Masukدامون ببساطة، تقترب وجوهنا. بشكل غير محسوس أولاً، كأننا منجذبان بجاذبية غير مرئية. ثم أسرع، أسرع من اللازم، بشكل لا مفر منه. جبهتانا تتلامسان، أنفاسنا تمتزج، وأحس بعطر بشرتها تحت المطر – نفس العطر الذي أتنفسه كل صباح حين تضع قهوتي على مكتبي، دون أن أتوقف أبداً لأتعرف عليه. أصابعها تصعد على طول ذراعي، تتشبث بقماش معطفي المبلل. تنفسها يتسارع، متقطع، شبه مؤلم. — دامون، تهمس، وهذه أول مرة تنطق فيها اسمي كنداء، ليس كإجراء شكلي مهني. لا أجيب. لم أعد أستطيع الإجابة، التحكم، الجرعات. فمي يجد فمها. اللمس الأول كهربائي، شبه عنيف في فجائيته. شفتاها باردتان، بلا حراك تحت شفتيّ، ولثانية لا نهائية أعتقد أنني ارتكبت خطأ، أنني أسأت الفهم، أنني أسقطت عليها رغباتي الخاصة كغريق. ثم تنفتح. إنه استسلام كامل، تخلي بدون شروط. فمها يستسلم تحت فمي، يقدم نفسه، يمنح نفسه بكرم يائس. يداها تفلتان معطفي، تتسلقان على طول جذعي، تلتفان حول عنقي، تسحبان رأسي أقرب، أعمق، كأنها تريد ا
دامونصوتها له nuance لا أعرفه فيها. ليس مرارة – شيء أكثر حميمية. تعب، ربما. ندم.— ماذا يعني هذا؟تضع كأسها، ببطء، بحذر، كأن الإيماءة يمكن أن تطلق انفجاراً.— هذا يعني، دامون، أنه منذ سنتين وأنا أحضر قهوتك، أنظم مواعيدك، أرد على مكالماتك. ولم تسألني أبداً كيف أنا. ماذا أحب. ماذا أشاهد في المساء عند عودتي إلى البيت. لا شيء.صوتها يبقى هادئاً، مهنياً تقريباً. لكن أصابعها ترتعش.— لم أكن...— لم تكن ماذا؟ ليس مستعداً؟ ليس مهتماً؟ ليس قادراً على رؤية شيء آخر غير انعكاسك الخاص؟الصمت بيننا يصبح صلباً، ملموساً.— لورانس، أنا...— يجب أن أخرج.تدير كعبيها وتمشي نحو المخرج، سريعة، شبه هاربة، كعباها يفرقعان على الباركيه كطلقات نار.في الخارج، الرذاذ تحول إلى مطر ناعم، عنيد، ينزلق على الواجهات ويجعل الأرصفة تلمع. لورانس مسندة إلى جدار الحجر، بجانب الباب، الوجه مرفوع نحو السماء السوداء. ذراعاها متقاطعتان على صدرها، وضعية دفاع، لكن أصابعها تغوص في كتفيها كأنها لتمنع نفسها من ال
دامونجسدي يتذكرها حتى قبل أن يتخذ ذهني القرار.هذا الإحساس الغريب، شبه الكهربائي، الذي يسري في عنقي حين أعبر عتبة الغاليري. الأصابع مبللة في جيوب معطفي، الفك مشدود لدرجة صرير الأسنان. لم آت لأغوي. جئت لأرى. لكي أُرى، ربما. لكي تضع عليّ تلك النظرات التي لا تتوقف، التي تعبر بدون توقف، والتي جعلتني، لأول مرة في حياتي، أحس بأنني شفاف.الغاليري تفوح منه رائحة الطلاء الطازج والخشب الملمع. أضواء هالوجين تلقي ضوءها القاسي على لوحات تجريدية، انفجارات ألوان عنيفة، حمر تنزف، زرق تغرق. بعض الزوار يتنزهون، كأس نبيذ أبيض في اليد، يتبادلون همهمات متكلفة. لورانس في الخلف، قرب النافذة البانورامية التي تطل على الشارع المبلل.ترتدي فستاناً أسود، بسيطاً، يسقط فوق الركبة مباشرة. شعرها مرفوع، مبرزاً الخط المثالي لعنقها – ذلك العنق الذي رأيته مئات المرات، منحنياً على حاسوبها في المكتب، مائلاً حين تمد لي ملفاً. ذلك المنحنى الضعيف الذي لم أنظر إليه حقاً أبداً. خصلة متمردة تفلت منه، تلامس صدغها. تتكلم مع رجل ببدلة رمادية، تبتسم بأدب، تحني رأسها بتلك الأناقة المي
دامونالصرخة عنيفة جداً، ممزقة بصدق، لدرجة أنها توقفني فجأة في منتصف الرواق. أستدير أخيراً، تي-شيرتي نصف مرتدٍ، متدلٍ على كتف. إنها هناك، واقفة في وسط الفوضى – أثاث مُزاح، سجاد متجعد، هواء مشبع بالجنس – الذراعان معصورتان حول جسدها العاري كأنها لمنع قلبها من الانكسار إلى ألف شظية. دموع صامتة تسيل على وجنتيها، راسمة أخاديد سوداء في المكياج المنهار، ماسكاراها تسيل كأنهار حداد. شفتاها ترتعشان، منتفختان من قبلاتنا العنيفة. لم تكن أبداً بهذا الجمال في ضعفها النيء. ولا بهذا الإخافة، كمرآة مشوهة لما يمكن أن أصبحه: مخلوق حاجة نقية، يتوسل إلى وهم ليبقى لكي لا يغرق.— أنت لا تحبينني، أقول، وصوتي يخرج ناعماً بشكل غريب، شبه حزين، اعتراف مشترك. أنت تحبين ما أجعلك تشعرين به. النشوة، النسيان. هذا ليس الشيء نفسه. هذا ليس أنا.— وأنت؟ ماذا تحب، بحق الجحيم؟ ترد في شهقة تهز جسدها بأكمله، كتفاها يهتزان بتشنجات. لأن هذا المساء، لقد أحببت هذا. لقد رميت بنفسك فيه كما في هاوية بلا قاع. أحسست به في كل دفعة، كل نظرة! جسدك كان يصرخ بمتعتك!إنها على حق مجدداً، بحقيق
دامونإنها مخطئة. وهي على حق، بطريقة ملتوية. كنت هناك، نعم، لكن ليس كما تعتقد، ليس في اتصال رومانسي أو روحي. كنت هناك في الغضب الخام، في الإرادة الشرسة للنسيان الكامل، لإغراق فراغي في العاصفة الجسدية. ليس في الحب، ليس فيها. لكن حرارة كذبتها هي، حاجتها العميقة للتصديق بهذا الاندماج الوهمي، ملموسة، كهربائية. وخطيرة كسلك شائك تحت التوتر.أجلس ببطء، فاصلاً ذراعها بنعومة محسوبة لكن ثابتة، لا تتزعزع. الإيماءة رفض واضح، نظيف. أراه في عينيها: بصيص فزع يضيء فيهما، يكبر، كنار قش.— يجب أن أعود إلى البيت، أقول بصوت مسطح، بدون عاطفة.— لماذا؟ لأجندتك الفارغة ولياليك الوحيدة؟ ترمي هذا كسهم مسموم، لكن صوتها يرتعش، ينكسر. العضة الساخرة للبداية اختفت، مستبدلة بابتهال نيء، مثير للشفقة. أنت قلت ذلك بنفسك، هناك "أقل" من الفتيات الآن، أقل من التشتيتات. إذن ابق. ابق معي. يمكننا... يمكننا أن نحاول. حقاً. كزوجين حقيقيين. ليالٍ كهذه، كل المساءات. صباحات حيث نستيقظ معاً.الفكرة بشعة جداً في تناقضها مع كل ما كنا عليه – تلك الليالي المسروقة، المجهولة، بدون قيود – وكل ما أنا عليه، أو ما كنت عليه، غازٍ وحيد، لدرج
لورانسالشارع نفق صاخب حيث أنجرف. أضواء الواجهات، مصابيح السيارات، كل شيء يذوب في أثر لزج وملون. جسدي ساحة معركة. بين فخذيّ، النبض المكتوم المذنب، المستمر، الرطب. في صدري، الكراهية، باردة وقاطعة كمشرط. وفي أعماق جمجمتي، صوت دامون، هادئ ونهائي، ينشد في صدى: العفن هو الأساس الحقيقي لكل شيء.أمشي طويلاً. بدون هدف. فقط لأستهلك هذه الطاقة السامة، لأستنفد هذا الارتعاش الداخلي. النهار يتلاشى حين تتجه خطواتي، أخيراً، من تلقاء نفسها نحو الشقة. نحو الكذبة.أفتح الباب. الرائحة المألوفة لشمع العسل والقهوة تستقبلني. السلام المصطنع لداخلية معتنى بها.— لور؟ أأنت؟صوته. مسترخٍ. لطيف. يأتي من الصالون. يحمل ارتعاشة صغيرة، أنا بلا شك الوحيدة التي تدركها. أو التي أتخيلها.أتنفس بقوة، محدقة في مرآة المدخل. وجهي قناع شحوب، عيناي المحاطتان بهالات هما ثقبان أسودان. أجبر ملامحي على الاسترخاء. أنا غريبة تلعب دورها الخاص.— نعم، إنه أنا.أخلع معطفي، أضع حقيبتي ببطء مدروس. أعطي الوقت لأن أرتب مظهراً. حين أدخل الصالون، إنه هناك، منطرح على الأريكة، كتاب في يده. يرفع عينيه، ابتسامة فورية تضيء وجهه.— كنت بدأت أقلق
سيليايتحرك برشاقة القطط، صامتًا. يدور حولي، وأشعر بعينيه على رقبتي وظهر خصري.- والدك باعك، سيليا. لقد وضع... نزاهتك... كضمان. وخسر.أقبض قبضتيّ، الغضب والإهانة يحترقان في صدري.- لم يكن لديه الحق.- الحق؟ يتوقف أمامي. تفوح منه رائحة خشب الصندل والجلد. القوة. الحق لا علاقة له بهذا. هناك الحقائق. أ
سيليايجلد المطر زجاج شقتي الصغيرة وكأن السماء نفسها تريد أن تغسل عني عاري. أشبك الرسالة المجعدة في يدي، تلك الورقة السميكة الفاخرة التي تحرق بشرتي. ترقص الكلمات أمام عينيّ، حكم بالإعدام أكثر من كونها دعوة."الآنسة ليروي، حضورك مطلوب غدًا، الساعة الثامنة مساءً، في قصر الضباب. سنناقش شروط تسوية دينك
سيلياأدير كعبيّ، ساقاي ترتجفان لكنهما مصممتان. كل خطوة نحو الباب هي انتصار. لا أجرؤ على النظر إلى الوراء.- وداعًا، سيليا، يقول صوته من خلفي، مشوب بوعد غريب. سنلتقي مجددًا. أعدك بذلك.أخرج من المكتب، وأعبر الردهة، وأفتح الباب الأمامي الثقيل. يضربني هواء الليل الرطب على وجهي. أنزل الدرج راكضة، وكأن
كاسيان ليونتنظر. مندهشة كطفلة أمام حكاية خرافية تنبض بالحياة تحت عينيها. عيناها تلمعان أكثر من أضواء المدينة، أكثر من النجوم التي تنعكس في الماء، أكثر من كل ما رأيته في حياتي. تلامس الماء بطرف الأصابع، ترسم سحابات عابرة على سطح القناة. تبتسم للقطط النائمة على درجات القصور، تتنفس بعمق، كأنها تريد ح







