جلب الحراس، لفعلت ذلك منذ لحظة استيقاظي. تجمد خليل مكانه. كان في صوت المحامي شيء مختلف. لم يكن صوت رجل خسر صفقة... كان صوت رجل يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. اقترب خليل بحذر، لكنه أبقى مسافة بينهما: ـ ماذا تريد مني؟ أغلق إدريس عينيه للحظة، ثم قال: ـ أن تمنع نفسك من ارتكاب أكبر خطأ في حياتك. ضحك خليل بسخرية: ـ بعد كل ما فعلته، تريد مني أن أصدق نصيحتك؟ فتح إدريس عينيه وحدق فيه مباشرة: ـ أنت لا تعرف ماذا تخفي تلك العقود يا خليل. ساد الصمت. شعر خليل بأن شيئاً بارداً تسلل إلى داخ
لم يضيع خليل ثانية واحدة. انحنى بسرعة، والتقط المفتاح الثاني من الأرض، ثم تأكد أن إدريس ما يزال فاقداً للوعي. وبعدها التفت نحو الخزنة المفتوحة، وألقى نظرة أخيرة على محتوياتها قبل أن يغادر المكتب. كان يظن أن الجزء الأصعب انتهى. لقد حصل على العقود، وحصل على أوراق الملكية، وحصل أيضاً على المفتاح الذي كان إدريس مستعداً للمخاطرة بكل شيء من أجله. لكن شيئاً ما في كلمات المحامي ظل عالقاً في ذهنه: «سيلا وإيفي لعبتا دورهما جيداً، وأنت كنت كالأحمق...» توقف خليل فجأة، وشعر بأن هناك مكيدة. أخرج الملفات الجلدية من جيبه، ووضعها فوق المكتب، ثم بدأ يقلب صفحاتها بسرعة. في البداية بدت الأوراق طبيعية؛ عقود قديمة، أختام رسمية، توقيعات، وأرقام ملكيات تعود إلى سنوات بعيدة. لكن عندما قارن الصفحات ببعضها، انعقد حاجباه. كانت هناك فجوة واضحة... صفحة مفقودة. ثم اكتشف فجوة ثانية، وثالثة. رفع خليل إحدى الصفحات أمام الضوء، محاولاً التأكد من أنها لم تكن مجرد ترقيم ناقص. همس: ـ مستحيل... عاد إلى بداية العقد، ثم أخذ يعد الصفحات واحدة تلو الأخرى. كان العقد يتحدث عن ملكية كبيرة، لكنه يتوقف فجأة قبل البند







