공유

الفصل7

last update 게시일: 2026-07-12 04:34:27

رغم كل ما كانت تحمله الحياة من قسوة، كانت أمينة تبحث عن لحظات قصيرة تنسى فيها همومها.

كانت تزور جاراتها بين الحين والآخر، تجلس معهن حول فنجان قهوة، تستمع إلى أحاديثهن وتشاركهن الضحكات الخفيفة التي كانت تسرقها من بين أيامها الثقيلة.

وأحيانًا كانت تذهب لزيارة بنات عماتها أو خالاتها، فوجودهن كان يخفف عنها شيئًا من الوحدة التي سكنت قلبها منذ سنوات.

لكن هناك مكانًا واحدًا لم تكن تزوره عبثًا...

بستان عائلة أحمد.

كانت تمر من الطريق المؤدي إليه، وكأن قدميها تحفظانه أكثر مما يحفظه قلبها. لم تكن تدخل البستان لتقطف ثمرًا، ولا لتستظل بأشجاره، بل كانت تقف أمام شجرة التوت القديمة، وتتأمل الحروف المنقوشة على جذعها.

"أحمد... أمينة."

حروف بسيطة، نقشها طفلان قبل سنوات، لكنها بقيت شاهدة على أول لقاء جمع بينهما.

كانت تمرر أصابعها برفق فوق تلك الحروف، ثم تبتسم بصمت وتمضي، وكأنها تترك جزءًا من قلبها مع الشجرة في كل مرة.

مرت الأيام، حتى سمعت خبرًا جعل قلبها يخفق بقوة.

لقد عاد أحمد من السفر.

عاد بعدما أنهى دراسته، وعاد ومعه سنوات من الغياب والحنين.

كما أنه أصبح أكثر وسامتة وملامحه الذكورية أصبحت أكثر وضوحا وجمالاً.

حين وصل الخبر إلى أمينة، شعرت وكأن شيئًا استيقظ في قلبها بعد سبات طويل. حاولت أن تبدو هادئة، لكن فرحتها كانت أكبر من أن تخفيها.

وبعد أيام قليلة من عودته...

استيقظ في داخلها شعور غريب، شعور لم تستطع تفسيره. كان قلبها يدفعها إلى مكان واحد.

شجرة التوت.

سارت بخطوات مترددة نحو البستان، وكلما اقتربت ازداد خفقان قلبها.

وحين وصلت...

توقفت فجأة.

كان هناك.

يجلس تحت الشجرة، مستندًا إلى جذعها، شاردًا بين أغصانها، وكأنه عاد يبحث عن ذكرى تركها هنا منذ سنوات.

رفع رأسه، فالتقت عيناه بعينيها.

وقف بسرعة، وقد ارتسمت على وجهه دهشة لم يستطع إخفاءها، بينما شعرت أمينة أن الزمن توقف للحظة، وأن قلبها لم يعد يعرف كيف ينبض بهدوء.

ساد بينهما صمت قصير... لكنه كان يحمل من الكلمات ما تعجز عنه الحروف.

ابتسم أحمد ابتسامة دافئة وقال بصوت امتزج فيه الشوق بالحنين:

"هذه المرة الثالثة التي يجمعنا فيها هذا المكان..."

ثم نظر إلى الحروف المنقوشة على جذع الشجرة، وعاد ينظر إليها.

"لقد عدت يا أمينة... صحيح أنني سافرت، لكن قلبي بقي هنا... عند هذه الشجرة."

شعرت أمينة بحرارة الكلمات تسري في قلبها.

في تلك اللحظة، أدركت أن أحمد لم ينسها يومًا.

وأدركت أيضًا حقيقة حاولت الهروب منها طويلًا...

أنها تحبه.

لكنها أخفت مشاعرها خلف ابتسامة خجولة، واكتفت بالنظر إليه بصمت، فقد كانت تؤمن أن بعض المشاعر لا تُقال في أول لقاء... بل تكشفها الأيام.

نظر أحمد إلى أمينة مبتسمًا، ثم سألها بهدوء:

- "ما الذي جاء بكِ إلى هذه الشجرة؟"

ترددت أمينة، ولم تسعفها الكلمات. بقيت صامتة للحظات، ثم قالت محاولةً إخفاء ارتباكها:

- "كنت أمرُّ صدفةً بجوار البستان."

ابتسم أحمد ابتسامةً خفيفة، وقال:

- "أحقًّا كانت صدفة؟ أم أن قلبكِ هو من قادكِ إلى هنا؟"

احمرّ وجه أمينة، وأطرقت برأسها خجلًا، ولم تستطع أن تنطق بحرف.

اقترب أحمد منها خطوة، وقال بصوتٍ امتزج فيه الحنين باليقين:

- "لقد عدت... لأتزوج الفتاة التي أحبها، والتي لم يعرف قلبي سواها."

في تلك اللحظة، انقبض قلب أمينة، وتسللت إليها رهبةٌ لم تعرفها من قبل. خافت أن يذكر اسم فتاةٍ أخرى، وشعرت وكأن الأرض تميد بها.

رفعت رأسها وسألته بصوتٍ يكاد يُسمع:

- "ومن هي تلك الفتاة؟"

ازداد اقتراب أحمد منها، وقال وهو يثبت نظره في عينيها:

- "أحقًا تودين معرفة من هي الفتاة التي أسرت قلبي؟"

تراجعت أمينة خطوتين إلى الخلف، وقالت وهي تحاول أن تخفي اضطرابها:

- "لا... إنما هو مجرد فضول."

التقت عيناهما، فسكن الزمن من حولهما. ظل أحمد يتأمل ملامحها بصمت، بينما كانت نظراته تبوح بما عجزت الكلمات عن الإفصاح عنه، وكأن قلبه كان يحدثها قبل لسانه.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • حب وحرب   الفصل 20

    بعد أن فرغوا من تناول الفطور، جلسوا في غرفة الجلوس يتبادلون الحديث، وقد خيّم القلق على وجوههم. كانت أخبار البلاد تتصدر كل مجلس، فلا حديث يعلو على ما يجري من أحداث. قال عبد الله مخاطبًا والدته: "يا أمي، سأحاول العثور على عمل هنا في المنطقة لأساهم في تأمين نفقات المنزل. فأنتِ تعلمين أن الأوضاع في البلاد لم تعد مستقرة، وعلينا أن نوفّر الطحين والغاز والمازوت قبل حلول الشتاء القارس." ثم تنهد وأردف قائلًا: "يتداول الناس أخبارًا عن احتمال انقطاع الخبز، بعد أن تعرّض عدد من المخابز والأفران للقصف، وأصبح إنتاج الخبز يتراجع يومًا بعد يوم." أطلقت والدته تنهيدةً عميقة، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بحرقة: "اللهم ارفع هذا البلاء عن بلادنا، واحفظ أهلها من كل سوء. ما ذنب هؤلاء الناس حتى يُهجَّروا من ديارهم ويواجهوا الجوع والبرد والخوف؟ إلى أين يمضون، وقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟" وفي صباح اليوم التالي، خرج عبد الله باكرًا، والضباب يلف الطرقات. كان يحمل في قلبه أملاً صغيرًا بأن يجد فرصة عمل، لكن ما رآه في الطريق كان أشد قسوة مما توقع. اصطف عشرات الرجال أمام أحد المستودعات ينتظرون فرصة ل

  • حب وحرب   الفصل 18

    خرجت أمينة مع والدتها وسط جموع النازحين، وكل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من متاعه، بينما ترك خلفه بيتًا وعمرًا كاملًا من الذكريات. وبعد مسافة، لحق بهم أخوها عبد الله وزوجته وأطفاله، وهو يسرع في خطواته حتى وصل إليهم. نادى بصوت مرتفع: "أمي... أمي، انتظرينا." توقفت الأم والتفتت إليه، فقال وهو يلهث: "تعالي معي أنتِ وأمينة وإخوتي الصغار. أهل زوجتي لديهم بيت فارغ، فقد سافروا خارج البلاد، ويمكننا أن نقيم فيه جميعًا حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى بيوتنا." نظرت إليه والدته بعينين امتلأتا بالامتنان، لكنها قالت بتردد: "يا بني، سنثقل عليكم. أنت وزوجتك وأولادك بحاجة إلى راحة،ولا أريد أن أضيق عليكم." اقترب عبد الله منها، وأمسك يدها بحنان، ثم قال: "يا أمي، هذا ليس وقت مثل هذا الكلام. الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا. خيرٌ لنا أن نجتمع في بيتٍ واحد، على أن نفترق ونعيش في الخيام مثل كثير من هؤلاء الناس." سكتت الأم لحظات، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما شعرت أمينة بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ أن غادرت منزلها. ورغم أن الحزن كان يملأ قلبها، إلا أن وجود أخيها إلى جانبها خفف عنها شيئًا م

  • حب وحرب   الفصل17

    في صباح اليوم التالي، استيقظت أمينة على غير عادتها على أصوات بعيدة تشبه دوي الرعد، لكنها لم تكن رعدًا. كانت أصوات انفجارات تتردد بين الجبال المحيطة بالقرية، فتوقفت للحظات وهي تحدق من نافذة المنزل، وقلبها يخفق بقوة. خرج أهل القرية إلى الطرقات، وكل واحد يسأل الآخر عما يجري، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا واضحًا. كانت الأخبار تتغير كل ساعة، والخوف يزداد في وجوه الجميع. دخلت أمها وهي تحمل كيسًا صغيرًا، وقالت بصوت امتزج فيه القلق بالحزن: "يلا يا أمينة... لازم نطلع قبل ما تسكر الطرق." نظرت أمينة حولها، وكأنها تودع كل زاوية في بيتها. لم تستطع أن تمنع دموعها وهي تمر بيدها على جدران المنزل التي شهدت طفولتها، ثم خرجت إلى الحديقة الصغيرة. اقتربت من شجيرات الورد التي زرعتها بنفسها، ولمست أوراقها برفق، وهمست: "سامحيني... إن شاء الله برجعلك قريب." ثم اتجهت نحو الحظيرة، فوجدت خروفها الصغير يقفز حولها كعادته، غير مدرك أن الفراق قد حان. احتضنته بقوة، وقبلت رأسه، وانهمرت دموعها وهي تقول: "ديروا بالكم عليه... لا تتركوه يجوع." حملت أمينة حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس، ومصحفًا قديمًا أه

  • حب وحرب   الفصل 16

    - لا تزالين تنتظرين ذلك الذي تركك وسافر؟ لو كان يحبك حقًا لما رحل وتركك. اسمعي نصيحتي، ابحثي لكِ عن شيخٍ كبير يقبل الزواج بكِ... إن وجد أصلًا من يرضى بكِ! رفعت أمينة رأسها، ونظرت إليها بثبات، ثم قالت بلهجةٍ لاذعة: - لا تقلقي... سأجد زوجًا، كما وجدتِ أنتِ زوجًا بعدما طال بكِ العمر، ولم تجدي غير أبي تتزوجينه. اختفت الابتسامة الماكرة عن وجه زوجة أبيها، وحلّ مكانها غضبٌ شديد. صرخت بها: - اخرسي! ضحكت أمينة ضحكةً امتزجت بالمرارة، وما تزال الدموع تلمع في عينيها، ثم أدارت ظهرها لها ومضت في طريقها نحو البستان، تاركةً خلفها امرأةً تتأجج غيظًا. ما إن وصلت أمينة إلى البستان حتى اتجهت مباشرة نحو شجرة التوت. اقتربت منها ببطء، ومدّت يدها تتحسس المكان الذي نقش فيه أحمد حرف اسمه إلى جانب حرف اسمها. مررت أصابعها على النقش وكأنها تلامس يده، وشعرت للحظة أن الزمن قد توقف عند ذلك اليوم الذي جمعهما تحت ظلال هذه الشجرة. احتضنت جذع الشجرة بقوة، وأغمضت عينيها، ثم همست بصوتٍ اختنق بالبكاء: - أنتِ الوحيدة التي تؤنس وحدتي في غياب أحمد... وكلما جئت إليكِ أشعر أن شيئًا منه ما زال هنا. وانهمرت دمو

  • حب وحرب   الفصل15

    احمرّ وجه أمينة خجلًا، ثم رفعت يدها إلى عنقها، ونزعت السلسلة التي كانت ترتديها. كان يتدلى منها حرفا اسميهما. مدّتها إليه وقالت: - احتفظ بها... لتكون ذكرى مني. مع أنني أعلم أنك لن تنساني، لكن كلما نظرت إليها تذكر أن هناك قلبًا ينتظرك، ولن يتوقف عن الدعاء لعودتك. سأبقى أنتظرك مهما طال الزمن. أخذ أحمد السلسلة برفق، وأغلق كفه عليها بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه. ثم نظر إليها بعينين تملؤهما المحبة وقال: - أنتِ لا تغيبين عن بالي لحظة واحدة، حتى لو لم تكن هذه السلسلة معي. مكانك هنا... ووضع يده على صدره، فوق قلبه. - أعدك يا أمينة... سأعود، وسأعود من أجلك أنتِ فقط. بعد أن غادر أحمد، بقيت أمينة واقفة عند نافذة غرفتها، تتابع خطواته حتى اختفى عن ناظريها. كان قلبها يهمس لها بشعورٍ غريب، وكأنه يخبرها أن هذا الوداع لن يعقبه لقاء قريب. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات... وكبرت أمينة، ولم يصلها عن أحمد أي خبر. تزوجت شقيقاتها الواحدة تلو الأخرى، وكلما تقدم شاب أعزب لخطبتها رفضه والدها بحجةٍ أو بأخرى، أما إذا كان الخاطب رجلًا كبيرًا في السن أو متزوجًا، كان يُلح عليها أن توافق. لكن أمين

  • حب وحرب   الفصل 14

    بعد مغادرة والد أمينة، بقي والد أحمد جالسًا وحده، غارقًا في أفكاره. كان يشعر بثقل القرار الذي اتخذه، ويتساءل في نفسه: كيف سأخبر أحمد؟ وكيف سأقنعه أن يبتعد عن أمينة؟ وبينما كان شارد الذهن، انفتح باب المنزل، ودخل أحمد وهو يلقي السلام. ــ السلام عليكم يا أبي. رد والده السلام، ثم قال بهدوء: ــ تعال يا أحمد... اجلس، أريد أن أتحدث معك في أمر مهم. جلس أحمد مبتسمًا وقال: ــ خيرًا يا أبي؟ هل حدث شيء؟ تنحنح والده، ثم قال: ــ يا بني... فكرت كثيرًا، وأرى أن تؤجل فكرة الزواج في هذه الفترة، وتسافر إلى الخارج لتكمل دراستك. عقد أحمد حاجبيه باستغراب. ــ أسافر؟! ولماذا الآن؟ أجابه والده بثقة: ــ شهادتك الجامعية وحدها لم تعد تكفي. أنت شاب طموح، وأريد أن أراك تحمل شهادة الماجستير، ثم الدكتوراه. فكرت أن تسافر إلى باريس، فجامعاتها من أفضل الجامعات. ازداد استغراب أحمد، وقال: ــ لكن... وما علاقة ذلك بأمينة؟ ابتسم والده ابتسامةً مصطنعة وقال: ــ لقد تحدثت مع والدها. كان مترددًا في تزويجها الآن، لكنه قال لي: إذا عاد أحمد حاملًا شهادة الدكتوراه، فلن أرفضه مرة أخرى، وسأزوجه أمينة

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status