LOGINرغم كل ما كانت تحمله الحياة من قسوة، كانت أمينة تبحث عن لحظات قصيرة تنسى فيها همومها.
كانت تزور جاراتها بين الحين والآخر، تجلس معهن حول فنجان قهوة، تستمع إلى أحاديثهن وتشاركهن الضحكات الخفيفة التي كانت تسرقها من بين أيامها الثقيلة. وأحيانًا كانت تذهب لزيارة بنات عماتها أو خالاتها، فوجودهن كان يخفف عنها شيئًا من الوحدة التي سكنت قلبها منذ سنوات. لكن هناك مكانًا واحدًا لم تكن تزوره عبثًا... بستان عائلة أحمد. كانت تمر من الطريق المؤدي إليه، وكأن قدميها تحفظانه أكثر مما يحفظه قلبها. لم تكن تدخل البستان لتقطف ثمرًا، ولا لتستظل بأشجاره، بل كانت تقف أمام شجرة التوت القديمة، وتتأمل الحروف المنقوشة على جذعها. "أحمد... أمينة." حروف بسيطة، نقشها طفلان قبل سنوات، لكنها بقيت شاهدة على أول لقاء جمع بينهما. كانت تمرر أصابعها برفق فوق تلك الحروف، ثم تبتسم بصمت وتمضي، وكأنها تترك جزءًا من قلبها مع الشجرة في كل مرة. مرت الأيام، حتى سمعت خبرًا جعل قلبها يخفق بقوة. لقد عاد أحمد من السفر. عاد بعدما أنهى دراسته، وعاد ومعه سنوات من الغياب والحنين. كما أنه أصبح أكثر وسامتة وملامحه الذكورية أصبحت أكثر وضوحا وجمالاً. حين وصل الخبر إلى أمينة، شعرت وكأن شيئًا استيقظ في قلبها بعد سبات طويل. حاولت أن تبدو هادئة، لكن فرحتها كانت أكبر من أن تخفيها. وبعد أيام قليلة من عودته... استيقظ في داخلها شعور غريب، شعور لم تستطع تفسيره. كان قلبها يدفعها إلى مكان واحد. شجرة التوت. سارت بخطوات مترددة نحو البستان، وكلما اقتربت ازداد خفقان قلبها. وحين وصلت... توقفت فجأة. كان هناك. يجلس تحت الشجرة، مستندًا إلى جذعها، شاردًا بين أغصانها، وكأنه عاد يبحث عن ذكرى تركها هنا منذ سنوات. رفع رأسه، فالتقت عيناه بعينيها. وقف بسرعة، وقد ارتسمت على وجهه دهشة لم يستطع إخفاءها، بينما شعرت أمينة أن الزمن توقف للحظة، وأن قلبها لم يعد يعرف كيف ينبض بهدوء. ساد بينهما صمت قصير... لكنه كان يحمل من الكلمات ما تعجز عنه الحروف. ابتسم أحمد ابتسامة دافئة وقال بصوت امتزج فيه الشوق بالحنين: "هذه المرة الثالثة التي يجمعنا فيها هذا المكان..." ثم نظر إلى الحروف المنقوشة على جذع الشجرة، وعاد ينظر إليها. "لقد عدت يا أمينة... صحيح أنني سافرت، لكن قلبي بقي هنا... عند هذه الشجرة." شعرت أمينة بحرارة الكلمات تسري في قلبها. في تلك اللحظة، أدركت أن أحمد لم ينسها يومًا. وأدركت أيضًا حقيقة حاولت الهروب منها طويلًا... أنها تحبه. لكنها أخفت مشاعرها خلف ابتسامة خجولة، واكتفت بالنظر إليه بصمت، فقد كانت تؤمن أن بعض المشاعر لا تُقال في أول لقاء... بل تكشفها الأيام. نظر أحمد إلى أمينة مبتسمًا، ثم سألها بهدوء: - "ما الذي جاء بكِ إلى هذه الشجرة؟" ترددت أمينة، ولم تسعفها الكلمات. بقيت صامتة للحظات، ثم قالت محاولةً إخفاء ارتباكها: - "كنت أمرُّ صدفةً بجوار البستان." ابتسم أحمد ابتسامةً خفيفة، وقال: - "أحقًّا كانت صدفة؟ أم أن قلبكِ هو من قادكِ إلى هنا؟" احمرّ وجه أمينة، وأطرقت برأسها خجلًا، ولم تستطع أن تنطق بحرف. اقترب أحمد منها خطوة، وقال بصوتٍ امتزج فيه الحنين باليقين: - "لقد عدت... لأتزوج الفتاة التي أحبها، والتي لم يعرف قلبي سواها." في تلك اللحظة، انقبض قلب أمينة، وتسللت إليها رهبةٌ لم تعرفها من قبل. خافت أن يذكر اسم فتاةٍ أخرى، وشعرت وكأن الأرض تميد بها. رفعت رأسها وسألته بصوتٍ يكاد يُسمع: - "ومن هي تلك الفتاة؟" ازداد اقتراب أحمد منها، وقال وهو يثبت نظره في عينيها: - "أحقًا تودين معرفة من هي الفتاة التي أسرت قلبي؟" تراجعت أمينة خطوتين إلى الخلف، وقالت وهي تحاول أن تخفي اضطرابها: - "لا... إنما هو مجرد فضول." التقت عيناهما، فسكن الزمن من حولهما. ظل أحمد يتأمل ملامحها بصمت، بينما كانت نظراته تبوح بما عجزت الكلمات عن الإفصاح عنه، وكأن قلبه كان يحدثها قبل لسانه.حاولت أمينة النهوض، غير أن والدها كان أشد منها قوة. أمسكها من شعرها بعنف، وسحبها حتى ألقى بها داخل إحدى الغرف. وقف أمامها وهو يلهث من شدة غضبه، وقال بلهجةٍ آمرة: – ستفسخين خطبتك من أحمد، وستتزوجين أبا عبدو. لديه زوجتان، وسيتخذك زوجةً ثالثة، وهذا أنسب لك من ذلك الشاب. رفعت أمينة رأسها، وقد امتزج الألم بالإصرار في عينيها، وقالت بثبات: – والله لو قتلتني، فلن يحدث ما تريد. وفي تلك اللحظة، دخلت زوجة أبيها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، وقالت: – ما زلتِ عنيدة يا أمينة بعد كل هذه السنين! اسمعي كلام أبيك، فلعل الله يرزقك ولدًا يسندك في آخر عمرك. نظرت إليها أمينة باحتقار، ثم قالت بهدوءٍ لاذع: – أتقصدين كما أسندك ابنك؟ لقد سمعت أن زوجته طردتك من بيتها. أسأل الله أن يريكِ جزاء ظلمك قبل الآخرة. تبدلت ملامح المرأة، واشتعل الغضب في وجهها. ولم يمهلها والدها لحظة، إذ رفع يده وصفع أمينة صفعةً قوية، حتى ارتطم رأسها بالجدار. ساد الصمت للحظات. أغمضت أمينة عينيها، وشعرت أن سنوات الظلم كلها تجثم فوق صدرها. أدركت أن الجراح التي خلّفها والدها في قلبها لم تكن آثار ضربٍ فحسب، بل كانت ندوبًا
ودّعت أمينة إخوتها وعينيها تفيضان بالدموع، بينما كانت زوجاتُهم يودعن أزواجهن بقلوبٍ يعتصرها الخوف. اجتمعت النسوة في ساحة المنزل، ورفعن أكفّهن إلى السماء، يسألن الله أن يحفظ أبناءهن وأزواجهن، وأن يكتب النصر للمظلومين، وأن يرفع عن البلاد ما حلّ بها من بلاء. كانت أمينة قد احتفظت بالهاتف الذي اشترته حين كانت في قرية كرمين، وأخفته عن الجميع خشية أن يقع في الأيدي الخطأ. ولم يكن يضم سوى رقم أحمد، فقد كان وسيلتها الوحيدة للاطمئنان عليه وعلى إخوتها. ومع كل مساء، كانت تبحث عن مكانٍ بعيد عن الأنظار، ثم تتصل به. وما إن تسمع صوته حتى يهدأ اضطراب قلبها. كان يحدثها عن أحوال الجبهات، وعن الليالي الطويلة التي يقضيها مع رفاقه، وعن القرى التي تتعرض للقصف، ثم يوصيها في نهاية كل اتصال أن تعتني بوالدتها، وألا تقلق عليه، مؤكدًا لها أن الله خير حافظ. أما هي، فكانت تبعث إليه برسائل صوتية كل يوم، تملؤها الدعوات وكلمات الشوق، فيرد عليها كلما سنحت له الفرصة، لتظل تلك الرسائل خيطًا رفيعًا يصل بين قلبين فرّقت بينهما الحرب. ومضت الأيام ثقيلة، ولم يتبدل حال البلاد. كانت المعارك تزداد ضراوة، والقصف لا يكا
بعد أن اتخذوا قرار العودة إلى قريتهم، شرعوا في جمع أمتعتهم على عجل، بينما كانت أصوات الطائرات الحربية تهز السماء، ويتردد دوي القصف في القرى المجاورة. استقلوا سيارةً أقلّتهم نحو المنارة، وقد خيّم الصمت على الجميع. جلس أحمد إلى جوار أمينة، وأمسك بيدها في هدوء، وكأن تلك اللمسة تبعث الطمأنينة في قلبيهما. كانا يرفعان أبصارهما إلى السماء بين الحين والآخر، ويرددان في سرهما الدعاء أن يحفظهم الله، وأن ينجّي الأطفال والأبرياء من أهوال الحرب. وبعد رحلةٍ ثقيلة، وصلوا إلى منزلهم. توقف الجميع أمامه وقد عقدت الصدمة ألسنتهم. كانت الأبواب مخلوعة، والنوافذ محطمة، وآثار العبث والخراب تملأ المكان، بينما نمت الأعشاب اليابسة في أرجاء الدار، شاهدةً على شهور الهجران. تنهدت أمينة، ثم دخلت بصمت، وتبعتها والدتها وزوجتا أخويها، وبدأن بتنظيف المنزل رغم الألم الذي كان يعصر قلوبهن مع كل زاويةٍ يعثرن فيها على أثرٍ من آثار الخراب. وبعد ساعاتٍ من العمل، أعادوا ترتيب ما استطاعوا، وأدخلوا أمتعتهم إلى الداخل. وعلى الرغم من كل ما أصاب منزلهم، فقد كان حاله أهون من كثيرٍ من بيوت القرى المجاورة التي سوِّيت بالأرض
ارتعش قلبها لكلماته، لكنها قالت بصوتٍ يملؤه التردد: – أنت لا تعرف ما الذي حدث... ولا تعرف لماذا افترقنا. ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم قال بثقة: – بل عرفت كل شيء... عرفت الحقيقة كاملة، ولهذا جئت إلى هنا. رفعت رأسها تنظر إليه في دهشة، واتسعت عيناها وهي تهمس: – عرفت... ماذا؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: – عرفت السبب الذي جعل والدك يرفض زواجنا، وعرفت السر الذي أخفاه كل تلك السنين... ولم أعد مستعدًا لأن أسمح لتلك الأكاذيب بأن تسرق ما تبقى من عمرنا ابتسم أحمد وهو ينظر إليها، ثم قال بصوتٍ هادئ: – دعينا نؤجل هذا الحديث الآن... لقد سرق منا الفراق أعوامًا طويلة، ولا أريد لهذه الليلة أن يفسدها شيء. اقترب منها خطوة، وأمسك يديها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه مرةً أخرى. كانت تشعر بحرارة أنفاسه، وترى في عينيه شوقًا اختزنته السنوات. رفع يدها ببطء، وطبع عليها قبلةً خفيفة، ثم قال مبتسمًا: – كنت أحلم بهذه اللحظة منذ أعوام. احمرّ وجه أمينة، وسحبت يدها بخجل، وأطرقت برأسها، حتى خُيّل إليها أن قلبها سيغادر صدرها من شدة اضطرابه. استدارت مسرعة لتعود إلى داخل المنزل، لكنها سمعت صوته يناديها: – أم
دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فارتجف قلب أمينة واشتدت خفقاته، وشعرت بأن شيئًا ما يخبرها أن خلف ذلك الباب خبرًا انتظرته طويلًا. تقدمت بخطوات مترددة، ثم سألت بصوتٍ امتزج فيه القلق والرجاء: – من الطارق؟ فجاءها صوت عبد الله من الخارج: – أنا يا أمينة... نحن إخوتك. ما إن سمعت صوته حتى اتسعت عيناها، وغمرتها فرحة عارمة لم تستطع كتمانها، فصاحت بأعلى صوتها: – أمي... أمي... لقد عاد إخوتي! فتحت الباب مسرعة، وألقت بنفسها في أحضانهم، تعانقهم بحرارة وتجهش بالبكاء، وكأنها تحاول أن تعوض بتلك اللحظات سنوات الفراق والخوف. خرجت الأم على عجل، ولحقت بها زوجتا حسن وحسين، وتعالت الزغاريد ممزوجة بدموع الفرح، بعدما أيقن الجميع أن الله قد استجاب دعاءهم، وردّ إليهم أبناءهم سالمين. طال العناق، وتعالت كلمات الحمد والثناء، وامتلأ المنزل بمشاعر لم تعرفها جدرانه منذ زمن. وحين هدأت العاصفة قليلًا، رفعت أمينة رأسها، فوقعت عيناها على أحمد. كان يقف إلى جانب الجدار في صمت، يراقبها بعينين تختزلان أعوامًا من الشوق والحنين، بينما كانت يده لا تزال معصوبة إثر الجرح الذي أصابه. تجمدت في مكانها، وتسارعت أنفاسها
بعد أن ابتعدوا عن الفرع وساروا مسافة طويلة على الطريق، وصلوا إلى مفترق يفصل بين طريق القرية والطريق المؤدي إلى المدينة. توقف أحمد فجأة، ثم نظر إلى الإخوة الثلاثة، وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ألمه: "إلى هنا سأودعكم يا شباب." نظر إليه عبد الله باستغراب، وقال: "وماذا تقصد؟ ألم تكن ستأتي معنا إلى القرية؟" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، ثم هز رأسه وقال: "لن أستطيع... سأعود إلى أهلي، سأغادر سوريا من جديد. يبدو أن هذه البلاد لم يعد فيها مكان لنا." ساد الصمت للحظات، ثم اقترب أحمد من عبد الله وقال: "عبد الله... هل يمكن أن أكلمك على انفراد؟" أومأ عبد الله برأسه، وابتعدا قليلًا عن حسن وحسين. تنهد أحمد طويلًا، ثم قال: "قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها. وربما لن تجمعنا الأيام مرة أخرى، لذلك أريد منك جوابًا صريحًا." قال عبد الله: "اسأل، ولن أخفي عنك شيئًا." نظر أحمد إلى عينيه وقال: "يوم سألتك عن موقف والدك من موضوعي مع أمينة، رأيتك ارتبكت وغيرت الحديث. أنت تعرف كم أحب أمينة، وأنني كنت مستعدًا أن أهبها عمري كله. أخبرني... ماذا كان يخفى عني؟" خفض عبد الله رأسه، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال بحزن:







