Partager

الفصل6

last update Date de publication: 2026-07-11 21:39:13

في تلك الفترة، كان أبي قد اشترى أراضي زراعية جديدة، واتسعت أعماله شيئًا فشيئًا. أما إخوتي الذكور، فقد أوكل إليهم رعي الأغنام في المراعي البعيدة، بينما كنت أنا أرافق العمال في الأراضي الزراعية منذ ساعات الصباح الأولى.

كنت ما أزال صغيرة، لكن يدي الصغيرتين اعتادتا حمل ما لا يطيقه الكبار. أعمل تحت حرارة الشمس لساعات طويلة، ثم أعود إلى البيت قبل غروب الشمس بقليل، فلا أجد وقتًا للراحة.

كنت أتجه مباشرة إلى الحظيرة، أجلس بجانب الأغنام وأبدأ بحلبها واحدة تلو الأخرى، بينما كان التعب يثقل جسدي، ويدي تؤلمني من كثرة العمل. وحين أنتهي، أعود إلى أمي لأساعدها في شؤون المنزل ورعاية أختيّ الصغيرتين.

لم أعرف يومًا معنى الطفولة كما عرفها غيري. لم تكن أيامي مليئة باللعب أو الضحك، بل كانت تمضي بين التراب، والأرض، والحليب، والتعب الذي صار جزءًا من حياتي.

ومع ذلك... كنت أرى ابتسامة أمي كلما نظرت إليّ، فأشعر أن كل ما أفعله يهون، لأنني كنت أعلم أنها تتألم بصمت أكثر مما أتألم أنا.

مضت السنوات مسرعة، وكبرتُ قبل أواني.

لم أعد تلك الطفلة التي تركض خلف أمها في الحقول، فقد بدأت ملامحي تتغير شيئًا فشيئًا. صرت أكثر نضجًا، وارتسمت على وجهي ملامح الأنوثة التي لم أجد وقتًا لأفرح بها.

أما إخوتي الذكور، فقد أصبحوا شبابًا يعتمد عليهم أبي في أعماله. وكبرت شقيقتاي الصغيرتان أيضًا، وحين بلغتا سن الدراسة، سمح لهما أبي بالذهاب إلى المدرسة.

كنت أراقبهما كل صباح وهما تحملان حقائبهما وتسيران في الطريق المؤدي إلى المدرسة، بينما كنت أقف عند الباب أتابعهما بعينين تخفيان أمنية قديمة.

لطالما تمنيت أن أكون مكانهما.

أن أجلس خلف مقعد خشبي، وأتعلم الحروف التي حُرمت منها، وأن أكتب اسمي بيدي بدل أن أحفظه في قلبي.

لكن أبي كان قد حسم أمري منذ سنوات، وقرر أن مكاني ليس بين الكتب، بل بين الحقول وأعمال المنزل.

كبرت وأنا أتعلم كيف أزرع الأرض، وأحصدها، وأخبز، وأطهو، وأغسل، وأحلب الأغنام... لكنني لم أتعلم يومًا كيف أمسك قلمًا في فصل دراسي.

ولأن الحاجة كانت أقوى من أحلامي، بدأت أخرج للعمل عند الناس. كنت أعمل في بيوتهم أو في أراضيهم مقابل أجر بسيط، أجمعه قرشًا فوق قرش.

لم يكن أبي يمنحنا نحن، بناته من أمي، أي مصروف. أما بناته من زوجته الثانية، فلم يكن ينقصهن شيء.

كنت أعود إلى البيت في المساء ويدي متشققتان من العمل، لكنني كنت أشعر براحة غريبة كلما استطعت شراء شيء تحتاجه أختاي، أو أساعد أمي في مصروف البيت.

لم أكن أعمل لأجل نفسي فقط...

كنت أشعر أنني السند الوحيد لأمي وأخواتي، وأن عليّ أن أكون قوية، حتى وإن كنت من الداخل أتعب أكثر مما أُظهر.

كنت أبتسم أمامهن، وأخفي وجعي، لأنني كنت أعلم أن البيت لم يعد يحتمل دمعةً أخرى.

كبر إخوتي... لكنهم لم يكبروا بالطريقة التي كنت أتمنى.

كنت أظن أن الأيام ستغير كل شيء، وأنهم عندما يصبحون رجالًا سيدركون كم تعبت إلى جانبهم، وكم وقفت مع أمي في أصعب الظروف.

لكنني كنت مخطئة.

شيئًا فشيئًا، بدأت أرى فيهم صورة أبي. لم يرثوا منه ملامحه فقط، بل ورثوا أيضًا قسوته وطريقته في التعامل معنا.

كان بعضهم يرفع صوته عليّ لأتفه الأسباب، وأحيانًا كانت كلماتهم أشد قسوة من الضرب. وفي مرات أخرى، لم يترددوا في مدّ أيديهم عليّ، وكأن تعبي معهم طوال تلك السنوات لم يكن له أي قيمة.

كنت أتلقى ذلك بصمت، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني تعبت من كثرة الدفاع عن نفسي أمام من لا يريد أن يسمع.

كم مرة سهرت لأجلهم، وكم مرة تنازلت عن راحتي حتى لا ينقصهم شيء. كنت أظن أن المعروف يبقى في القلوب، لكنني اكتشفت أن بعض القلوب تنسى سريعًا.

ومع ذلك... لم يكن الجميع سواء.

كان أخي حسين مختلفًا عنهم.

كلما رآني أحمل فوق كتفي ما يفوق طاقتي، أسرع ليساعدني دون أن أطلب. وإذا سمع أحدًا يظلمني، كان يقف إلى جانبي بكل هدوء، وكأنه يرفض أن أصبح وحيدة في مواجهة هذا البيت.

لم يكن يستطيع تغيير كل شيء، لكنه كان يمنحني شيئًا افتقدته طويلًا...

الإحساس بأن هناك من يراني، ومن يعرف أنني لم أكن يومًا سببًا في كل هذا الألم.

وجود حسين كان أشبه بنافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى بيت امتلأ بالعتمة. وكلما ضاقت بي الدنيا، كنت أحمد الله أنني لم أفقد الجميع.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • حب وحرب   الفصل 34

    حاولت أمينة النهوض، غير أن والدها كان أشد منها قوة. أمسكها من شعرها بعنف، وسحبها حتى ألقى بها داخل إحدى الغرف. وقف أمامها وهو يلهث من شدة غضبه، وقال بلهجةٍ آمرة: – ستفسخين خطبتك من أحمد، وستتزوجين أبا عبدو. لديه زوجتان، وسيتخذك زوجةً ثالثة، وهذا أنسب لك من ذلك الشاب. رفعت أمينة رأسها، وقد امتزج الألم بالإصرار في عينيها، وقالت بثبات: – والله لو قتلتني، فلن يحدث ما تريد. وفي تلك اللحظة، دخلت زوجة أبيها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، وقالت: – ما زلتِ عنيدة يا أمينة بعد كل هذه السنين! اسمعي كلام أبيك، فلعل الله يرزقك ولدًا يسندك في آخر عمرك. نظرت إليها أمينة باحتقار، ثم قالت بهدوءٍ لاذع: – أتقصدين كما أسندك ابنك؟ لقد سمعت أن زوجته طردتك من بيتها. أسأل الله أن يريكِ جزاء ظلمك قبل الآخرة. تبدلت ملامح المرأة، واشتعل الغضب في وجهها. ولم يمهلها والدها لحظة، إذ رفع يده وصفع أمينة صفعةً قوية، حتى ارتطم رأسها بالجدار. ساد الصمت للحظات. أغمضت أمينة عينيها، وشعرت أن سنوات الظلم كلها تجثم فوق صدرها. أدركت أن الجراح التي خلّفها والدها في قلبها لم تكن آثار ضربٍ فحسب، بل كانت ندوبًا

  • حب وحرب   الفصل 33

    ودّعت أمينة إخوتها وعينيها تفيضان بالدموع، بينما كانت زوجاتُهم يودعن أزواجهن بقلوبٍ يعتصرها الخوف. اجتمعت النسوة في ساحة المنزل، ورفعن أكفّهن إلى السماء، يسألن الله أن يحفظ أبناءهن وأزواجهن، وأن يكتب النصر للمظلومين، وأن يرفع عن البلاد ما حلّ بها من بلاء. كانت أمينة قد احتفظت بالهاتف الذي اشترته حين كانت في قرية كرمين، وأخفته عن الجميع خشية أن يقع في الأيدي الخطأ. ولم يكن يضم سوى رقم أحمد، فقد كان وسيلتها الوحيدة للاطمئنان عليه وعلى إخوتها. ومع كل مساء، كانت تبحث عن مكانٍ بعيد عن الأنظار، ثم تتصل به. وما إن تسمع صوته حتى يهدأ اضطراب قلبها. كان يحدثها عن أحوال الجبهات، وعن الليالي الطويلة التي يقضيها مع رفاقه، وعن القرى التي تتعرض للقصف، ثم يوصيها في نهاية كل اتصال أن تعتني بوالدتها، وألا تقلق عليه، مؤكدًا لها أن الله خير حافظ. أما هي، فكانت تبعث إليه برسائل صوتية كل يوم، تملؤها الدعوات وكلمات الشوق، فيرد عليها كلما سنحت له الفرصة، لتظل تلك الرسائل خيطًا رفيعًا يصل بين قلبين فرّقت بينهما الحرب. ومضت الأيام ثقيلة، ولم يتبدل حال البلاد. كانت المعارك تزداد ضراوة، والقصف لا يكا

  • حب وحرب   الفصل 32

    بعد أن اتخذوا قرار العودة إلى قريتهم، شرعوا في جمع أمتعتهم على عجل، بينما كانت أصوات الطائرات الحربية تهز السماء، ويتردد دوي القصف في القرى المجاورة. استقلوا سيارةً أقلّتهم نحو المنارة، وقد خيّم الصمت على الجميع. جلس أحمد إلى جوار أمينة، وأمسك بيدها في هدوء، وكأن تلك اللمسة تبعث الطمأنينة في قلبيهما. كانا يرفعان أبصارهما إلى السماء بين الحين والآخر، ويرددان في سرهما الدعاء أن يحفظهم الله، وأن ينجّي الأطفال والأبرياء من أهوال الحرب. وبعد رحلةٍ ثقيلة، وصلوا إلى منزلهم. توقف الجميع أمامه وقد عقدت الصدمة ألسنتهم. كانت الأبواب مخلوعة، والنوافذ محطمة، وآثار العبث والخراب تملأ المكان، بينما نمت الأعشاب اليابسة في أرجاء الدار، شاهدةً على شهور الهجران. تنهدت أمينة، ثم دخلت بصمت، وتبعتها والدتها وزوجتا أخويها، وبدأن بتنظيف المنزل رغم الألم الذي كان يعصر قلوبهن مع كل زاويةٍ يعثرن فيها على أثرٍ من آثار الخراب. وبعد ساعاتٍ من العمل، أعادوا ترتيب ما استطاعوا، وأدخلوا أمتعتهم إلى الداخل. وعلى الرغم من كل ما أصاب منزلهم، فقد كان حاله أهون من كثيرٍ من بيوت القرى المجاورة التي سوِّيت بالأرض

  • حب وحرب   الفصل 31

    ارتعش قلبها لكلماته، لكنها قالت بصوتٍ يملؤه التردد: – أنت لا تعرف ما الذي حدث... ولا تعرف لماذا افترقنا. ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم قال بثقة: – بل عرفت كل شيء... عرفت الحقيقة كاملة، ولهذا جئت إلى هنا. رفعت رأسها تنظر إليه في دهشة، واتسعت عيناها وهي تهمس: – عرفت... ماذا؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: – عرفت السبب الذي جعل والدك يرفض زواجنا، وعرفت السر الذي أخفاه كل تلك السنين... ولم أعد مستعدًا لأن أسمح لتلك الأكاذيب بأن تسرق ما تبقى من عمرنا ابتسم أحمد وهو ينظر إليها، ثم قال بصوتٍ هادئ: – دعينا نؤجل هذا الحديث الآن... لقد سرق منا الفراق أعوامًا طويلة، ولا أريد لهذه الليلة أن يفسدها شيء. اقترب منها خطوة، وأمسك يديها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه مرةً أخرى. كانت تشعر بحرارة أنفاسه، وترى في عينيه شوقًا اختزنته السنوات. رفع يدها ببطء، وطبع عليها قبلةً خفيفة، ثم قال مبتسمًا: – كنت أحلم بهذه اللحظة منذ أعوام. احمرّ وجه أمينة، وسحبت يدها بخجل، وأطرقت برأسها، حتى خُيّل إليها أن قلبها سيغادر صدرها من شدة اضطرابه. استدارت مسرعة لتعود إلى داخل المنزل، لكنها سمعت صوته يناديها: – أم

  • حب وحرب   الفصل 30

    دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فارتجف قلب أمينة واشتدت خفقاته، وشعرت بأن شيئًا ما يخبرها أن خلف ذلك الباب خبرًا انتظرته طويلًا. تقدمت بخطوات مترددة، ثم سألت بصوتٍ امتزج فيه القلق والرجاء: – من الطارق؟ فجاءها صوت عبد الله من الخارج: – أنا يا أمينة... نحن إخوتك. ما إن سمعت صوته حتى اتسعت عيناها، وغمرتها فرحة عارمة لم تستطع كتمانها، فصاحت بأعلى صوتها: – أمي... أمي... لقد عاد إخوتي! فتحت الباب مسرعة، وألقت بنفسها في أحضانهم، تعانقهم بحرارة وتجهش بالبكاء، وكأنها تحاول أن تعوض بتلك اللحظات سنوات الفراق والخوف. خرجت الأم على عجل، ولحقت بها زوجتا حسن وحسين، وتعالت الزغاريد ممزوجة بدموع الفرح، بعدما أيقن الجميع أن الله قد استجاب دعاءهم، وردّ إليهم أبناءهم سالمين. طال العناق، وتعالت كلمات الحمد والثناء، وامتلأ المنزل بمشاعر لم تعرفها جدرانه منذ زمن. وحين هدأت العاصفة قليلًا، رفعت أمينة رأسها، فوقعت عيناها على أحمد. كان يقف إلى جانب الجدار في صمت، يراقبها بعينين تختزلان أعوامًا من الشوق والحنين، بينما كانت يده لا تزال معصوبة إثر الجرح الذي أصابه. تجمدت في مكانها، وتسارعت أنفاسها

  • حب وحرب   الفصل 29

    بعد أن ابتعدوا عن الفرع وساروا مسافة طويلة على الطريق، وصلوا إلى مفترق يفصل بين طريق القرية والطريق المؤدي إلى المدينة. توقف أحمد فجأة، ثم نظر إلى الإخوة الثلاثة، وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ألمه: "إلى هنا سأودعكم يا شباب." نظر إليه عبد الله باستغراب، وقال: "وماذا تقصد؟ ألم تكن ستأتي معنا إلى القرية؟" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، ثم هز رأسه وقال: "لن أستطيع... سأعود إلى أهلي، سأغادر سوريا من جديد. يبدو أن هذه البلاد لم يعد فيها مكان لنا." ساد الصمت للحظات، ثم اقترب أحمد من عبد الله وقال: "عبد الله... هل يمكن أن أكلمك على انفراد؟" أومأ عبد الله برأسه، وابتعدا قليلًا عن حسن وحسين. تنهد أحمد طويلًا، ثم قال: "قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها. وربما لن تجمعنا الأيام مرة أخرى، لذلك أريد منك جوابًا صريحًا." قال عبد الله: "اسأل، ولن أخفي عنك شيئًا." نظر أحمد إلى عينيه وقال: "يوم سألتك عن موقف والدك من موضوعي مع أمينة، رأيتك ارتبكت وغيرت الحديث. أنت تعرف كم أحب أمينة، وأنني كنت مستعدًا أن أهبها عمري كله. أخبرني... ماذا كان يخفى عني؟" خفض عبد الله رأسه، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال بحزن:

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status