LOGINصادفت مدام فالوا مرتين في اليوم. مرة في الصباح في البهو. كانت تمشي بخطى سريعة، كتاب تحت ذراعها، النظرة مثبتة أمامها. تنورتها الضيقة تحدد وركيها. كعباها يقرعان على البلاط. مرة بعد الظهر في ممر القاعات. كانت تتحدث مع زميل، صوتها هادئ ورزين، ابتسامتها المجاملة. في المرتين، مرت دون أن تنظر إليّ. دون علامة. دون رفة رمش. وكأنني غير موجود. وكأنني مجرد تلميذ مجهول بين الآخرين. لكن المرة الثانية، قبل أن تختفي عند زاوية الممر، ظننت أنني رأيت شفتيها ترسمان ابتسامة. ابتسامة غير محسوسة. شبح ابتسامة لم تكن موجهة سوى لي. رسالة صامتة في ضجيج الثانوية المطبق. تذكير بأنه هذا المساء، في الخامسة، سيبدأ كل شيء. حقًا. هل كانت حقيقية؟ أم مخيلتي التي تلعب بي، ترى علامات في كل مكان، تفسر أدنى حركة لشفتيها كوعد؟ الرابعة والنصف. رن جرس نهاية الدروس. أفرغت الثانوية تدريجيًا. تفرق التلاميذ في مجموعات صغيرة صاخبة، ضحكاتهم وصرخاتهم ترن في الممرات قبل أن تنطفئ شيئًا فشيئًا. عاد الأساتذة إلى سياراتهم واحدًا تلو الآخر. سقط الصمت على المباني كغطاء من رصاص.
أساتذتي يسألونني. أنظر في الفراغ، عاجزًا عن تذكر موضوع الدرس، عاجزًا عن تشكيل جملة متماسكة. مدام فالوا نفسها، في الصف، سألتني سؤالاً عن بودلير. بقيت صامتًا، العينان مثبتتان عليها، منومًا بحركة شفتيها، بخط عنقها، بعقد اللؤلؤ على ترقوتها. لم تصر. انتقلت إلى تلميذ آخر دون تعليق. لكنني رأيت في عينيها بريقًا عابرًا. رضا. كانت تعرف لماذا أنا عاجز عن الإجابة. كانت تعرف أنها تحتل كل المساحة في جمجمتي. حتى طعام المقصف، تلك القذارة الدنيئة التي يقدمونها لنا كل يوم على صواني بلاستيكية، كنت آكله دون أن أدرك. آليًا. العينان ضائعتان في الفراغ. طعم الكرتون والدهن الزنخ لم يعد يصلني حتى. كل شيء فقد نكهته. كل شيء أصبح باهتًا. العالم كله أصبح رماديًا، عديم الاهتمام. كل شيء إلا الانتظار. الانتظار كان لهبًا حيًا يحترق في مركز كياني، يلتهمني من الداخل، يعطي معنى لكل ثانية من هذا الوجود الفارغ. كنت أصادفها أحيانًا في الممرات. مدام فالوا. أستاذتي. معلمتي. سيدتي. الكلمة تحرق شفتيّ، دماغي، معدتي. كنت أقلبها في رأسي. سيدتي. كان لها طعم المحظور، السر، الاستسل
صوتها. ذلك الصوت العميق، الرزين، الذي يشكل الكلمات كآلة موسيقية. كنت أسمعه في رأسي في كل لحظة. السيطرة الحقيقية صامتة. هذه الجملة تدور في حلقة، تختلط بذكريات أخرى. أنت لا تفهم شيئًا في الخضوع. سأعلمك إياه. الخضوع الحقيقي استسلام. عيناها. خضراوان. باهتتان. شبه شفافتان. مع تلك البريقات الذهبية التي ترقص في قزحيتيها عندما يضربهما الضوء من زاوية معينة. كنت أراهما في كل مكان. في إشارات المرور. في قوارير الزجاج. في نظرات المارة. لكن لا أحد لديه تلك الكثافة. تلك القدرة على اختراقك، على الرؤية من خلالك، على قراءة أفكارك الأكثر سرية. يداها. أصابعها ذات الأظافر المطلية بالأحمر الداكن. ذلك الأحمر شبه الأسود، كدم متخثر. كنت أتذكر لمسهما على وجنتي. على عنقي. على ترقوتي حيث كان نبضي يخفق على سلامياتها. لمسة خفيفة، بالكاد محسوسة، لكنها أطلقت فيّ شحنة كهربائية ما زلت أحس بصدىها بعد أيام. وجواربها. داكنة. شبه شفافة. تلمع تحت ضوء مكتبها. وحذاؤها الأسود بكعب رفيع. وحركة البندول تلك عندما تقاطع ساقيها. وحفيف تنورتها الضيقة عندما تنهض. كن
فكرت في عينيها الخضراوين. في صوتها العميق. في عطرها الخشبي. في ذلك الوعد بحقيقة كنت أبحث عنها منذ الأبد دون أن أعرف تسميتها. في تلك اليد على وجنتي التي كانت تهديدًا ومداعبة في آن. فكرت في ذلك الفراغ فيّ الذي لم يملأه شيء أبدًا. وفي ذلك الإحساس الغريب، عندما أمرتني بالركوع، أن شيئًا ما استقر. أن الفراغ بدأ يمتلئ. — أقبل، مدام. خرجت الكلمات من فمي قبل أن أدرك أنني أنطقها. جاءت من أعمق أعماقي، من مكان لا أعرفه، لم أكن أعرف حتى أنه موجود. لكن ما إن قيلت، عرفت أنها صادقة. أنها الحقيقة الوحيدة في حياتي. القرار الوحيد المهم حقًا. ابتسمت. ابتسامة حقيقية هذه المرة. مشرقة. مضيئة. شبه حنونة. أضاءت وجهها كشمس تخترق الغيوم. — إذن الميثاق مختوم، إينزو. أمسكت يدها ذقني مجددًا. رفعت وجهي نحو وجهها. عيناها الخضراوان قريبتان جدًا لدرجة أنني أستطيع رؤية البريقات الذهبية ترقص في قزحيتيها، التجاعيد الصغيرة في زاوية جفنيها، انعكاس وجهي في حدقتيها المتسعتين. — درسك الحقيقي الأول سيكون الاثنين الق
إينزو لم أعد مباشرة إلى المنزل. تهت في الشوارع تحت المطر المنهمر، حذائي الرياضي يبتلع الماء في كل بركة، شعري ملتصق بجبهتي، ملابسي مبللة حتى العظام. كان المارة ينظرون إليّ كما ينظر المرء إلى كلب ضال، بمزيج من الشفقة والحذر. لم أكن آبه. لم أكن أشعر بشيء. لا البرد الذي يجمد بشرتي. لا الرطوبة التي تتسلل إلى كل مكان. لا التعب الذي يثقل ساقيّ. كنت أشعر فقط بذلك. ذلك الحرقة في راحتيّ. وتلك الجملة التي تدور في حلقة في جمجمتي كتعويذة مهووسة. السيطرة الحقيقية صامتة. اللعنة. اللعنة اللعينة. وجدت نفسي على أرصفة السين دون أن أعرف كيف. قدمتاي حملتاني إلى هناك، آليًا، وكأن جزءًا مني كان يعرف أين يذهب عندما ينهار كل شيء. ماء النهر الرمادي يجرف أغصانًا ميتة، نفايات، أسرارًا منسية. كان يجري، غير مبالٍ، قويًا، أبديًا. جلست على مقعد مبلل، المرفقان على الركبتين، الرأس بين اليدين. الخشب كان مثلجًا، مشبعًا بالماء. جينزي المبلل يلتصق بفخذيّ. راحتاي لا تزالان مخطوطتين بالأحمر. خطان مثاليان. متناظران. متعمدان. كنت أنظر
هل أفعل هذا من أجله؟ أم من أجلي؟ يبدأ المطر في الضرب على الزجاج. قطرات كبيرة ثقيلة تسيل على الزجاج كدموع. انفتحت السماء. يغسل الماء الفناء المهجور، الأشجار العارية، المقاعد الفارغة. أعود إلى مكتبي. كعباي يفرقعان على الباركيه الملمع. الصوت جاف، منفرد. أفتح الدرج حيث وضعت المسطرة. إنها هناك. طويلة. رفيعة. الخشب ملمع بسنوات من الاستخدام، مطلي بلمسة أصابع جدتي التي كانت تستخدمه لضرب أصابع التلاميذ غير المنضبطين في صفها الوحيد في الريف. عندما كنت صغيرة، كانت تحكي لي ذكرياتها كمعلمة. صوتها الحلو، المرتجف قليلاً. "لم يكن الألم هو المهم، عزيزتي. الألم، ننساه بسرعة. كان الطقس. الانتظار. نظرة التلميذ الذي يرى المسطرة ترتفع. تلك اللحظة التي يكون فيها كل شيء ما زال ممكنًا. حيث يمتزج الخوف والإثارة. ذلك هو ما كان يعلم الانضباط. ليس الألم. النظرة." لم أفهم أبدًا ما كانت تعنيه. كانت تلك الكلمات تبدو لي غريبة، شبه مقلقة. كنت قد وضعتها في زاوية من ذاكرتي، مع ذكريات الطفولة الأخرى. حتى اليوم. حتى رفعت تلك المسطرة أمام إينزو ورأيت في عينيه ذلك الرعب الممزوج بالإثارة. ذلك الانتظار الذي لا يحتمل. ذل
سيلياأدير كعبيّ، ساقاي ترتجفان لكنهما مصممتان. كل خطوة نحو الباب هي انتصار. لا أجرؤ على النظر إلى الوراء.- وداعًا، سيليا، يقول صوته من خلفي، مشوب بوعد غريب. سنلتقي مجددًا. أعدك بذلك.أخرج من المكتب، وأعبر الردهة، وأفتح الباب الأمامي الثقيل. يضربني هواء الليل الرطب على وجهي. أنزل الدرج راكضة، وكأن
سيليايتحرك برشاقة القطط، صامتًا. يدور حولي، وأشعر بعينيه على رقبتي وظهر خصري.- والدك باعك، سيليا. لقد وضع... نزاهتك... كضمان. وخسر.أقبض قبضتيّ، الغضب والإهانة يحترقان في صدري.- لم يكن لديه الحق.- الحق؟ يتوقف أمامي. تفوح منه رائحة خشب الصندل والجلد. القوة. الحق لا علاقة له بهذا. هناك الحقائق. أ
سيليايجلد المطر زجاج شقتي الصغيرة وكأن السماء نفسها تريد أن تغسل عني عاري. أشبك الرسالة المجعدة في يدي، تلك الورقة السميكة الفاخرة التي تحرق بشرتي. ترقص الكلمات أمام عينيّ، حكم بالإعدام أكثر من كونها دعوة."الآنسة ليروي، حضورك مطلوب غدًا، الساعة الثامنة مساءً، في قصر الضباب. سنناقش شروط تسوية دينك
كاسيان ليونتنظر. مندهشة كطفلة أمام حكاية خرافية تنبض بالحياة تحت عينيها. عيناها تلمعان أكثر من أضواء المدينة، أكثر من النجوم التي تنعكس في الماء، أكثر من كل ما رأيته في حياتي. تلامس الماء بطرف الأصابع، ترسم سحابات عابرة على سطح القناة. تبتسم للقطط النائمة على درجات القصور، تتنفس بعمق، كأنها تريد ح







